بتاريخ 14/12/2017، أبطل مجلس شورى الدولة، جزئياً، قرار الترخيص بإنشاء معمل الإسمنت الخاص بشركة بيار وموسى فتوش شقيقيّ النائب نقولا فتوش في منطقة عين دارة. الإبطال الجُزئي لا يعني طبعاً إلغاء الترخيص نهائياً. وبالتالي تبقى إمكانية بناء المصنع واردة، مع كل ما تشكله من تهديد على صحة أهالي المنطقة. وكان مجموعة من أهالي عين دارة ومعهم رئيس بلديتها العميد فؤاد هيدموس قد تقدموا في 9 آب 2016 بطعن أمام مجلس شورى الدولة لوقف تنفيذ وإبطال القرار رقم 5297/ت (ترخيص بإنشاء صناعات فئة أولى) تاريخ 8 تشرين الأول 2015 الصادر عن وزير الصناعة حسين الحاج حسن والقاضي بمنح شركة "بيار وموسى فتوش ش.م.ل." تراخيص بانشاء مصانع ومطاحن صناعية وتجارية - فئة أولى. وقد رافقت الطعن سلسلة من التحركات الشعبية التي شارك فيها أعضاء البلديات المجاورة والتي يطالها الضرر فيما لو تم إنشاء المصنع. وكان الشعار أن "معمل الموت لن يمر". ويلحظ أن وزارة الصحة كانت تقدمت في عهد الوزير وائل أبو فاعور وفق ما صرح به بتاريخ 28 حزيران 2016 "بمراجعة إلى مجلس شورى الدولة للمطالبة بإبطال قرار إنشاء المصنع" أيضاً.

 

ما ألغاه مجلس الشورى

إذاً رد مجلس شورى الدولة طلب وقف تنفيذ أعمال المصنع كما رد الدفع بانتفاء صفة ومصلحة الجهة المستدعية، وقبل المراجعة بالشكل. كما أبطل بعضا من النشاطات التي شملها الترخيص للشركة منها "استئجار خطوط التوتر العالي لنقل الطاقة الكهربائية" و"تطوير وسائل الانتاج  والطاقة الانتاجية بجميع مستلزماتها وفق الحاجات والمتطلبات المستقبلية والسماح بالتجديد والاستبدال والتطوير والتحديث والإضافة ضمن الاستثمارات المسموحة بكل قطاع من مجمل القطاعات التي تشكل المؤسسة والمشمولة بالتراخيص وذلك بغية تأمين الطاقة الانتاجية". و"تشييد أبنية عائدة لهذه الصناعات وبناء.. المكاتب وسكن العمال والمباني الإدارية. والترخيص باستخراج الصخور والرمول والأتربة وغيرها والمواد الأولية من العقارات المذكورة وغيرها. وإقامة مستودعات صناعية وخزانات تستفيد من كافة التسهيلات والإعفاءات بعد تصديرها وفق الأنظمة والقوانين المرعية الإجراء المنصوص عنها والمخزون.. واستعمال المضخات والآلات المتحركة والثابتة من السفن لتعبئة المواد إلا الاسمنت وكافة المواد من وإلى المرفأ والمصنع".

وفي حديث مع وكيل بلدية عين دارة المحامي نشأت حسنية، أوضح ماهية الطعن الجزئي قائلاً: "نحن تقدمنا بطعن بالترخيص وتم القبول به جزئياً ولم يبطلوا كامل الترخيص وإنما بعض الأنشطة التي تمارسها الشركة من ضمن الترخيص، وعليه أبقوا على معمل الاسمنت ولكن ألغوا عددا من الأنشطة التي تضمنها وبالتالي لا يوجد لا قبول كلي للطعن ولا رفض كلي للطعن". وقد أضاف حسنية أن حذف بعض الأعمال من الترخيص تجعل من الصعوبة بمكان إنشاء المصنع. فكيف ينشئ مصنعا إذا لم يكن مسموحا له "إنشاء أبنية ومكاتب". في الاتجاه نفسه، رأى منسق هيئة المبادرة المدنية-عين دارة المهندس عبدالله حداد أن قرار مجلس الشورى جعل من معمل فتوش "معملا معلقاً في الهواء" وقال:"لا أرض، لا كهرباء، لا مواد أولية (مقالع وكسارات ورمول)، لا أبنية سكنية أو إدارية أو عمالية، لا ماركات تجارية، ممنوع إستعمال السفن والمرفأ. ماذا تبقى من مشروع فتوش؟ ربما نسبة 10 % هي السماح بإقامة معمل افتراضي. هذا إنجاز كبير لنضالاتنا وحججنا القانونية".

