أقر مجلس الوزراء اللبناني بتاريخ 12 تشرين الأول2017  مشروع قانون حماية المواقع والأبنية التراثية الذي كان قد عمل عليه وزراء ثقافة سابقون وأنجزه الوزير الحالي غطاس خوري. وقد أحيل مؤخرا إلى لجنة نيابية مشتركة للمناقشته تمهيدا لعرضه على الهيئة العامة للبرلمان. ويهدف هذا المشروع وفق ما ورد في أسبابه الموجبة إلى إنصاف مالكي الأبنية القديمة التي تستحق التصنيف والحماية من عبء تحمّل واجب حماية التراث الوطني بمفردهم، مع الحرص على عدم إلقاء أي تكلفة على عاتق الدولة، وإعطاء أصحاب هذه الأبنية جملة من الحوافز التشجيعية لقاء الحفاظ عليها. فهل يستطيع هذا المشروع في حال إقراره أن يحمي ما تبقى من مواقع وأبنية تراثية في لبنان، بعد عقود من الفشل؟ وهل من شأنه أن ينصف أصحاب الحقوق في الأبنية والمواقع المحمية بموجبه؟ وهل هو الخيار الأنسب ضمن الواقع الذي نعيش فيه؟ نطرح هذه التساؤلات بهدف توسيع حلقة النقاش حول المقترحات الأساسية للمشروع وتداعياته المحتملة. قبل ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المشروع لقي بداية العديد من الآراء الإيجابية التي أشادت بضرورته من دون مناقشة تفاصيله [1]، إلا أنه يحدث حاليا ضجة واسعة إثر معارضة أصحاب الأبنية القديمة له [2].

 

ملخص المشروع

 

ينطلق المشروع من نظرة شمولية إلى التراث. فهو يبتغي الحفاظ على المعالم الطبيعية والصروح والمنشآت والأبنية ومجموعات الأبنية العامة والخاصة التي تتمتع بقيمة تاريخية، هندسية، ثقافية، أو بيئية عالية. وبهدف عدم تكبيد الدولة أي تكلفة من جراء قرارات الحماية الصادرة بموجبه، إستبدل المشروع فكرة إستملاك الأبنية والعقارات الخاصة المصنفة بإجراءات أخرى حددها وفق نوع التدبير المتخذ لحمايتها. وأعطى أصحابها إعفاءات من ضريبة الأملاك المبنية وبعض الرسوم البلدية ومن تسديد مصاريف أعمال الترميم في حالات معينة، إضافة إلى تحفيزات خاصة بمالكي البناء المؤجر لحثهم على ترميمه.    

أما القوام الأساسي للمشروع فهو تمكين مالكي الأبنية القديمة المصنفة والمحمية بموجب ”تدبير حماية عقار“ بنقل عامل الإستثمار المتاح قانونياً على عقارهم فيما لو لم يكن محميا والذي لم يستنفذه البناء القائم عليه، إلى عقار آخر ضمن شروط محددة. ولهذه الغاية، تضمن المشروع إنشاء لجان إحتساب تكون مهمتها وضع "شهادات إسمية“ للعقارات المحمية تُحدد فيها ”الأرض الوهمية للعقار“ (أي المساحة المبنية الإضافية التي يمكن أن يستوعبها العقار ما لم يكن محمياً)؛ وهي شهادات قابلة للتداول والتفرغ. كذلك سمح المشروع بنقل الأرض الوهمية من أجل تسوية مخالفات البناء، شرط أن تكون المخالفة قابلة للتسوية. وأتاح أيضاً للدولة أن تشتري وتدفع نقداً ثمن تلك الشهادات وفق مرسوم يصدر في مجلس الوزراء. 

 

ملاحظات

يستدعي التدقيق في هذا المشروع ملاحظات عدة، أبرزها الآتية:

 

أولا، تحميل مالكي الأبنية التراثية أعباء الترميم من دون تسهيلات مضمونة

من المسلم به أن التراث يولد عوامل خارجية إيجابية (positive externalities) تفيد بشكل مباشر أو غير مباشر الكثير من الناس. لذلك يشكل الحفاظ عليه واجبا ومسؤولية جماعية تتطلب تعاونا وطيدا بين القطاعين الخاص والعام والمجتمع المدني والسكان المحليين والمستفيدين من هذا التراث. ورغم سعي المشروع إلى تخفيف العبء الذي يتكبده مالكو الأبنية التراثية في الحفاظ عليها، فإنه لم يأخذ مسؤولية الدولة تجاه هذا التراث بشكل وافٍ. فلم يتوقف عند دورها في إيجاد الموارد المالية الضرورية لتحفيز أصحاب الأبنية المصنفة على ترميمها وصيانتها. ولم يتطرق إلى سبل إشراك الأفراد والمؤسسات والجمعيات المعنية بالتراث في حمايته. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للنقد هو أن المشروع نصّ على أن بإمكان وزير الثقافة، بناء على رأي لجنة فنية استشارية، ”أن يتخذ قراراً يلزم فيه أصحاب الحقوق القيام بجميع الأعمال الإحترازية" للمحافظة على عقار ما. من هذه الزاوية، بالإمكان التساؤل عن قدرة أصحاب الأبنية المصنّفة من ذوي الدخل المتوسط أو المنخفض أن يرمموا ويصونوا أبنيتهم إن لم تكن بحوزتهم السيولة الكافية لتنفيذ الأعمال المطلوبة، وإن لم يتمكّنوا من الوصول إلى القروض الميسرة ومنح الترميم التي تعطى عادة للبناء المصنف.

