في الرابع من آب، 2011 ناقش مجلس النواب في جلسة علنية اقتراح قانون[i] يرمي إلى إلغاء المادة 562 من قانون العقوبات اللبناني. هكذا، فإن قاتل "زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته"لم يعد من الآن فصاعداً "يستفيد من العذر المخفّف في حال "فاجأ" أيّاً من هؤلاء  "في جرم الزنى المشهود، أو في حالة الجماع غير المشروع، فاقدم على قتل أحدهما أو إيذائه بغير عمد". وهي كانت إحدى أهم المواد التي دأبت الحركة النسائية على النضال من أجل إلغائها لأنها، بحسب وصفها لها، "مادة قاتلة"؛ وذلك للدلالة على كونها مسوّغة  لقتل النساء بفعل استفادة المتهم من العذر المحلّ ( في صيغة المادة قبل تعديلها في العام 1999)، أو من العذر المخفّف ( في الصيغة المعمول بها منذ العام 1999).   
في الجلسة هذه، تناوب على الكلام عشرة نوّاب[ii] قبل طرح المشروع المذكور على التصويت بالمناداة بالأسماء ، فصُدّق  بالأكثرية.  في ما يلي، ننظر عن كثب إلى الكلام الذي تداوله النواب بصدد الاقتراح قيد التداول من أجل رصد الاتجاهات والمعتقدات والمبادئ الحاملة  للحجج التي قدّمها هؤلاء، إما دعماً  للاقتراح أو رفضاً له.
 الغضب والبشر
يجد نديم الجسر الذي كان أوّل المتكلمين/ المعترضين أن إلغاء المادة 562 بمثابة إيحاء إلى القاضي بعدم جواز تخفيف عقوبة قاتل إحدى قريباته في الظروف التي تصفها المادة، فيما تحتّم هذه المادة على القاضي التخفيف، فلا تترك المسألة لتقديره، فيما الحال، أن قاتل قريبته (بالدم أو بالشراكة) قد قام بفعلته تحت وطأة الغضب الشديد، فيستحق ذلك التخفيف. ويوفّر الجسر لزملائه النواب سيناريو جريمة القتل ووصفاً لأحوال المتهم :
   "اليوم إذا دخل أحد وفاجأ أحد أصوله أو فروعه ( في حالة الجماع غير المشروع) ألا تنتابه ثورة غضب شديد؟ اسمح لي أن أقول لك يا شيخ سامي الجميّل "الله لا يجرّب حدا" لكن الإنسان بأشياء تافهة يفقد أعصابه، فكيف إذا مرّ بمثل هذه التجربة، الا يفقد اعصابه؟.... فالناس في النهاية أعصاب وبشر...".
يدعو الجسر زملاءه النواب إلى أن يكونوا شهوداً على ثورة القاتل على "ما رأى"، ولأن  يتعاطفوا مع غضبه، بل إلى مشاركته ذلك الغضب. وهو يدعو الله تعالى ألا يُخضعهم  لـ"التجربة" المُفضية، حكماً، إلى فقدان أعصابهم؛ وذلك قياساً على فقدانها لأمور أبسط من ذلك بكثير.
ينطوي كلام هذا النائب على فكرة مفادها أن القانون قابلٌ بأن يكون الناس "كتلة أعصاب" و"بشر" (؟)، وبأن ينقادوا لما تُمليه عليهم "اعصابهم" و"بَشَريّتهم" في ظروف "تضع الإنسان في موقف يفقد أعصابه أو عقله". أما لماذا تُستثنى هذه الحالة من الغضب من كلّ حالات الغضب الأخرى لتستوجب صوغ مادة قانونية خاصّة، فإن النائب لا يقول صراحة لكنه يلمّح إلى ذلك تلميحاً حين يقول " .... إذا كان "ذلك" (مفاجأة أحد أصوله أو فروعه في حالة الجماع غير المشروع...) لا يُفقد ( المرء)  أعصابه فهذا شيء آخر!".  هنا وضع كاتب وقائع محضر الجلسة علامة تعجّب للتعبير، على الأرجح، عن لهجة  المتكلّم "المتعجّبة" من عدم مشاطرة بعض المستمعين له رأيه. بل للدلالة على "الإيحاء" أن من لا يشاطر المتكلّم الرأي، فهو لا يغضب في وضعية شبيهة تقوم فيها زوجه أو إحدى قريباته بـ"فعل الجماع غير المشروع"، وإلا لكان أبدى تفهمه لدوافع القاتل وحالته الانفعالية القصوى.