 

بالمقابل، سارع "المكتب الإعلامي لـ بيار فتوش" وأعلن في بيان تم توزيعه على وسائل الإعلام، جاء فيه أن "مجلس شورى الدولة ... قضى بإعلان قانونية الترخيص بإنشاء واستثمار مجمع صناعي في منطقة جرود عين دارة، مشيراً إلى أن "​مجلس شورى الدولة​ يكون بهذا القرار قد رد مراجعة رئيس وأعضاء ​بلدية عين دارة​ المتعلقة بطلب إبطال الترخيص المذكور". كما لفت بيار فتوش في حديث لأحد المواقع الإخبارية إلى أنه "في السابق شدد القيمون على بلدية عين دارة أنهم يخضعون للقضاء وتحت سقف القوانين المرعية الاجراء، واليوم قال مجلس شورى الدولة كلمته وأقر بقانونية ترخيص المعمل"، وأضاف: "نحن سنستأنف عملنا استناداً إلى القرار القضائي، وفي حال عادت نغمة العرقلة سنطالب بعطل وضرر".

أهالي عين دارة مستمرون في نضالهم

وقد ردت بلدية عين دارة، على ما جاء على لسان فتوش ببيان نشر على صفحتها الإلكترونية بإسم "أهالي عين دارة ومجلسها البلدي ومخاتيرها وفعالياتها" أوضحت خلاله النقاط التالية:"سبق للسيد فتوش وشركاه أن حاولوا إقامة معمل الإسمنت في بلدتهم زحلة متسلحين بكل التراخيص والأذونات بما فيها رخصة إنشاءات صادرة من بلدية زحلة في حينه، لكن وقوف أهالي زحلة وتصديهم المحق حال دون إقامة المعمل في البلدة المذكورة. يؤكد أهالي وفاعليات بلدة عين دارة على حقهم الطبيعي في التصدي لإقامة المعمل المزعوم في خراج بلدتهم، لأن الأسباب التي حملت أهالي زحلة للتصدي للمشروع هي ذاتها التي تحمل أهالي عين دارة على التصدي بدورهم لهذه المحاولة الخبيثة". وقد ختموا البيان بأنهم "سيواجهون معمل الموت المزمع انشاؤه بكافة السبل والوسائل المشروعة لوقف هذا العمل المضر" حفاظا على "بيئة نظيفة خالية من الملوثات على تعددها، لأن التنمية المستدامة بأبعادها البيئية والإجتماعية والإقتصادية هي حق لنا كمواطنين ولا يجوز حرماننا منه أياً كانت الأسباب والظروف التي يتوسلها أصحاب الغايات المشبوهة". وختم البيان بمناشدة "الأجهزة الأمنية على اختلافها الحرص على تحقيق الأمن والسلامة الذين يتهددهما وجود مسلحين في كسارات فتوش، الأمر الذي يؤدي إلى إمكان حصول إعتداءات، قد يتعرض لها أصحاب الأملاك والأهالي في المنطقة المذكورة كما حصل سابقاً، وإلى فرض إقامة المعمل بالقوة وذلك تلافياً لحدوث مواجهات لا تحمد عقباها".

أما عن الأضرار البيئية التي قد يخلفها المصنع، فقال حسنية :"لقد اعتبر مجلس شورى الدولة أن وزارة البيئة موافقة على دراسة الأثر البيئي وبالتالي لا يوجد آثار بيئية سلبية ناتجة عن هذا المعمل، علما أن اللجنة التقنية في وزارة البيئة لم تعطِ موافقة تامة وإنما أعطت موافقة مشروطة إلى حين استكمال دراسة الأثر البيئي". وأوضح حسنية أن "هناك عدة نقاط أساسية لم يتوقف عندها مجلس شورى الدولة في الملف منها تصنيف. المجلس الأعلى للمقالع والكسارات والذي  استند إلى دراسة قام بها مجلس الإنماء والإعمار في المخطط التوجيهي العام لكل المناطق اللبنانية والذي نشر في الجريدة الرسمية سنة 2009، حيث اعتبر أن عين دارة من المناطق غير الصناعية وهي مصنفة منطقة سياحة بيئة وسكن وزراعة".

