توصل مجلس نواب الشعب التونسي خلال دورة عمله الثالثة التي انطلقت منتصف الشهر العاشر من سنة 2016 وختمت بنهاية الشهر الثامن من السنة الموالية بمائة وخمسة وعشرين مشروع قانون ستة منها من تركة المجلس الوطني التأسيسي وثمانية من مخلفات مشاريع قوانين الدورة النيابية الأولى وثلاثة وثلاثين من مشاريع القوانين الدورة النيابية الثانية وثمانية وسبعين مشروع تم إيداعها خلال ذات الدورة منها ثمانية عشر مصدرها مبادرات نواب المجلس التشريعية. وصدر عن  المجلس خلال ذات الدورة ثمانية وستون قانونا. وبعيدا عن الأرقام المجردة، وانطلاقا منها، يبدو من المهم النظر في تلك الحصيلة  بحثا عن ملامح السياسة التشريعية لمجلس نيابي تتجه عهدته لنهايتها.

 

قوانين المالية العمومية تهيمن على الجهد التشريعي

بلغت نسبة مصادقة مجلس نواب الشعب على مشاريع القوانين الحكومية التي أودعت بمكتبه خلال دورته النيابية الثالثة قرابة 53%. وهذا الأمر يؤشر إلى انسجام الإرادة النيابية مع سياسة الحكومة. وقد كان نصيب تشريعات المصادقة على قروض واتفاقات تمويل وضمانات قروض تسعة عشر من عددها الجملي البالغ ستة وثلاثين، بما يعكس التعويل على التداين الخارجي في مواجهة اختلال التوازنات المالية  العمومية التونسية. ويلاحظ في هذا السياق أنه ومنذ سنة 2012  استقرّ الأمر على أن يكون لكل سنة مالية قانونان للمالية، أحدهما أصلي يرسم طموحات في النمو الاقتصادي وثانيهما تكميلي يعلن الفشل في تحقيق ذلك وينمي التداين الخارجي. وهو أمر يؤكد حالة العجز عن تصور إصلاحات فعالة تحسن من وضع المالية العمومية. وقد حاولت تشريعات الدورة النيابية الثالثة أن تقدم حلولا  للأزمة القائمة فكان أن اعتمد لأول مرة منذ الثورة مخططا تنمويا لفترة خماسية من 2016 إلى 2020 علاوة على تضمن قانون المالية لسنة 2017 تصورا لتنمية الموارد الجبائية للدولة من خلال مجابهة ظاهرة التهرب الضريبي في المهن الحرة.

وتظل هذه الخطوات محدودة لكون تصور الحلول الكبرى للمشكل الاقتصادي لا يزال محلّ خلاف بين السلطة السياسية والاتحاد العام التونسي للشغل. ويبدو القانون عدد 54 لسنة 2017 المتعلق بإحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي خطوة مهمة في اتجاه  إيجاد آليات مؤسساتية تضمن التوافق بين الأطراف الاجتماعية والحكومة على الحلول الاقتصادية لأزمة المنوال التنموي التونسي. لكن يخشى أن يعتمد هذا المجلس في غير هدفه، فيكون أداة  لشراء ولاءات الشخصيات العامة التي تبحث عن التعيينات بالمناصب العامة ويؤدي إلى تمتين منظومة الفساد التي حاولت تشريعات الدورة النيابية الثالثة معاضدة جهد  الحكومة في مكافحته.

 

الجهد التشريعي ينخرط في الحرب على الفساد

صدرت عن مجلس نواب الشعب أربعة قوانين تضع هدفا لها مكافحة الفساد هي:

1/ القانون عـدد 77 لسنة 2016 والذي يتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي،

2/ القانون الأساسي عدد 73 لسنة 2016 والذي يتعلق بالموافقة على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد،

3/ القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 والذي يتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين،

4/ القانون عدد 59 لسنة 2017 والذي يتعلق بهيئة الحوكمة ومكافحة الفساد.

وتظهر هذه التشريعات على قلة عددها هامة لاعتبار أنها:

أولا: تربط مكافحة الفساد في الفضاء المحلي التونسي بالانخراط في ذات الجهد في البعد الإقليمي،

ثانيا: ترسي مؤسسات وآليات قانونية تضمن أن تكون الحرب على الفساد جهدا مستمرا لا يخضع لحسابات الفاعلين السياسيين.