 القيم القاتلة؟
 والسبب الكامن وراء حالة الغضب الذي يعتري القاتل "المُفاجَأ" تختلف ، بحسب المعارضين لإلغاء 562، نوعاً عن حالات الغضب الناتجة عن أمر تافه  كـ"حادث سيارة" ، مثلاً، فتستوجب معالجة / مادة قانونية خاصة، ومتميّزة عن المواد في قانون العقوبات التي تحدد ظروف التخفيف ( مثل المادة 252 ،مثلاً) . فيتساءل عماد الحوت (المعارِض) " أية قيم نذهب بها في مجتمعنا؟ ...هل يعني أن نخفّف العقوبة على أشياء تافهة ونشددها على اشياء فيها شرف وكرامة وردّة فعل؟". لا يوضّح المعارضون أسباب استنتاجهم أن القاضي الذي سيعطي الأسباب التخفيفية للمذنب الذي أهين لأسباب تافهة، سيشدد العقوبة على من غضب لـ"أشياء فيها شرف...."؛ أي، افتراضهم كون التخفيف في هذا المقام يستتبع بالضرورة تشديداً في موقع آخر؟
وتُحال أسباب الوقوع تحت وطأة الغضب الشديد-  إلى كونها "موجودة في قيمنا وبمجتمعاتنا " و"بتفكيرنا كلنا". أما كيف استنتج المعارضون أن الناس – كل الناس- ما زالت تعتنق قيماً  تُفضي إلى "فقدان الأعصاب" لدرجة الإقدام على الإيذاء أو القتل، فأمر لم يستوجب الإيضاح من قبلهم.
ولا تغيب القيم عن محاجّة بعض المطالبين بإلغاء  562؛ فسامي الجميّل، مثلاً،  يحمّل "النواب الموجودين سنة 2011 مسؤولية التخفيف عن قاتل أخته، أو قاتل زوجته بحجة الدفاع عن شرف العائلة أو شرفه فيخرج من  السجن بعد شهرين ..." و"ينبّه" إلى أن عدم إقرار اقتراح إلغاء 562 "يردّنا إلى القرون الوسطى".  ويضيف إيلي عون، في السياق نفسه، أنه "لا يوجد في أكثر البلدان تخلّفاً مثل هذا النص"(!). في كلام النائبَين الجميّل وعوْن تَوْقٌ ضمني، غير محتاج للتبرير، للنأي بالذات عن "التخلّف" وعن "القرون الوسطى". وذلك دون تعيين مضمون العدالة أو القيم، لا في زمن التخلّف، ولا في "القرن 21".  وتترك إلى السامع تقدير طبيعة هذه القيم، أكانت "قيم كلّ الناس في مجتمعنا" كما يدّعي رافضو الاقتراح، أو كانت قيم "القرن 21"  المناهضة لقيم القرون الوسطى، كما يرغب داعموه.
 المساواة الجندرية وواقع الحال
إلى ذلك، فإن الرافضين لإلغاء المادة 562 منهمكون بالمساواة الجندرية؛ وذلك في محاولة إثبات كون المادّة لا تميّز بين المرأة والرجل: فكلمة "زوْجَهُ" في نص ال562 تحيل في اللغة العربية، برأيهم، إلى المرأة وإلى الرجل سواء بسواء. أما تخصيص الأخت (دون الأخ) في النص فيمكن تدارك مفاعيله التمييزية بوضع حاشية للقانون لـ" تصبح بالمطلق على الذكر والأنثى وهذه تحسم الأمر"!  فوِفْقَ النائب الجسر، تزول الصفة التمييزية عن المادة 562 حين يتساوى الإثنان بالتخفيف من العقاب فلا تعود مخالفة لاتفاقية سيداو: فحين يتساوى الإثنان في تبرير القتل والإيذاء، بحجة أن الإثنين يفقدان أعصابهما بالدرجة ذاتها، تصبح المادة مساواتية وغير متناقضة مع اتفاقية سيداو.
