بدت علاقة حزب حركة النهضة بحزب نداء تونس ومؤسسه في بدايتها علاقة صراع بين أضداد تزيد صلابة أحدهما صدامه مع الآخر. وجد رئيس الجمهورية التونسية باجي قايد السبسي في هذا الصراع الذي اختار له عنوان الحفاظ على النمط الحداثي للمجتمع التونسي المبرر لتأسيس حزبه كما تمكن بفضله من التحول إلى قائد فعلي للمعارضة السياسية لحكم النهضة القائم حينها. فيما كان في المقابل عداء "الباجي" وحزبه من ثوابت الحركة التي تتهمهما بقيادة الثورة المضادة ولا يجد أنصارها من محفز لهم في لقاءاتهم العامة إلا الشعارات الحماسية المعادية لهما. وبعيدا عن الصورة القاتمة وحماسة الأنصار، اختار السبسي وراشد الغنوشي زعيم النهضة أن ينهيا الجفاء بينهما بلقاء سري بالعاصمة الفرنسية باريس بتاريخ 12-08-2013. لم يعلم من نظم اللقاء ومن رعى حواراته فيما اتضح أن جهده انتهى إلى  صياغة توافق على إيجاد مخرج من الأزمة القائمة وتعهد مبدئي باقتسام السلطة بين العائلتين السياسيتين في إطار تركيز المؤسسات السياسية للجمهورية الثانية. فرض الواقع والحسابات السياسية لقاء المتحالفين لكنه لم يمنع كلا من الحليفين من البحث في غفلة حليفه عن حلول بديلة تضمن له مصالحه إذا ما انهار التحالف وتفرض عدم تغول حليفه عليه في غير ذلك من الحالات. فكان أن استحضرا الخطاب الحقوقي كسلاح يدار به الصراع الخفي.

اختار الغنوشي أن يكون الإعلام الفرنسي الساحة التي يعتمدها لإطلاق مبكر لخطاب حقوقي تقدمي، يبدد تخوفات خارجية من مرجعيات حزبه الايديولوجية أو حتى يسحب من الفريق الآخر ادعاءه باحتكار الحداثة. وعليه،  أعلن الغنوشي في سنة 2015 عدم معارضته للإجهاض إن تم خلال الأشهر الأولى للحمل، وعن رفضه لتجريم المثلية التي وصفها بالحياة الخاصة. وهو خطاب أكده في ذات الساحة الإعلامية مستشاره السياسي لطفي زيتون بداية سنة 2017 الذي أشهر موقفا يجزم برفض تجريم المثلية ونادى بعدم تجريم استهلاك المخدرات. وذات الخطاب تبنته  عضوة مجلس نواب الشعب عن حركة النهضة يمينة الزغلامي التي دعت في تصريح للمفكرة القانونية إلى إخراج موضوع المثليين من خانة المسكوت عنه، توصلا إلى فرض واجب  الدولة في حمايتهم وحماية حقوقهم لكي لا يُستَغلّوا جنسياً". وقد نجحت جرأة خطاب النهضاويين إلى حد بعيد في التسويق للأطروحات التي تبشر بهم كرواد لإسلام سياسي حداثي بما أكد نجاعة سلاح الخطاب الحقوقي.

