كان مجموع المودعين بالسجون التونسية بنهاية سنة 2016 يناهز الأربعة وعشرين ألفا، 42% فقط منهم بصدد قضاء عقوبات سجنية فيما بقيتهم موقوفون. سنة بعد ذلك وبنهاية سنة 2017، تراجع عددهم بألفين وخمسمائة وبات نصفهم فقط موقوفين. ويظهر في هذا الإطار تقهقر عدد المساجين تواصلا لظاهرة انطلقت سنة 2011 تحتاج بحثا في محركاتها، فيما يبدو تراجع نسبة الموقوفين من عموم المساجين مؤشرا على بداية تعافٍ للعدالة الجزائية التونسية، يستحق الوقوف عنده طلبا لتدعيمه.

 

إنخفاض عدد المساجين ظاهرة صحية بأدوات سياسية

لم يكن من المتيسر التوصل لمعرفة عدد المساجين بتونس قبل ثورتها، بعدما عدّ النظام السياسي القائم حينها ملف السجون من أسراره في محاولة منه لتجنب الانتقادات الحقوقية التي كانت تطاله من جرّائه. تبين بعدئذ أن عدد المساجين الذي كان في سنة 1996 ثلاثة وعشرين ألفا ارتفع بنهاية سنة 2010 إلى أكثر من ثلاثين ألفا موزعين على مؤسسات سجنية هي في أغلبها منشآت قديمة ومتهالكة ولا يتوفر في مجموعها إلا ستة عشر ألف سرير لروادها. ضاعفت  تاليا أحداث الثورة من أزمة السجون التونسية التي طال الحرق عددا منها، زيادة على أضرار جسيمة لحقت بأخرى. لكن في المقابل، كان من ثمارها أن طرح إصلاح السجون كأولوية بداية من تحسين بنيتها التحتية ونهاية بالبحث عن حلول لتخفيف حدة الاكتظاظ بها والتي بلغت نسبها بنهاية سنة 2013، 150%. تكفل برنامج التعاون مع الاتحاد الأوروبي وموازنات الدولة التونسية بتوفير جانب من الاعتمادات اللازمة لإصلاح نسبي لبنية المؤسسات السجنية التي بلغ عددها سبعة وعشرين. وكان لزاما في الآن نفسه شرح مسببات أن يكون من بين كل مائة ألف تونسي، مائتان وسبعة وتسعين سجينا وهي نسبة تتجاوز المعدلات الاعتيادية وتفرض أن تكون تونس في الترتيب الثامن والعشرين عالميا في هذا المجال. عزا مسؤولو إدارة السجون ومن خلفهم الحكومة اكتظاظ السجون لإسراف قضاة التحقيق وممثلي النيابة العامة في إصدار بطاقات الإيداع بالسجون، فيما أكدت الأبحاث الميدانية أن الأحكام بالمدد السجنية القصيرة تعمق الأزمة. وفي المقابل، كان الخطاب القضائي يتهم قواعد قانون العقوبات الذي لا يتوفر على بدائل حقيقية للعقوبة السجنية بالمسؤولية عن ظاهرة الاكتظاظ. وبعيدا عن تقاذف المسؤوليات، فرض الاكتظاظ أن تكون نسبة استيعاب السجون في حدود 150% من طاقتها وبحساب مترين مكعبين فقط للسجين الواحد.