 تبدو المحاجّة التي يقدّمها هذا النائب، ويكررها النواب الآخرون المعترضون على إلغاء 562، غير معنيّة بـالواقع - أو هي  تتجاهله؛ أي، كون ضحايا القتل في الوضعية الموصوفة في هذه المادة كلهم من النساء، وكون القتلة كلهم من الرجال – باستثناء حالات نادرة نابَتْ فيها النساء عن الرجال في مهمّتهم. وهو ما حاول النائبان غسان مخيبر والجميّل - مؤيدا اقتراح إلغاء المادّة-  التنبيه له. فواقع الحال يجعل المساواة في هذا المقام غير راهنة وإثارتها نافلة. إن وضع المسألة في إطار المساواة الشكلية بمثابة ما يدعى بـ"مشكلة خاطئة" "faux probleme"،  وهيإزاحة غير بريئةللمشكلة من مقامها الفعلي:
المشكلة، في هذا المقام، لا تتصف بضرورة أن "يُخفّف عن المرأة القاتلة ..." إلخ من نصّ ال562، تماشياً مع مبدأ المساواة وتطبيقاً لاتفاقية سيداو؛ فالمرأة هذه وهمية لأنها غير موجودة واقعاً في مجتمعنا، لأن إقدام امرأة على القتل أو الإيذاء في السياق الموصوف في ال562 يكاد أن يكون مستحيلاً في مجتمعاتنا.
 معلومات ومتابعة
في محضر جلسة مجلس النواب الذي نقرأ، لمسنا تبايناً لدى المتكلّمين في استقصاء المعلومات أو في متابعة المسألة :
ففي معسكر المطالبين بإلغاء المادّة قدّم النواب إيلي كيروز ومخيبر وفريد الخازن والجميّل حججاً مدعّمة بمعلومات وأفكار تنمّ عن معرفة بالموضوع ومتابعة دقيقة لتطوّر طرحه، أي، لجوهر مسوّغات إلغاء المادة كما طرحتها الحركة النسائية: كون المادّة مشجّعة على القتل، كون الأسباب التخفيفية ( لا العذر المخفّف) مشمولةّ للأسباب نفسها في مواد أخرى في قانون العقوبات فيسع القضاء استخدامها لضرورة التخفيف، كون قتلة النساء  يتسترون خلف "الشرف" من أجل ارتكاب جرائم عادية إلخ.
وباستثناء مداخلة الجميّل، جاء كلام محبّذي إلغاء ال562 مجردا عن أي "حماسة" بخلاف زملائهم المعترضين، وبدوا مقلّين في الكلام فلم يطوّروا أفكارهم ولا وضّحوها. نتساءل: هل إن هؤلاء متأكدون من أن المقترح الذي يدعمون سينال أكثرية الأصوات، فلم يبذلوا جهداً من أجل إقناع المعترضين؟ الجدير ذكره أن المعترضين كررّوا حججهم نفسها دون من تعديل، ولم "يناقشوا" أفكاراً أو معلومات طرحها الموافقون على إلغاء المادة. هل استنتج الموافقون أن النقاش "غير مجدٍ"،  فاختاروا الاقتضاب؟ 
هذا، فيما يقدّم الجميّل (أحد مقدّمي الاقتراح) في مداخلته معلومات خاطئة وغير دقيقة: ففي معرض إبرازه للواقع دحضاً لحجة المعترضين، يقول إن "66 جريمة شرف (وقعت) منذ العام 1999" . والواقع أن هناك 66 محاكمة لجرائم قُتلت فيها نساء (قصداً أوعمداً)  في إطار العائلة صدرت أحكامها عن محكمة التمييز بين العامين 1999 و2007. ( وِفْقَ دراسة أجرتها كاتبة هذه السطور بدعم من منظمة "كفى ...عنف واستغلال"). أما عدد جرائم قتل النساء ضمن العائلة، أو ما درج على تسميته شعبياً بـ"جرائم الشرف"، فإحصاؤها في فترة زمنية بعينها وتحيين ذلك الإحصاء، مُتاحَان للجميع في مديرية قوى الأمن الداخلي، فلا يجوز الاستناد إلى دراسة أجريت في سنة معيّنة على عيّنة محددة ولغرض معلن لا يدّعي إحصاء كل حالات قتل النساء في مدة زمنية محددة.