في الجهة المقابلة، اختار السبسي أن تكون سنة 2017 موعدا لبداية استعمال سلاح الخطاب الحقوقي. وقد يكون تحديد موعد المعركة من جانبه على علاقة بقرب موعد الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019 من جهة ولقرب حلول استحقاق الانتخابات البلدية من جهة ثانية. ويرجح أن يكون هدفها إبراز التمايز بين الخطين السياسيين وهو أمر يؤدي متى تحقق لإعادة تجميع "الحداثيين" في خانة مؤيدي الرئيس وفريقه. ذكر الرئيس بداية حليفه بأن القبول به دوليا هو بفضله. وفي خطوة ثانية، أعلن نفسه صاحب السلطة الذي يقيم أداء النهضة في مادة المدنية فشكرها على جهدها الذي بذلته، لينبهها إلى أن مجهودها يظل غير كاف لتحقيق المطلوب منها. الخطوة الثالثة الحاصلة بعد فترة قصيرة من موافقة نواب حركة النهضة على مشروع قانون لمعاقبة العنف المسلّط على المرأة، جاءت في رفع سقف الوعي الحقوقي إلى مستوى أعلى مما يمكن أن تقفز النهضة إليه. فبمناسبة احتفالات عيد المرأة بتونس لسنة 2017، قرر السبسي أن يرفع سقف التحدي عاليا في وجه حليفه فدعا في كلمته إلى المساواة في الإرث بين الجنسين ومضى للكشف عن تكليفه لجنة خبراء عهد لهم بإعداد تقرير يتضمن توصيات لإصلاحات تحقق حماية التشريع التونسي للحريات الفردية وقيم المساواة. وكان أن كشفت تسريبات من داخل اللجنة أن توجهها ينتهي للمطالبة بتعديلات لأكثر من عشرين نصا قانونيا بما يحقق إقرار نظام توارث مدني ويفرض حق الطفل في اختيار أن يسند نسبه لأمه أو لأبيه وينهي اشتراط المهر كركن من أركان عقد الزواج. نجح عند هذا الحد السبسي في استعادة الأسبقية في خطاب الحداثة من جهة وفي فرض الإحراج على حليفه الذي يلازمه الاتهام بعدم الاعتراف بالمساواة بين الجنسين في مقابل اتهام أنصاره له بالخروج عن ثوابتهم إرضاء للآخرين..ولكن السبسي لم ينجح بالمقابل في حسم المعركة الحقوقية لاختيار خصمه التعامل بكياسة مع خطواته والابتعاد عن اتخاذ المواقف. فظلت المناورة عنوانا لمعركتهما التي يرجح أن تتواصل.

فرض الذكاء السياسي الذي أديرت به معركة الخطاب الحقوقي تطورا هاما في استعمالات الشعارات الحقوقية في العمل السياسي من أحزاب تصنّف كلاسيكيا في خانة الأحزاب اليمينية المحافظة. وينتظر أن يؤدي هذا الاستعمال لنشر وعي جمعي بعدالة القضايا الحقوقية وإن لم يترافق دوما مع خطوات عملية لتطبيق مضامينه. فقد تعطل نظر مجلس نواب الشعب في مشروع القانون عدد 79 لسنة 2015 المتعلق بالمخدرات بسبب رفض جانب من نواب الشعب من بينهم نواب النهضة، مقاربة مستهلكي المخدرات على أنهم ضحايا وذلك رغم انسجام هذه المقاربة مع الشعارات التي رفعها قادة حزبهم. كما لم يقدّم نواب النهضة أي مبادرة تشريعية تتعلق بتنقيح الفصل 230 من المجلة الجزائية رغم تبني حزبها الصاخب لهذا المطلب الحقوقي. ومن جهة أخرى، يرجح أن يشكّل عرض حصيلة عمل لجنة المقترحات التي كونها رئيس الجمهورية نهاية الشهر الثاني من سنة 2018  مجرد مناسبة لتسجيل مواقف حقوقية ذات سقف عال. فهذا العرض سيحصل بالتزامن مع دخول الساحة السياسية التونسية في المواسم الانتخابية، في وقت يصعب فيه تمرير إصلاحات تشريعية كبرى. كان بالتالي استعمال الخطاب الحقوقي في الصراع السياسي في منطلقه ومنتهاه حدثا أراد منه صانعوه الدعاية أكثر من الفعل، وإن كان جهدهم في اختيار حلباته يفتح مجالا واسعا أمام تراكم وعي اجتماعي قد يحقق لاحقا شعارات يكتفون هم برفعها.

 

نشر في العدد 10 من مجلة المفكرة القانونية في تونس للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2nZEMo7