مر أكثر من ستة أعوام على زياتي للسجن الحربي شمال القاهرة والمخصص لاحتجاز العسكريين. ففي مارس 2011، علمت أن هناك عددا من الأطفال المحتجزين داخله فقررت التوجه لزيارتهم والتأكد من مدى صحة تلك المعلومات. تقدمت بطلب زيارة وقابلت طفلين وصفا لي ما جرى لهما منذ لحظة القبض عليهما وأبلغاني أن ثمة 23 طفلا آخر معهم في نفس السجن. وأثناء المقابلة، سألني أحدهما: "امتى هنروح للمحكمة؟" حاولت إقناع الطفل بأنه قد خضع للمحاكمة بالفعل وصدر ضده حكم بالإدانة. وفوجئ الصغير عندما أبلغته أن اليوم الذي كان واقفاً فيه مع مجموعة كبيرة من المتهمين وكان يجلس أمامهم عدد من الضباط داخل مطبخ السجن الحربي هو يوم المحاكمة، ورد مع إيماءة بالرأس تشير إلى الرفض "بس كانوا كلهم ظباط ومكنش فيه قاضي".

بعيداً عن مدى جواز محاكمة المدنيين عسكرياً، فالمحاكم العسكرية المصرية حاكمت وتحاكم العشرات إن لم يكن المئات من الأطفال عسكرياً منذ يناير 2011 حتى الآن بالمخالفة لأحكام قانون القضاء العسكري ذاته. كيف ذلك؟ هذا ما سوف تحاول السطور القادمة توضيحه. 

مدى جواز محاكمة الأطفال أمام القضاء العسكري

الطفل في مصر هو كل من لم يتجاوز ثمانية عشر عاماً ميلادية، وذلك وفقاً للمادة 80 من الدستور المصري والمادة الثانية من قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996[1]. طبقاً لقانون الطفل، لا يجوز محاكمة الأطفال إلا أمام محكمة الطفل، واستثناءً من ذلك، تجوز محاكمتهم أمام محكم الجنايات في حالة واحدة وهي إذا ما جاوز من العمر خمسة عشر عاماً واتهم في جناية وكان معه متهم بارتكابها غير طفل واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليهما معاً[2]. أما قانون القضاء العسكري رقم 25 لسنة 1966[3] فقد أجاز محاكمة الطفل أمام المحاكم العسكرية في حالتين فقط: الأولى إذا كانوا خاضعين لقانون القضاء العسكري، والثانية إذا اشتركوا في جريمة مع واحد أو أكثر من الخاضعين لهذا القانون[4].

وهنا يثور السؤال من هم الأحداث الخاضعون لأحكام القانون العسكري؟ ومن هم الخاضعون لأحكام هذا القانون والذين إذا ما شاركوا الطفل في جريمة اختص القضاء العسكري بالنظر فيها؟ للوقوف على إجابة لهذه الأسئلة علينا أن نعرف أن قانون القضاء العسكري لديه نوعان من الاختصاص، الأول يتعلق بشخص مرتكب الجريمة أياً ما كانت ويسميهم القانون "الخاضعون لأحكام قانون القضاء العسكري" وهم بشكل مختصر العسكريون والملحقون بالعسكريين المذكورين في المادة الرابعة من قانون القضاء العسكري[5]، وسمي العسكرييو بالخاضعين لأحكام قانون القضاء العسكري لأنهم هم الملزمون بكافة مواده بما في ذلك قواعد الضبط والربط والطاعة والولاء المذكورة في الكتاب الثاني من هذا القانون والخاص بالجرائم العسكرية التي لا تقع إلا من العسكريين الخاضعين لأحكام قانون القضاء العسكري والتي لا يتصور وقوعها من المدنيين.

