دخل المرسوم  الحكومي القاضي بتغيير الخريطة القضائية بالمغرب حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ 02-01-2018 بعدما تم نشره في الجريدة الرسمية ابتداء من نفس التاريخ[1]. وقد سبق للحكومة أن صادقت عليه قبل حوالي شهر ونصف من الآن[2]، بحيث استهدف هذا التغيير تعديل المادة الثانية من المرسوم المحدد لعدد المحاكم بالمغرب وتعيين مقارها والذي يعود لسنوات السبعينات  من القرن الماضي عندما كان عدد المحاكم الابتدائية - على سبيل المثال - لا يتعدى 30 محكمة ووصل الآن مع هذا التعديل الأخير إلى 83 محكمة ابتدائية[3]. وقد دخل هذا المرسوم حيز التنفيذ  وسط اشكالات قانونية وواقعية تهم العنصر البشري وتأثيره على المهن القانونية المرتبطة بالقضاء فضلا عن انعدام الإمكانات المادية في الواقع .

 

اشكالية  نقص الموارد البشرية

اشكالية نقص الموارد البشرية، ولا سيما القضاة هو مشكل مطروح بحدة في المغرب. فعدد القضاة يقارب 4000، ثلثهم يمارسون بالنيابة العامة والإدارات والبعثات بالخارج، مما يخفض عدد القضاة الذين يبتون في القضايا إلى أقل من 3000 لحوالي 35 مليون نسمة هو عدد سكان المغرب ، مع الأخذ بعين الاعتبار كثرة النزاعات الناجمة عن عدة عوامل مرتبطة بالتنمية وعدم مواكبة القوانين للتطورات الحاصلة في بنية المجتمع المغربي وتعدد الأنظمة الناظمة لبعض المجالات كالعقار مثلا ، فضلا عن أن  البنية الديمغرافية للقضاء المغربي تتسم بالشيخوخة  وذلك نتيجة عدم انتظام مباراة الولوج للمعهد العالي للقضاء ، علما أنه  في الخمس سنوات الأخيرة ثم زيادة عدد القضاة الشباب المتخرجين من المعهد بحوالي 1000 قاضية وقاض، وهو رقم يعادل ما تخرج منه طيلة عشرين سنة ربما .

وتعاني المحاكم المغربية اليوم  حتى قبل صدور المرسوم الأخير  خصاصا في عدد القضاة قدًره المجلس الأعلى  للسلطة القضائية في أزيد من 600 قاض[4] ولن يستطيع تغطيته إلا بحوالي الثلث أي 200 قاض المتخرجة من المعهد العالي لقضاء هذه السنة[5]. وقد دفع هذا الأمر وزارة العدل إلى الالتجاء لفتح مباراة جديدة لدخول 140 قاض متدرب (ملحق قضائي هي التسمية الرسمية) إلى المعهد العالي للقضاء رغم أن هذه المباراة تم فتحها في ظل الشروط القديمة التي لم تعد تساير المستجدات الدستورية والقضائية الحاصلة في المغرب .

ولطمأنة القضاة والموظفين، قام وزير العدل المغربي محمد أوجار باستقبال نادي قضاة المغرب كجمعية مهنية أثارت موضوع الخصاص بمناسبة صدور هذا المرسوم، وقد أصدرت الوزارة عقب هذا الاجتماع بلاغا أعلنت فيه أن تشغيل المحاكم الجديدة سوف يكون تدريجيا بالموازاة مع توفير العنصر البشري وبتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية[6].

 

اشكالات قانونية...

بعد دخول المرسوم الجديد المتعلق بالخريطة القضائية حيز التنفيذ ابتداء من 02-01-2018 واتخاذ وزارة العدل لقرار التنفيذ التدريجي له بالنظر لقلة المواد المادية والبشرية، فإن الاشكال القانوني الذي سوف يثار بالتأكيد من طرف الدفاع في مختلف القضايا المعروضة على بعض المحاكم هو الدفع المتعلق بعدم الاختصاص المكاني للمحاكم المعنية بالتغير في المرسوم المذكور. وسوف نرى في الأيام القادمة كيف سيرد عليها القضاء المغربي، على أن بعض الآراء تسير باتجاه اعتبار أن المادة الثالثة من نفس المرسوم تسند لوزير العدل تنفيذ المرسوم. وبالتالي، فإن  بدء اختصاص المحاكم الجديدة رهين بتوفير وزارة العدل للموارد على أرض الواقع.