كان بالتالي الجهد التشريعي في هذا المجال نوعيا إذ انتهى  لإرساء المؤسسة الدستورية المتعلقة بالحوكمة، علاوة على تطوير تخصص القضاء في مكافحة الفساد وكما اتجه لحماية المبلغين على الفساد. إلا أنه يعاب على مجلس نواب الشعب ضعف قدرته الذاتية على مكافحة الفساد داخل أسواره، إذ لم تلحظ أي محاولة منه للتحقيق في شبهات الفساد التي طالت عددا من نوابه، بما يخشى معه أن تكون التشريعات والمؤسسات مجرد واجهات لحرب على الفساد لا يعتقد من يقودونها في جديتها.

 

دورة نيابية تنتصر لحقوق الإنسان

يمكن أن يعتبر القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة من أهم القوانين المكرسة لقيم حقوق الإنسان في بعدها الكوني التي صدرت بعد الثورة. فقد كرس هذا القانون التعهد الدستوري بتطوير مكتسبات المرأة من خلال فرض رؤية تشريعية تكرس المساواة بين الجنسين وتتصدى لأشكال الاستغلال المختلفة التي تستهدف المرأة مستغلة هشاشتها الاجتماعية. فكانت مصادقة المجلس التشريعي على مشروع القانون بإجماع أعضائه الحاضرين حدثا فارقا في الدورة التشريعية جعل من تونس تاسع عشر بلدا في العالم يصدر قانونا مماثلا والرائدة في محيطها العربي والإفريقي.

وفي إطار ذات السياق الحقوقي صادق مجلس نواب الشعب على أربع اتفاقيات هامة.

الأولى: اتفاقية لاهاي المتعلقة بالجوانب المدنية للاختطاف الدولي للأطفال والتي تمت المصادقة عليها بموجب القانون عدد 30 لسنة 2017 والتي تنضم أحكامها مسائل النزاع في الحضانة في حالات الزواج المختلط.

الثانية: اتفاقية باريس للتغير المناخي والتي تمت المصادقة عليها بمقتضى القانون عدد72 لسنة 2016.

الثالثة: الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد والتي تم اعتمادها بموجب القانون عدد 73 لسنة 2016 .

الرابعة: التصديق على انضمام تونس إلى الاتفاقية رقم 108 لمجلس  أوروبا المتعلقة بحماية الأشخاص تجاه المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي وبروتوكولها الإضافي رقم 181 الخاص بسلطات المراقبة وانسياب تدفق المعطيات عبر الحدود وذلك بموجب القانون عدد 42 لسنة 2017.

وإذ تعزز هذه الاتفاقيات انفتاح تونس على منظومة حقوق الإنسان الكونية، يبدو من المهم التساؤل عن كيفية ضمان التزام المحاكم بالاستناد إليها في المنازعات التي تنظرها. وذات التساؤل حول تنزيل التشريعات مجال التطبيق يبدو ملحا فيما يتعلق بتنزيل الباب السابع من الدستور المكرس للامركزية.

 