 والنوع الثاني من الاختصاص يتعلق بالجريمة ذاتها بغض النظر عن مرتكبها مدنيا كان أم عسكريا ويطلق عليها "الجرائم التي يسري في شأنها أحكام قانون القضاء العسكري" وهو الاختصاص الذي يتم الاستناد عليه في محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في مصر. وهي الجرائم المنصوص عليها في المواد 5 و7 من قانون القضاء العسكري وهي في أغلبها الجرائم التي تقع في أو على المنشآت والمعدات والمناطق العسكرية والأشخاص العسكريين. وفي عام 2014، تم إصدار الدستور الحالي لدسترة المادة 204 منه محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في عدد من الجرائم منها التي "تشكل اعتداء مباشرا على المنشآت العسكرية أو في معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها..". وفي استغلال لعبارة "أو ما في حكمها"، أصدرت الحكومة القانون رقم 136 لسنة 2014[6] والذي اعتبر العديد من المنشآت المدنية في حكم المنشآت العسكرية وأصبح الاعتداء على تلك المنشآت متى كانت تحت حراسة القوات المسلحة جريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص القضاء العسكري. وإذا ما ارتكب مدني لأي من تلك الجرائم التي تدخل في النوع الثاني من اختصاص القضاء العسكري فيعتبر ممن يسري في شأنهم أحكام قانون القضاء العسكري وليس من الخاضعين لأحكامه كما يعتقد البعض.

نعود لحالات محاكمة الطفل عسكرياً فكما أشرنا، فإن ذلك لا يجوز إلا في حالتين، الحالة الأولى إذا ما كان الطفل ذاته عسكريا من الخاضعين لأحكام قانون القضاء العسكري، ولا يعتبر الطفل كذلك وفقاً لنص المادة الرابعة سابقة الذكر إلا إذا ما كان من طلبة المدارس العسكرية أو مراكز التدريب المهني أو المعاهد أو الكليات العسكرية، أو من المجندين أو أسرى الحرب أو المتطوعين ولم يتجاوز من العمر ثمانية عشر عاماً، وذلك أمر نادر الحدوث ولكنه يحدث. أما الحالة الثانية فهي حال ما نُسب للطفل المدني ارتكاب جريمة مما تسري في شأنها أحكام قانون القضاء العسكري وكان معه في الاتهام أحد العسكريين الخاضعين لقانون القضاء العسكري، أي أنه يجب لكي يحاكم الطفل عسكرياً أن يكون معه متهم عسكري كضابط أو مجند أو أي من المذكورين في المادة الرابعة سابقة الذكر، فلا يكفي لمحاكمة الطفل عسكريا أن يكون معه متهم مدني حتى ولو كان بالغا.

ولتوضيح ذلك، إذا ما اعتدى طفل مدني بمفرده على منشأة عسكرية أو معدات عسكرية أو أحد ضباط القوات المسلحة أو ما هو في حكم المنشآت العسكرية كما جاء في القانون 136 لسنة 2014 ورغم كونها من الجرائم التابعة لاختصاص المحاكم العسكرية؛ فإن الطفل لا يحاكم أمامها. أما إذا ما كان معه شريك في نفس الجريمة فالمرجع في تحديد المحكمة المختصة هو هل شريك الطفل من الخاضعين لأحكام قانون القضاء العسكري أم من المدنيين الذين يسري في شأنهم أحكام هذا القانون؟ فإذا ما كانت الإجابة أن الشريك من الخاضعين يحاكم الطفل عسكرياً هو وشريكه العسكري، وإذا ما كانت الإجابة أنه مدني، فيحاكم الطفل أمام محكمة الطفل، ويحاكم الشريك أمام المحكمة العسكرية.

انتهاك القضاء العسكري لشروط محاكمة الأطفال أمامه

لا تلتزم المحاكم العسكرية في مصر بالقواعد التي ذكرناها؛ حيث تحاكم أي طفل جاوز من العمر خمسة عشر عاماً وارتكب جريمة من الجرائم التي تسري عليها أحكام قانون القضاء العسكري إذا ما كان معه متهم بالغ حتى لو كان مدنيا. وتعتبر المحكمة أن مجرد وجود متهم بالغ في القضية كافٍ لمحاكمة الطفل عسكرياً دونما الوقوف على الشرط الأساسي لمحاكمة الطفل عسكريا وهو كون الشريك من الخاضعين لقانون القضاء العسكري المذكورين في المادة 4 من هذا القانون أم لا.