 

وضعية المهن القانونية

عمد المرسوم الجديد من جهة أخرى، كما هو معلوم، إلى تغيير الاختصاص المكاني لسبع محاكم ابتدائية، بحيث تم تغيير تبعيًتها من دائرة محكمة استئناف إلى دائرة أخرى، بحكم القرب الجغرافي والإداري للتبعية الجديدة وفق رؤية الحكومة في تقديمها للمرسوم المذكور. وبغض النظر عن مدى نجاعته، فإنه من المؤكّد أنه ستكون لهذا التغيير آثار تهم وضعية المهن القانونية، ومنها مهنة المحاماة، بحيث أن نظامها القانوني بالمغرب يجعل كل هيئة للمحامين تتبع الدائرة الاستئنافية، مع استثناء الدوائر التي ليس بها عدد كاف من المحامين حيث تتبع لهيئة الدائرة الاستئنافية القريبة منها. وعليه، ستؤدي هذه التغييرات إلى تغيير في تبيعة هيئات المحامين وما قد يستتبعها من مشاكل على مستوى نقص موارد الهيئة والمسافة وغيرها. ومن المعلوم أنه لم يصدر موقف رسمي عن هيئات المحامين التي خرجت للتو من انتخابات مهنية جرت نهاية الشهر الماضي، وما يقال عن هيئات المحامين يقال أيضا عن هيئات مهنية أخرى.

 

إشكال الموارد المادية واللوجستيكية ....

إن إحداث حوالي 13 محكمة ابتدائية جديدة ومحكمة استئنافية واحدة ليس بالأمر الهين من الناحية المادية، ذلك أن كل محكمة تتطلب بناية لائقة وبها مواصفات معينة، وأن المراكز التي تمّ الارتقاء بها لتكون محكمة ابتدائية مستقلة هي غير صالحة لذلك، مما يعني ضرورة إعادة بنائها وهيكلتها. وهذا الأمر سوف يتطلب موارد مالية كبيرة فضلا عن وقت كبير أيضا.

 

ولكن ورغم كل ما أثرناه من ملاحظات، تبقى هذه الخطوة في جانبها المتعلق بزيادة عدد المحاكم، وبغض النظر عن وقتها والجهة التي قامت بها، خطوة مهمة جدا، إذ ينتظر بعد تفعليها على أرض الواقع أن تقرب الخدمة القضائية بشكل أكثر فاعلية لفائدة المتقاضين بالمغرب . 

 

[1] - الجريدة الرسمية المغربية عدد 8634 وتاريخ 28-12-2017 متاح الاطلاع عليها بالموقع الالكتروني للأمانة العامة للحكومة المغربية:      

 

[2] - يتعلق الامر بالمرسوم رقم 688-17-2 مصادق عليه بتاريخ 16-11-2017 – للاطلاع على المرسوم ومذكرته التقديمية انظر الموقع الالكتروني للأمانة العامة للحكومة المغربية:      

http://www.sgg.gov.ma/Portals/1/lois/Projet_decret_2.17.688_ar.pdf?ver=2017-11-22-153828-863تاريخ الاطلاع هو 02-01-2018

[3] - يتعلق الأمر بالمرسوم رقم  2.74.498 الصادر بتاريخ 15-07-1974  متاح الاطلاع عليه بالموقع الالكتروني لوزارة العدل المغربية على الرابط الآتي : http://adala.justice.gov.ma/production/organisation/ar/498-74-2.htm  الاطلاع هو 04-01-2018.

[4] - مع العلم أن هذا الرقم هو مبني على الارقام المتوفرة لدى  وزارة العدل والتي تطرح عدة تساؤلات بخصوص طريقة احتسابها ، وما اذا كانت تعكس الواقع فعلا ام لا ؟ وهو ما جعل ناي قضاة المغرب كجمعية مهنية تقدر الخصاص في اكثر من هذا الرقم بكثير.

[5] - للتفاصيل عبداللطيف الشنتوف : مرسوم حكومي بتغيير الخريطة القضائية في المغرب : استحداث محاكم قبل تأمين الموارد الضرورية- مقال منشور بالموقع الالكتروني للمفكرة القانونية على الرابط الآتي : http://legal-agenda.com/article.php?id=4085

[6] - انظر الخبر في  الموقع الرسمي لوزارة العدل المغربية على الرابط الآتي : http://www.justice.gov.ma/lg-1/actualites/act-668.aspx تاريخ الاطلاع 02-12-2017