 أيضاً، وفي معرِض تمييز الاقتراح قيْد التداول عن "مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري"، يقول الجميّل إن المشروع المذكور "له علاقة بالمحاكم الشرعية، وليس له علاقة بالقانون العام"! إن المعلومة هذه خاطئة تماماً، ومناقضة للجهود التي تبذلها المنظمات غير الحكومية المتآلفة معاً في إطار "حملة تشريع حماية المرأة من العنف الأسري"؛ فهذه تناضل لانتزاع صلاحية معالجة العنف ضد المرأة من الطوائف ومحاكمها وجعلها من شؤون الدولة ومؤسساتها القانونية والأمنية والاجتماعية . إلى ذلك، لا يبدو الجميّل متنبّهاً إلى أن إيلاء حماية المرأة من العنف الأسري لغير الدولة ومؤسساتها بمثابة "عودة إلى القرون الوسطى" وابتعاد عن قَرْنِهِ الأثير : القرن 21!
في المعسكر المقابل، يصحّح الحوت عنوان الاقتراح المطروح الذي يحيل ال562 إلى  "جريمة الشرف" التي  تقوم، وفق ما قال، على "العمد"  فيما المادة 562 تقوم على "المفاجأة".  وهو تمييز يخدم حجته المنطقية الرافضة لإلغاء 562. هذا التمييز ما كان ليكون ضرورياً لو صيغ الاقتراح قيد النقاش بطريقة "علمية"، كأن يقال، مثلاً، "المتعلّقة بما يسمّى شعبياً جريمة الشرف"، بدل القول "المتعلّقة بجرام الشرف". فهل يجوز اعتماد تسمية شعبية (ومسيئة للمرأة) لقانون  في وثيقة رسمية لمجلس النواب؟
هذا، فيما يتكلّم الجسر عن “سيداو” وكأنها "تميمة" يكفي ذكرها حتى يُعفى كلامه من التمييز ضد المرأة. إن اختزال "سيداو" إلى هذا المعنى البدائي من المساواة، ليس تتفيهاً( من تفاهة) لهذه الاتفاقية فحسب، بل يشير إلى قصور في  إدراك تناقضها العميق مع  تضمينات 562 على المرأة.
لكن ما يميّز كلام معارضي إلغاء 562 هو خلوّه تماماً من معلومات عن الواقع  المحيط بهذه الجرائم في بلادنا: فحججهم "ذهنية" وقائمة على تصوّرات لسيناريوهات، و"استنهاض" لقيم لدى المستمعين وافتراض، غير مسوّغ، أنهم متواطئون معاً في اعتناقها. كما أن مداخلاتهم أغفلت تماماً خطاب الحركة النسائية اللبنانية حول الموضوع.
   ويكرر علي فيّاض، أخيراً، حجج المعارضين وينضم إلى الجسر للقول إن  الموضوع محتاج لـ"أن يحال إلى اللجان لدرسه بعمق وأخذ كافة الجوانب بالاعتبار". هل طلب التأجيل هذا، هوعلى سبيل تأخير الإقرار، أم أن هؤلاء المعارضين غير مُدركين أن لجان الإدارة والعدل المتتالية قد اشبعته درساً على امتداد سنوات طويلة، استجابة لمطالب الحركة النسائية؟ ألا يفترض بالمشرّع/ نائب الأمّة أن يكونمتابعاً لتحرّكات قوى المجتمع المعنية بالمسألة قيد التشريع؟ أليست هذه المتابعة من مفردات عدّة التشريع الأولية؟    
يوم إلغاء 562، لاحظتُ أنني تلكّأتُ في الاستجابة لسرور صدـيقاتي المحتفِلات بذلك الإلغاء. الواقع أنني أحسست ببعض المرارة:
 استغرق إلغاء 562 عشرات السنين، وهي مادّة لم يستخدمها القضاء مرّة واحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود؟ هل إلغاؤها-  في هذا الوقت بالذات-  بمثابة رسالة لنا تقول إن مسار إقرار "قانون حماية المرأة من العنف الأسري"  لن يكون مختلفاً؟
 
 


[i]  هم النواب ستريدا جعجع إيلي كيروز وسامي جميّل،
[ii] دافع عن إلغاء المادة 562 من قانون العقوبات اللبناني خلال الجلسة النواب :  سامي الجميّل وإيلي كيروز وأنطوان زهرا ومروان حمادة وغسان مخيبر وإيلي عون وفريد الخازن. وعارض الاقتراح النواب نديم الجسر وعماد الحوت وعلي فيّاض، أما النائب فادي فاعور الذي تكلم خلال الجلسة فلم يبدِ في كلامه راياً صريحاً حول الموضوع.