فتمت محاكمة الأطفال أمام المحكمة العسكرية في عشرات القضايا، دون توفر شرط وجود شريك من الخاضعين لأحكامه. فعلى سبيل المثال، نذكر القضايا أرقام 245 و246 و247 و248 و249 لسنة 2011 جنايات عسكرية شرق القاهرة وكان في تلك القضايا 17 طفلا، والقضية 152 لسنة 2014 جنايات عسكرية مطروح وكان فيها 12 طفلا، والقضايا أرقام 58 و187 لسنة 2015 جنايات عسكرية غرب القاهرة وفيهما ستة أطفال، وهناك الكثير من القضايا الأخرى والتي لا يوجد متسع لذكرها.

ولا يسعنا تفسير ذلك إلا أن المحكمة العسكرية ترى أن كافة البالغين متى ارتكبوا جريمة من الجرائم التي يسري في شأنها قانون القضاء العسكري أصبحوا مباشرة عسكريين من الخاضعين لأحكام قانون القضاء العسكري وبالتالي يخضع شركاؤهم الأطفال لأحكامه، وهذا خطأ فادح تسبب ويتسبب في محاكمة الكثير من الأطفال أمام المحاكم العسكرية بالمخالفة لقانون.

خاتمة

الحق في المحاكمة العادلة أمام جهة قضائية مختصة ومستقلة ومحايدة حق أكدت عليه العديد من مواثيق ومعاهدات حقوق الانسان بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل[7]، وتؤكد هذه الاتفاقية على ألا يتم حرمان الطفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية. ويجب أن يجري اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه وفقاً للقانون، وكذلك تأمين قيام سلطة مختصة أو هيئة قضائية عليا مستقلة ونزيهة وفقا للقانون بإعادة النظر في هذا القرار وفى أية تدابير مفروضة تبعاً لذلك.

ومحاكمة الطفل عسكرياً في مصر فضلاً عن كونه يتعارض مع حق الطفل في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي، فيتم في أغلب الحالات بالمخالفة لقانون القضاء العسكري، وتلك المخالفة تسببت في أن هناك العشرات وإن لم يكن المئات من الأطفال الذين سلبت حرياتهم وأدينوا من محاكم عسكرية غير مختصة بمحاكمتهم. وبالتالي، يجب على القضاء العسكري مراجعة كافة أحكامه التي أصدرها بحق الأطفال خلال السبع سنوات الماضية، وإعادة النظر فيها وفقاً للشروط التي وضعها القانون وإلغاء كافة الأحكام التي صدرت بحق أطفال ليسوا عسكريين أو لم يكن معهم شريك عسكري في الجريمة.

 

[1] - العدد 13 تابع من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 28 مارس 1996

[2] - المادة 122 من القانون 12 لسنة 1996 بشأن اصدار قانون الطفل المصري

[3] - العدد 123 من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ اول يونية سنة 1966

[4] تنص المادة 8 مكرر من قانون القضاء العسكري على:" يختص القضاء العسكري بالفصل في الجرائم التي تقع من الأحداث الخاضعين لأحكام هذا القانون. وكذلك الجرائم التي تقع من الأحداث الذين تسري في شأنهم أحكامه إذا وقعت الجريمة مع واحد أو أكثر من الخاضعين لأحكام هذا القانون..."

[5] تنص المادة على: "يخضع لأحاكم هذا القانون الأشخاص الأتون بعد: 1-ضباط القوات المسلحة الرئيسية والفرعية والإضافية. 2-ضباط الصف وجنود القوات المسلحة عموماً .3-طلبة المدارس ومراكز التدريب المهني والمعاهد والكليات العسكرية 4-أسرى الحرب.  5-أي قوات عسكرية تشكل بأمر من رئيس الجمهورية لتأدية خدمة عامة أو خاصة أو وقتية. 6 -عسكريو القوات الحليفة أو الملحقون بهم إذا كانوا يقيمون في أراضي الجمهورية العربية المتحدة، إلا إذا كانت هناك معاهدات أو اتفاقيات خاصة أو دولية تقضي بخلاف ذلك. 7-الملحقون بالعسكريين أثناء خدمة الميدان، وهم: كل مدني يعمل في وزارة الحربية أو في خدمة القوات المسلحة على أي وجه كان."

[6] - العدد 43 مكرر ج من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 27 أكتوبر 2014

[7] العدد 7 من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 14 فبراير 1991، قرار رئيس الجمهورية رقم 260 لسنة 1990 بالموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل والتي اعتمدتها الأمم المتحدة بتاريخ 20 نوفمبر 1989