أثار المنشور  الخاص باحترام التسلسل الإداري الذي وجهه رئيس النيابة العامة إلى المسؤولين القضائيين مع مطلع العام الجديد[1] ضجة واسعة داخل الأوساط القضائية والحقوقية جعلت رئيس النيابة العامة يختار تقديم توضيحات عبر وسائل الإعلام[2] حول محتوى المنشور تمحورت أساسا حول طبيعة العلاقة بين مؤسسة رئاسة النيابة العامة ووزارة العدل، ثم مدى تقييد المنشور للحقوق الدستورية المخولة لقضاة النيابة العامة ومن أهمها الحق في التعبير وحضور الندوات من دون إذن مسبق.

 

العلاقة مع وزارة العدل علاقة تعاون لا اصطدام

 نفى رئيس النيابة العامة وجود أي اصطدام مع وزارة العدل معتبرا أن العلاقة التي تجمعهما هي علاقة تعاون، ومؤكدا أن هذا المنشور "جاء لتوضيح بعض الممارسات العادية في التسيير والتي لم يتم الانتباه إلى التغيير الذي حدث بشأنها نتيجة للتعديلات الدستورية والقانونية الجديدة... فبعض الممارسين بالنيابات العامة، وليسوا كلهم، لم يستحضروا هذه التغييرات في طريقة عملهم، مما تسبب في بعض الارتباك. وهو ما كان يستدعي التذكير بالقواعد العامة للتدبير القضائي من أجل الانسجام مع المقتضيات الدستورية والقانونية الجديدة".

 

العلاقة بين المهام القضائية والتسيير الإداري للمحاكم

اعتبر رئيس النيابة العامة أن الحدود واضحة بين المهام القضائية والتسيير الإداري للمحاكم. لأن لا علاقة لممارسة المهام القضائية بالإدارة، والمسؤول عنها هو القضاء (بشقيه قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة) الذي يتم تسييره من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو رئاسة النيابة العامة، تبعا لما خوله  القانون من اختصاصات لكل منهما.

وأما "الإدارة القضائية" والتي تهتم بالسير الإداري للمحاكم، بشكل لا يمس الاختصاصات القضائية الموكولة للسلطة القضائية وحدها فقد نصت المادة 54 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أنها، تخضع لتنسيق بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل بواسطة "هيئة مشتركة"، سيصدر قرار مشترك بين الرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل لتحديد تأليفها واختصاصها. مؤكدا على أهمية التواصل مع أجهزة وزارة العدل لحل الإشكاليات التي تطرأ على مستوى التسيير الإداري للمحاكم لا غير.

 

استياء القضاة شأن داخلي يناقش بعيدا عن الإعلام

ردا عن سؤال حول وجود استياء وسط بعض القضاة الذين اعتبروا المنشور الجديد تقييدا لحريتهم في التعبير، اعتذر رئيس النيابة العامة عن الجواب معتبرا أن الأمر يتعلق بشأن داخلي يهم بعض القضاة في علاقتهم برئاستهم ولا يمكن أن يصبح هذا الأمر الداخلي حديثاً عاماً لأنه لا يخص الرأي العام بل يشوش عليه بأمور خاصة جدا ولها قنوات مهنية لحلها. وأكد في هذا السياق أنه مستعد لاستقبال ملاحظاتهم كتابة أو مباشرة إذا طلبوا مقابلته لمناقشة مثل هذه المواضيع. وأضاف موضحا: "الفقرة التي وقع انتقادها كانت تتحدث عن التغيب عن العمل للمشاركة في أنشطة أخرى ودون علم السلطة الرئاسية، ولم تكن تحظر على قضاة النيابة العامة المشاركة في بعض الأنشطة العلمية أيام عطلهم. رغم أنه حتى خارج أوقات العمل يتم حضور البعض منهم لتلك الأنشطة بصفته القضائية لا بغيرها، مما يقتضي أن يعلم رؤساءه بمشاركته فيها". مرحبا في الأخير بالنقاش الذي أثاره القضاة والذي يدل على أنهم يتفاعلون مع الأحداث ويناقشونها بحرية وفي إطار القانون ولا يتقبلونها كأمر واقع.

 

وبالطبع، هذا التوضيح إنما يستعيد إحدى المشاكل الرئيسية في التنظيم القضائي، حيث غالبا ما يتنصل المسؤولون القضائيون من الانتقادات الموجهة إليهم بادعاء أن المسائل القضائية موضوع النقد شأن داخلي. آن أن يدرك هؤلاء أن التغيير الأساسي الحاصل بموجب دستور 2011 هو إعلان شمولية مبدأ الشفافية، وعمليا أن مختلف الشؤون القضائية هي شؤون عامة بامتياز.      

 

 

 

 

[1]-يتعلق الأمر بمنشور رئيس النيابة العامة رقم 03، صادر بتاريخ 02/01/2018، أنظر لمزيد من التفاصيل، المقالة التالية المنشورة بموقع المفكرة القانونية : وجهان لمنشور رئيس النيابة العامة في المغرب: استقلال خارجي مطلوب، وهيبة داخلية مبالغ بها

[2] -حوار رئيس النيابة العامة بتاريخ 05/01/2018 مع موقع http://www.adare.ma وتصريحه لموقع www.hespress.com بتاريخ 08/01/2018.