أضاف:"إن مجلس شورى الدولة ارتكز على قرار صادر، في زمن غازي كنعان، استثنائياً عن مجلس الوزراء في العام 1994 مخطط توجيهي أولي أعطي خلاله  ترخيص استثنائي للقيام بكسارات علماً أن المرسوم اللاحق عدل التصنيف والآن التنظيم المدني لا يعتبر عين دارة منطقة صناعية. وقد قمنا بتقديم مستندات توضيحية في هذا السياق".

وشدد حسنية أن "معركة اهالي عين دارة مع شركة فتوش لا تزال قائمة" وقال:"نحن بصدد دراسة إمكانية إعادة محاكمة على ضوء بعض المعطيات وسنرى إن كان يجيز لنا ذلك". مؤكداً أن "هناك قرارا لدى الأهالي أن معمل الاسمنت لن يمر".

 

وبسؤال منسق هيئة المبادرة المدنية-عين دارة المهندس عبدالله حداد  عن رأيه في كون قرار مجلس شورى الدولة لم يولِ في قراره الإهتمام اللازم بالمخاطر البيئية الناجمة عن مصنع الإسمنت، أجاب: "كنا نفضل لو أعار مجلس الشورى اهتماما أكبر بالمصالح العليا للدولة. المشروع يقع بشكل كامل داخل محمية أرز الشوف-المدى الحيوي وهي منطقة رشحتها وزارتا البيئة والثقافة على لائحة التراث العالمي لدى الأونيسكو. كنا نود لو تساءل أحدهم عن حظوظ هذا الترشيح بوجود معمل إسمنت؟ والسؤال كان يجب أن يطرح أساساً من قبل وزير البيئة غير المكترث نهائياً بالمحمية ويدلي بمغالطات فيما يتعلق بها".

أضاف:"كنا نود أيضا أن يأخذ مجلس شورى الدولة بعين الإعتبار الوضع الكارثي في لبنان لعملية مراقبة الصناعات الملوثة والتي لا توفر أي ضمانة بخصوص احترام المعايير البيئية بعد التشغيل. من هذه الناحية لا ثقة لنا ببيار فتوش وتجربتنا مع مقالعه خير برهان، ولا ثقة لنا بوزارة البيئة ونعرف تماما كيف تدير أزمة النفايات أو تلوث الليطاني مثلا. فقد وصلت نفاياتنا إلى برشلونة فيما نحن من الموقعين على معاهدة برشلونة. وزير البيئة يصف المقالع والكسارات بالجرائم البيئية ويكافئها بنفس الوقت عبر تراخيص إضافية بدل معاقبة أصحابها ثم يقول لا قدرة لدي على تطبيق القوانين".

وبسؤاله عن الخطوات اللاحقة التي ينوي أهالي عين دارة القيام بها، أجاب: "السعي لإلغاء الترخيص من أساسه لأنه ينافي مبدأ مشاركة العامة في تقييم وقبول مشاريع صناعية بهذا الحجم، وقائم على التلاعب بمحتوى مقررات مجلس الوزراء وتصنيف الأراضي، مطالبة الدولة بإعادة السيادة اللبنانية على جبل عين داره وتطبيق القوانين اللبنانية وخاصة قانون تنظيم المقالع والكسارات، واحترام الدولة لقرارات اللجنة الوزارية الخاصة (أيار 2017) القاضية بإقفال كل المقالع والكسارات التي لا تحوز على ترخيص من المجلس الوطني للمقالع والكسارات وأولها مقالع الفتوش وكساراته، كذلك مطالبة الدولة بإلقاء القبض على مرتكبي محاولة اغتيال ستيفن حداد، وهم معروفون بالأسماء من قبل الأجهزة الأمنية، وإحالتهم إلى القضاء، وبشكل عام سحب ميليشيا الفتوش من جبل عين داره".

وختم حداد مهدداً بالانتخابات النيابية المقبلة كوسيلة للمحاسبة وقال: "كما خاض مهندسو عين داره انتخابات نقابة المهندسين الأخيرة على معايير مصالح عين دارة الجامعة، وحجب الأصوات عن القوى السياسية المعادية لهذه المصالح، وقد أحدثت أصواتنا فرقاً وأسهمت في نجاح النقيب جاد تابت، كذلك سوف نسعى في الانتخابات النيابية إلى اعتماد نفس المعايير من قبل كل أهالي عين دارة".