تنزيل الباب السابع من الدستور: مسار تشريعي بطيء

بتاريخ 11/1/2016، تقدمت الحكومة التونسية لمجلس نواب الشعب بمشروع القانون عــدد 1 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء. وكان الهدف من المشروع إيجاد قواعد انتخابية خاصة بالانتخابات البلدية والجهوية تنهي الفراغ القانوني في المجال وتيسر إجراء الانتخابات البلدية بما ينهي الإدارة المؤقتة للمجالس البلدية التي استمرت منذ الثورة. أتمت لجنة القوانين الانتخابية بمجلس النواب التي تعهدت بمشروع القانون عملها منتصف الشهر الخامس من سنة 2016. وأحالت نص المشروع مشفوعا بتقريرها للجلسة العامة لمجلس نواب الشعب. كان ينتظر تاليا أن تنجح الجلسة العامة في نظر مشروع القانون المكون من خمسة فصول فقط خلال الدورة النيابية الثانية. إلا أن هذا الأمر لم يتحقق ورُحّل المشروع للدورة النيابية الثالثة حيث تمت المصادقة عليه بجلسة يوم 31-01-2017. كان ينتظر أن ينظر المجلس خلال ذات الدورة في مشروع مجلة الجماعات المحلية لصلتها الوثيقة بالاستحقاق الانتخابي البلدي، إلا أن هذا لم يتحقق لكون الحكومة تأخرت في إعداد مشروعها الذي تقدمت به للمجلس خلال الشهر الخامس من سنة 2017 أي قبل فترة قليلة من العطلة البرلمانية وهي العطلة التي تمسك أعضاء لجنة الإدارة بالمجلس التشريعي بحقهم في التمتع بها. واختاروا بالتالي إرجاء عملهم على المشروع لمنتصف الشهر التاسع من سنة 2017. ويلاحظ في هذا الإطار أن  البطء في نظر تشريعات الاستحقاق الانتخابي والصراع داخل المجلس النيابي فيما تعلق بسد الشغورات بهيئة الانتخابات لم يكن إلا تمظهرا لصراع بين الأحزاب السياسية موضوعه موعد الاستحقاق الانتخابي وهو صراع انتهى لتأجيل الانتخابات البلدية.

بدا عند هذا الحد نواب الشعب أداة لصراع سياسي نزع عنهم دورهم المؤسساتي، وهي صورة نجحوا من خلال ممارستهم للمبادرة التشريعية في تبديدها.

 

المبادرة التشريعية عنوان لحيوية مجلس نيابي اكتسب أعضاؤه الخبرة

يجيز الفصل 62 من الدستور لنواب الشعب أن يتقدموا بمبادرات تشريعية. خلال الدورة النيابية الأولى، اضطر رئيس المجلس التشريعي محمد الناصر  لتنبيه النواب لغياب مبادرتهم ولدعوتهم لتقديم مبادرات قوانين تدعم الحكومة. استجاب عدد من نواب الأغلبية النيابية لدعوة رئيسهم، فتقدموا بمقترحي قانون: الأول كان موضوعه المحكمة الدستورية والثاني كان عنوانه قانون استقلالية مجلس نواب الشعب. انتهت المبادرة الأولى لأن سحبت خلال الدورة النيابية ذاتها بعد أن تقدمت الحكومة بمشروع قانونها. كما تأكد فيما بعد أن المبادرة الثانية تتعارض مع أحكام الدستور بما أدى فعليا لتحولها لنص متروك بأدراج المجلس النيابي. خلال الدورة النيابية الثانية، تعددت المبادرات التشريعية ليصل عددها إلى خمس وعشرين، لكن أيا منها لم تتم المصادقة عليه. مع بداية الدورة النيابية الثالثة وبمناسبة اليوم العالمي لمقاومة الميز العنصري، دعا رئيس الحكومة يوسف الشاهد نواب الشعب لاستعجال النظر في مقترح القانون الأساسي عدد 54 لسنة 2016 الذي تقدم به عدد منهم وكان موضوعه القضاء على الميز العنصري. كشفت الدعوة عن كون المبادرات التشريعية ليست مجرد وسيلة ضغط على الحكومة وإنما هي تصورات لقوانين تستحق أن تنظر.

لم يستجب نواب الشعب لدعوة رئيس الحكومة. ولم تتم بالتالي المصادقة على هذا المقترح التشريعي الذي صيغت أحكامه في إطار شراكة بين جمعيات حقوقية وزملائهم أصحاب المبادرة. في المقابل وبتاريخ 30-05-2017، صادقت الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب على نص القانون عدد 48 لسنة 2017 المتعلق بإجراءات تغيير صلوحية الأراضي الفلاحية وتغيير وصف الأراضي التابعة لملك الدولة ألغابي والذي كان مصدره مبادرة نيابية. وتولى لاحقا ذات المجلس المصادقة على القانون عدد 52 لسنة 2017 المتعلق بالعقارات الدولية الفلاحية والذي كان بدوره مصدره مبادرة نيابية. وشكلت  مصادقة المجلس النيابي على مقترحي قانون خلال دورته النيابية الثالثة رسالة ايجابية لمجهود نواب الشعب الذين تقدموا خلال ذات الدورة بثمانية عشر مقترح قانون كان المشترك بينها أن النواب الذين تبنوها ابتعدوا عن التقسيمات الحزبية التي تشقهم واختاروا أن يبحثوا عن الاشتراك في التصورات.