عرّى انفتاح السجون على المجتمع المدني والحقوقي بعد الثورة ومناخ الحريات الآثار المروّعة للظاهرة. فقد توالت الشهادات حول صعوبة المبيت بغرف السجن: شهادات حول تكدّس المساجين بشكل يفرض على بعضهم النوم وقوفا وبما يخلق ظروفا مؤاتية للاعتداءات الجنسية. شهادات حول صعوبة الحصول على الرعاية الصحية رغم تفشي الأمراض الجلدية وتنامي أمراض الحساسية بسبب صعوبة التنفس ونقص الإضاءة وسوء التغذية. شهادات حول تحمّل أسر المساجين أعباء التغذية في إطار نظام "القفة" ومنظومة "الصكوك المالية". وفيما آلت هذه الشهادات إلى تظهير السجون على أنها تحولت إلى أداة للتعذيب النفسي والجسدي لروّادها، تعيّن على السلطة السياسية البحث عن حلول تمكن من معالجته، ويظهر التدقيق بالأرقام أن المعالجة تمثلت في استخدام أدوات سياسية، وتحديدا صلاحية العفو الخاص لرؤساء الجمهورية المتعاقبين. ففي سنة 2017 وحدها، أفادت قرارات العفو الخاص سبعة آلاف وسبعمائة وواحدا وخمسين سجينا، أغلبهم من المحكوم عليهم في جرائم استهلاك المخدرات أو ممن حكم عليهم في قضايا شيكات بدون رصيد وتولوا خلاص المستفيدين أو كانوا ممن لم يبق من مدد عقوبتهم إلا مدة تقل عن الستة أشهر أو كانوا من الحالات الإنسانية.

في اتجاه مواز، نجحت السلطة السياسية خلال السبع سنوات الأولى من عمر الثورة في توفير اعتمادات سمحت لها بتحسين نسبي في بنية عدد من الوحدات السجنية وتطوير طاقة استيعابها زيادة على برمجة بناء سجون جديدة بما يتضح معه توجهها لفرض تلاؤم بين طاقة استيعاب سجونها المقدرة حاليا بستة عشر ألف مع عدد المساجين. ورغم أن هذا التوجه لم ينجح بعد في الوصول لغاياته، يلاحظ أنه لا يجد تجاوبا من القضاء الذي ما زال يصدر عددا هاما من أحكام السجن النافذ ذات المدد القصيرة، علاوة على ما يتهم به من إسراف في الإيقافات بما يخل بتصنيفات المؤسسة السجنية وهي ظاهرة يبدو أن التدخلات التشريعية لسنتي 2016 و2017 خففت من حدتها سنة 2017.

 

تدخلات تشريعية لمعالجة اختلال تركيبة مجتمع السجناء:

إلى ما تقدم، حصلت تدخلات تشريعية عدة أسهمت في تخفيض عدد نزلاء السجون:

أولا، تم توزيع السجون التونسية إلى سجون إيقافات وأخرى لسجون قضاءعقوبة بموجب التصنيفات التي أقرها القانون عدد 52 لسنة 2001 المنظم  للسجون التونسية في الفصل الثالث منه. وفيما أدى هذا التصنيف إلى إبراز مشكلة التوقيف الاحترازي والضغط عمليا على السلطات السياسية والقضائية، كشفت تقارير متعددة عن فشل إدارة السجون في احترام هذا التصنيف لمؤسساتها وردت ذلك لأهمية نسبة الموقوفين من عموم المساجين والتي ناهزت نهاية سنة 2016، 58%. وبنهاية سنة 2017، كشف وزير العدل غازي الجربي عن تحول في توزيع المساجين تمظهر في تساوي عدد الموقوفين مع عدد المساجين مع توقعات بانخفاض في نسبة الموقوفين مقابل المحكومين خلال الأسابيع القليلة القادمة.

ثانيا، تنقيح مجلة الإجراءات الجزائية: فرض القانون عدد 5 لسنة 2016 والذي يتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائية ألا يباشر أعوان الضابطة العدلية أي احتفاظ بمشتبه به قبل تحصيل إذن من النيابة العامة. كما قلص في مدد الاحتفاظ لتصبح ثماني وأربعين ساعة تقبل التمديد مرة واحدة بإذن كتابي. ويظهر أن التعقيدات التي فرضت على ممارسة هذا الإجراء ومحدودية مدته أديا سنة 2017 للتراجع في التعويل عليه وقد كان لهذا تبعيا أثر على الإيقافات بالسجون التي يأذن بها قضاة التحقيق وممثلو الادعاء العام.