صحيح ان المشروع أعفى أصحاب العقارات المشمولة بتدبير الحماية، ما دام العقار على ملكيتهم أو ملكية ورثتهم، من تسديد مصاريف أعمال الترميم في حال تمت عن طريق وزارة الثقافة أو البلديات المعنية ، إلا أنه لم يذكر الحالات التي تتولى الوزارة فيها تنفيذ الأعمال عوضا عن المالك ولم يحدد فئات المالكين الذين بإمكانهم الاستفادة من هذا التحفيز. ولا يخفف إنشاء صندوق الآثار والمنشآت التراثية والتاريخية (الذي كان قد لحظه القانون رقم 35 الصادر بتاريخ 10/16/2008 وأعاد المشروع إقتراحه) العبء الملقى على أصحاب الابنية المحمية لسببين: الأول، أن المشروع حصر إيردات هذا الصندوق برسوم (بنسبة 5%) تستوفيها وزارة المالية من مالكي الشهادات الإسمية  قبل التفرغ عنها [3]. هذا الأمر يعني أن موارد الصندوق تبقى وقفا على حصول هذا النوع من التفرغات ويحتمل تاليا أن تبقى فارغة أو قاصرة عن تلبية حاجات الترميم. أما السبب الثاني فيتمثل في خلو المشروع من معايير لتحديد أولوية الاستفادة من هذا الصندوق.

أما التحفيزات الأخرى التي أعطاها المشروع لأصحاب الأبنية المحمية فهي  غير مقنعة. وعليه، بدت مساهمة الدولة أو البلدية في مختلف أشكالها مساهمة محتملة غير مضمونة، تمنح أو تمنع استنسابا وبمنأى عن أي معايير. وبالتالي ليس من المستغرب أن تفشل هذه المساهمة في طمأنة المعنيين وتبديد مخاوفهم من أعباء الترميم الذي قد يفرض عليهم، كما حصل قي منطقة وسط بيروت. ويخشى تبعا لذلك أن يشكل إلزام المالكين بتحمل أعباء ترميم، قد تكون باهظة، أداة لإرغامهم على التخلي عن أملاكهم لصالح مستثمرين يشترونها إلى جانب الشهادات الإسمية الممنوحة لهم. 

 

ثانيا، تراث مادي مجرد من بعده الاجتماعي والإنساني؟

يتعامل المشروع مع الأبنية القديمة على أنها تراث مادي مجرد من بعده الاجتماعي والإنساني. فهو لا يأخذ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمالكيها وسكانها بالحسبان. وليس واضحا كيف سيتعاطى مع أصحاب العقارت المحمية في حالات الملكية المتعددة والملكيات المتشابكة والمعقدة، ولا مع الأبنية التراثية المهجورة أو شبه المهجورة بحال غياب أصحابها، ولا مع الأبنية التراثية التي تعاني من حالة إنشائية سيئة والتي قد تشكل خطراً على سكانها وعلى السلامة العامة. كذلك تشكل الشروط التي وضعها على مالك البناء المؤجر القديم الذي لا يلتزم بالشروط الهندسية والمعمارية للحفاظ على طابع مبناه مادة قابلة للجدل ("تعويض إضافي لمصلحة المستأجر القديم يساوي ضعف التعويض المحكوم به أصلا"). الامر عينه ينطبق على التحفيزات التي أعطاها لمالك البناء المؤجر(تمكينه من طلب إسترداد المأجوربهدف الترميم ومن زيادة بدلات عقود الإيجار السنوية السارية بنسبة 20%  من قيمة المبلغ الذي تكبده على هذه الاعمال في حال قيامه بها أوإخلاء المستأجر لقاء تعويض مخفض). وبالأخص تسهل هذه التحفيزات عملية إخلاء المستأجرين القدامى من ذوي الدخل المنخفض من الأبنية المحمية دون إعطائهم الوقت الكافي لإيجاد سكن بديل أسوة بغيرهم من المستأجرين القدامى.

          

ثالثا، التعويض بنقل حق الاستثمار إلى عقارات أخرى، أداة غير مجدية

أن الكثير من الدول التي اتبعت آلية نقل عامل الاستثمار لم تنجح تجربتها. وليس هناك ما يطمئن أن حظوظ النجاح ستكون أكبر في لبنان. صحيح أنها طُبقت في وسط بيروت لكن الأمر كان مختلفاً كونه تم عبر شركة عقارية واحدة وبالاستناد إلى مخطط تفصيلي يشمل كامل منطقة وسط العاصمة. ومثال وسط بيروت هو حتما ليس مثالاً يمكن تعميمه على كافة المناطق اللبنانية من ناحية تعاطيه مع أصحاب الحقوق. أما من الناحية التقنية، فالأمر خارج الوسط أكثر تعقيداً، إذ أن المخططات التوجيهية للمدن والبلدات والقرى اللبنانية، حيث توجد، هي عبارة عن تصنيفات أراضٍ وعوامل استثمار تتحكم فيها الفئات النافذة بشكل يضمن مصالحها الخاصة التي تتضارب في أغلب الأحيان مع مفهوم الصالح العام. ويخشى أن تعزز فكرة نقل عامل الإستثمار التي اقترحها المشروع هذه الديناميات، خاصة أنه لم يقترح آلية واضحة لإدارة عمليات نقل الإستثمار من عقار إلى آخر.

في الوقت نفسه ليس هناك ما يضمن أن الحائزين على الشهادات الإسمية سيتمكنون من الاستفادة منها مباشرة، وخاصة بالنسبة إلى المالكين غير المنخرطين في التطوير العقاري. كما أن بيعها لكبار مطوري العقارات والنافذين منهم ليس مؤكدا إذ أن بإمكان هؤلاء أن يحصلوا بطريقة سهلة نسبياً على رخص بناء إستثنائية تمكنهم من تجاوز قوانين البناء وأنظمة تقسيم المناطق، من دون شراء هذه الأسهم.

 

رابعا، تعويض أم إثراء غير مشروع؟

يجدر أيضا التوقف عند من يحق ومن لا يحق له الحصول على هذه الشهادات. فالمشروع لم يتطرق إلى حقيقة أن العديد من الأبنية التراثية قد انتقلت ملكيتها منذ زمن من ورثة مالكيها الأصليين إلى ملكية كبار أصحاب الأموال، وذلك لقاء أسعار زهيدة لعبت فيها حاجة الورثة إلى السيولة وإلى التحرر من ارتباطهم ببعضهم البعض الدور الأساسي في تبخيس ثمنها لصالح المالك الجديد. وفي هذه الحالات، سيشكل إعطاء المالك الجديد شهادة إسمية بالأمتار التي لم يستنفذها عقاره إجراء مريبا وطريقة لإثراء غير مشروع. ويكون وضع المالك في هذه الحالة شبيها بوضع الذي تملك أبنية قبل 2014 لقاء أسعار متدنية بالنظر إلى كونها مشغولة من مستأجرين قدامى، ليعود ويحقق إثراء غير مبرر تبعا لتحرير الأبنية من مستأجريها بموجب قانون الإيجارات الجديد.

وما يزيد من عوامل القلق، هي الاستثناءات المذكورة في المشروع والتي تتيح للدولة أن تشتري وتدفع نقداً ثمن الشهادات الإسمية على أساس قانون الإستملاك. فلماذا تشتري الدولة الشهادات وممّن ولصالح من؟ هنا أيضا نجد أنفسنا أمام صلاحية استنسابية مجردة عن أي معايير موضوعية. 

 

الملاحظات والأسئلة أعلاه تقودنا إلى الإعتقاد بضرورة إعادة النظر بالمشروع. فثمة مخاوف مشروعة من أن يؤدي في حال إقراره إلى نشوء وضع غير سليم مؤداه زيادة ثراء الفئات المهيمنة عقارياً وسياسياً، مقابل فرض عقوبات وأعباء هائلة على مالكي الأبنية التراثية من ذوي القدرات المحدودة، تمهيدا لإرغامهم على بيع هذه الأبنية لصالح كبار المستثمرين.

 

نشر في العدد 53 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2EleXWj

 

[1] بإستثناء عدد قليل من المواقف المعارضة مثل مقال زينب عثمان، قانون حماية الأبنية الأثرية: وزارة الثقافة تبيع الهواء!“، جريدة الأخبار،  28 كانون الاول 2017

[2]  أصدرت عائلات من الأشرفية في 21 كانون الثاني بيان يعترض على المشروع (أو ما أسموه سوليدير 2).  وقبله نشر تجمع أصحاب الأبنية القديمة ملاحظات حول القانون على موقع التواصل الإجتماعي خاصته (التي عنونها Hands off my property it's not a monopoly game ).

[3] حسب الوزير غطاس خوري سيمول الصندوق أيضا من اسعار بطاقات الدخول الى المواقع التراثية والأثرية  لوزارة الثقافة. حلقة ”بلا حصانة مع غطاس خوري“ OTV في 31 كانون الثاني 2018.