ويؤمل بالتالي أن يتطور نظر المجلس التشريعي في دورته الرابعة في مقترحات القوانين اعتبارا لما تتميز به هذه المقترحات من تجديد في التصورات وحضور للاعتبار الحقوقي علاوة على قربها من المجتمع.

 

خلاصة

وختاما تبدو حصيلة العمل التشريعي للدورة النيابية الثالثة مهمة نوعيا وكميا. لكن هذا لا يخفي الحاجة لتطوير الأداء التشريعي خصوصا فيما تعلق بورش الإصلاح الكبرى بداية من التشريعات اللازمة لإرساء المؤسسات وصولا لتلك التي تتعلق بضبط المنوال التنموي البديل الذي طال الحديث عنه وغابت تصوراته.

 

نشر في العدد 10 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2nZEMo7

 

تم اعتبار مختلف المشاريع والمبادرات التي تم تقديمها بداية من 01-10-2016 لغاية 31-07-2017 تاريخ نهاية الدورة النيابية الثالثة

تم اعتماد قانون المالية لسنة 2012 بموجب القانون عدد 7 لسنة 2011 وصدر قانون مالية تكميلي لذات الموازنة بموجب القانون عدد 1 لسنة 2012 و تم اعتماد قانون المالية لسنة 2013 بموجب القانون عدد 27 لسنة 2012 وصدر قانون مالية تكميلي لذات الموازنة بموجب القانون عدد 51 لسنة 2013 و تم اعتماد قانون المالية لسنة 2014 بموجب القانون عدد 54 لسنة 2013 وصدر قانون مالية تكميلي لذات الموازنة بموجب القانون عدد 54  لسنة 2014 تم اعتماد قانون المالية لسنة 2015 بموجب القانون عدد 59 لسنة 2014 وصدر قانون مالية تكميلي لذات الموازنة بموجب القانون عدد 30 لسنة 2015  تم اعتماد قانون المالية لسنة 2016 بموجب القانون عدد 53 لسنة 2015 وصدر قانون مالية تكميلي لذات الموازنة بموجب القانون عدد 1 لسنة 2017

تم إقرارها بالمنتظم الاممي بتاريخ 25-10-1985                         

ينص الفصل 62 من الدستور التونسي على أنه " تمارس المبادرة التشريعية بمقترحات قوانين من عشرة نواب على الأقل  ..."

كلمة رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر بالمجلس التشريعي بتاريخ 12-05-2015                

يراجع في خصوص ما وجه من مؤاخذات للمبادرة  مقال " مبادرة تشريعية لمقترح قانون أساسي متعلق بالمحكمة الدستورية : حركة النهضة والسعي للدخول من الشباك بعد أن أخرجت من الباب  " زياد الكريشي  - صحيفة المغرب  بتاريخ 11-06-2015

نضم مجلس نواب الشعب بتاريخ 20-02-2017 ندوة جمعت ثلة من اساتذة القانون العام كان موضوعها دراسة المبادرة وقد اجمع كل من تدخلوا على عدم دستوريتها لكون الدستور حدد على وجه الحصر مجال تدخل القوانين الأساسية ولم يكن موضوعه منها ويذكر هنا ان المفكرة القانونية كانت اول من نبه لعدم دستورية هذا المقترح في مقال بنشر بموقعها بتاريخ 19-06-2015 عنوانه " مزيد من المزايا المالية لنواب الشعب بتونس " كتبه  محمد العفيف الجعيدي

محمد العفيف الجعيدي – المبادرة النيابية عودة بعد غيبة – المفكرة القانونية  تونس العدد عدد الشهر الثالث من سنة 2016   

      موقع قناة فرانس 24 تونس: رئيس الحكومة يدعو لتسريع التصويت على قانون يجرم العنصرية بتاريخ 26-12-2016

يراجع تقرير جمعية بوصلة عن الدورة النيابية الثانية والذي ورد بالصفحة 46 منه " ان مقترحات القوانين هي في أغلب الأحيان وسيلة ضغط على الحكومة لتسريع مسار الإصلاحات اذ يستعملها النواب من بين الآليات لخلق الضغط على الحكومة ..." .