ثالثا: تنقيح القانون عدد 52 بخصوص مستهلكي المخدرات: بداية سنة 2017 كان عدد المساجين الذين تعلقت بهم جرائم مخدرات وهم في أغلبيتهم من المستهلكين يعدّون 6662 منهم 2680 موقوفا وبقيتهم محكومون. وفي اطار التجسيد التشريعي لالتزام رئيس الجمهورية باجي قايد السبسي بانهاء صرامة التشريع في مواجهة مستهلكي المخدرات، صادق مجلس نواب الشعب على القانون عدد 39 لسنة 2017 الذي أجاز للمحاكم تفريد العقوبات في حق مستهلكي المخدرات بعدما كان ذلك محجرا عليهم سابقا. وقد واكب القضاة هذا التطور بأن باتوا لا يسلطون عقوبات سجنية نافذة على مستهلكي المخدرات. 

انتهت الإرادة السياسية في مرحلة أولى والعمل التشريعي في مرحلة ثانية إلى نجاح في التخفيف من اكتظاظ السجون التونسية. وهذه الخطوات على أهميتها لن تكفل القطع مع الظاهرة ما لم يوازِها تطوّر في الممارسة القضائية لجهة الالتزام بالصبغة الاستثنائية لإجراء الإيقاف أولا وببناء فلسفة عقابية جديدة تنتصر للدور الاصلاحي للعقوبة وتعفّ بالتالي عن الالتجاء لاعتماد العقوبة السجنية ذات المدد القصيرة التي لا تحقق الغاية المطلوبة. ويعول جانب هام من المشهد القانوني التونسي على ما ستحمله المجلة الجزائية التونسية الجديدة والتي تنكب لجنة فنية على إعداد نصها الأولي من تصورات لعقوبات بديلة في تحقيق الغاية المنشودة.

 

نشر في العدد 10 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2nZEMo7

 

 

 

... السجون التونسية نموذجا .  موقع الجزيرة  - ورد بهذا المقال  سامي نصر – السجون في العالم العربي

معطيات إحصائية من تقرير -  السجون التونسية بين المعايير الدولية والواقع – إعداد المفوضية السامية لحقوق الإنسان سنة 2014

المصدر السابق صفحة 13

المصدر السابق صفحة 30

 معطيات إحصائية من تقرير " السجون مؤسسات إصلاحية أم مؤسسات عقابية ومهينة للذات البشرية".  الرابطة التونسية لحقوق الإنسان – عرض بتاريخ 07-05-2016

 

- ليليا بلاز – شهادات  من جحيم السجون التونسية 30-03-2016 موقع انكفادا .

ينص الفصل 18 من النظام الداخلي للسجون على حق السجين في تلقي الطرود من أسرته  وكان من اثر إعمال هذا الفصل أن اقر للمساجين الحق ف تغذية تصلهم من أسرهم اصطلح على تسميتها اصطلاحا في عالم السجون بالقفة

 اقر لكل سجين حق في مبلغ مالي يتلقاه من اسرته ويودع بحسابة بإدارة السجن ويمكن في مقابله من وصولات تستعمل في شراءاته من داخل مغازة السجن .

أعلنت معايير العفو صلب البلاغ الذي صدر عن رئاسة الجمهورية التونسية بتاريخ 13-01-2017 و تعلق باعلان عفو خاص بمناسبة عيدي الثورة والشباب

 يراجع في خصوص مشاريع وزارة العدل في خصوص تحسين البنية التحتية  للمؤسسات السجنية  مقال – إصلاح وضع السجون ..كل التفاصيل عن مشاريع وزارة العدل -  صباح الشابي – 12-05-2016 صحيفة الصباح - 

قــانون عدد 52 لسنة 2001 مؤرخ في 14 ماي 2001 يتعلق بـنظام السجون

يراجع تقرير السجون التونسية بين المعايير الدولية والواقع – المفوضية

غازي الجريبي: في الأسابيع المقبلة عدد المحكومين سيتجاوز عدد الموقوفين لأول مرة منذ عشرات السنين – وكالة تونس إفريقيا للأنباء – 12-01-2018

 

إفادة وزير العدل غازي الجريبي أمام لجنة  الأمن والدفاع بمجلس نواب الشعب التونسي بتاريخ 02-01-2017

قانون عدد 39 لسنة 2017 مؤرخ في 8 ماي 2017 يتعلق بتنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات