في خطوة مهمة نحو تحقيق المساواة في الحقوق، والقضاء على ظاهرة حرمان الإناث من الميراث الشرعي المنتشر بمحافظات الصعيد وبعض مدن الدلتا، نشرت الجريدة الرسمية في 30-12-2017 تعديل قانون المواريث 77 لسنة 1943[1]، والذي وافق عليه البرلمان المصري في 5-12-2017[2]. ويضيف التعديل إلى القانون المادة 49 التي تنص على معاقبة  كل من امتنع عن تسليم الوارث نصيبه الشرعي بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة قد تصل إلى مئة ألف جنيه. كما تعاقب كل من حجب أو امتنع عن تسليم مستند يثبت ميراثاً بالحبس 3 أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه. ووُصف هذا التحرك على أنه تلبية لرغبة الرئيس المصري الذى هاجم الموروثات الثقافيّة التي تحرم المرأة من ميراثها في إحدى الجلسات بمنتدى شباب العالم[3] قائلاً "لا بد من تغيير هذه الموروثات، ويجب أن يكون هناك برنامج متكامل لإعادة رسم الصورة الحقيقية للمرأة لكي تحصل على مكانتها". وكان القانون الحالي، الصادر عام 1943، يخلو من أية عقوبة جزاء الحرمان من الميراث. وقُدمت، في الفترة الأخيرة، عدة مشاريع قوانين لتعديله، حيث تقدم مجلس الوزراء، والمجلس القومي للمرأة في يناير وديسمبر من عام 2016على التوالي، بمشروعين. كما اقترحت عدد من الجمعيات الأهلية مشروع قانون في سبتمبر 2017، إضافة إلى مشاريع أخرى تقدم بها نواب في البرلمان[4].

 

ويأتي  التعديل المُقر في إطار تطبيق المادة 11 من الدستور المصري التي  ألزمت الدولة بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بجانب حماية المرأة ضد كل أشكال العنف. وكذلك القضاء على التمييز ضد المرأة في ما يخص حصولها على الميراث وفقاً للمادة 53 من الدستور التي تنص على مكافحة كافة أشكال التمييز.

 

العرف يحكم ..الإرث للذكور فقط

 حسب دراسة أعدتها د. سلوى محمد المهدي [5]،تستخدم العائلات بالصعيد ما يسمى بعرف "الرضوى" حيث تتم ترضية الأنثى بمبلغ مادي عوضاً عن الميراث. وكشفت الدراسة أن حوالي 95.5% من النساء بمحافظتي سوهاج وقنا لا يرثن وفق العرف والتقاليد التي لا تحبذ توريث المرأة خوفاً من استيلاء زوجها وأبنائها على الميراث، وبالتالي ينتقل الميراث إلى أشخاص أغراب عن العائلة وأن الفتاة لا يحق لها أي ميراث بعدما قام والدها بتعليمها وتجهيزها بكل شيئ أثناء الزواج [6]. ويلجأ بعض الآباء والأشقاء لحيل لمنع شقيقاتهم وبناتهم من الحصول على الميراث. فقد يبيعون ممتلكاتهم لشخص صورياً، أو يسرق بعضهم بصمة أصباع الأب على فراش الموت أو بعد وفاته ليبيع لنفسه أو لأشقائه الذكور كل ممتلكات والدهم، أو تزوير مستندات رسمية تثبت البيع.

ولكن العامل الأهم الذى يعود له استمرار هذه الظاهرة هو جهل المرأة بحقوقها الشرعية والقانونية والذي يجعلها  تعتبر أن حرمانها من الإرث هو حق للرجل. كما أن أغلب حالات الحرمان من الميراث التي رصدتها الدراسة السابقة تكون بتحريض من الأم، وخوفا من مشاركة أزواج بناتها لأبنائها في ميراث والدهم. فضلاً عن أن خوف النساء من فقدان الترابط الأسري مع عائلتهن وأشقائهن، يجعلهن يمتنعن عن المطالبة بالميراث.  كما أن بعض القرى بمحافظة سوهاج بصعيد مصر تنتهج مبدأ "أن المرأة التي تطالب بالميراث تقتل".ووفقًا  لدراسة أجرتها وزارة العدل عام 2008[7] فإن 8 آلاف جريمة قتل تقريباً، ترتكب سنوياً، ضد اناث وذكور، بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب الميراث في مصر.

الدراسة كشفت أيضاً عن زيادة أعداد قضايا النزاع على الميراث بالمحاكم، والتي بلغت  144 ألف قضية سنوياً، إلى جانب 2750 قضية حجر[8] على الوالدين بدعوى عدم الأهلية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضايا تستهلك وقتاً طويلاً بالمحاكم، مما يجعل المرأة تفكر كثيراً قبل المطالبة بحقها بالميراث عن طريق القضاء.

بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض القضاة ورجال الدين متورطون كذلك في حرمان المرأة من حقها، حسب دراسة صادرة عن جامعة قنا[9]. فعلى سبيل المثال، صرح الشيخ سيد عبد العزيز" عضو لجنة الفتوى بأسيوط" لجريدة أصوات مصرية[10] "للأسف أئمة المساجد يرفضون طرح القضية على المنابر في الصعيد لأنهم أيضا امتنعوا عن إعطاء عماتهم وأخواتهم البنات ميراثهن". كما أن حال المرأة المسيحية لا يختلف كثيراً عن المسلمة: فحسب تصريح راعي كنيسة مار مرقس الكاثوليكية بالمنيا الأب أندراوس فرج لجريدة "المونيتور[11]"؛ الكنيسة لديها العديد من التظلمات من النساء بسبب حرمانهن من الميراث وطمع ذويهن بحجة الأعراف والتقاليد، خصوصاً في محافظات الصعيد، على الرغم من إعطاء الدين المسيحي الحق في الميراث للمرأة بنصيب متساو مع الرجل. وبرغم وساطة الكنيسة، لا تحصل المرأة على حقها كاملاً، وتتراجع في كثير من الأحيان عن طلب حقها في الميراث، خوفاً على علاقتها بأسرتها وعدم الدخول في مشاحنات معها.

 

مدى فاعلية القانون في مواجهة التمييز ضد المرأة 

يكفل التعديل الجديد للمرأة المصرية، للمرة الأولى، قوة ردع قانوني بوجود عقوبة لمن يحرمها من ميراثها الشرعي ويؤمل منه الإسهام في الحد من حرمانها لعقود طويلة منه خاصة بالصعيد. وقد أشار قسم التشريع بمجلس الدولة في ملاحظاته على التعدي القانوني [12] إلى هذا الأمر.

ولكن، رغم ذلك، وُجهت للتعديل عدة انتقادات لعدم تغليظه العقوبة المقررة، وذلك لأن العامل الأجتماعي المؤثر والناجم عن الثقافة الذكورية السائدة، ربما يحمل كثيرين إلى تفضيل المجازفة بامكانية الحبس لعدة شهور أو سنة على التعرض لنظرة العيب والتخجيل من محيطهم الاجتماعي. فضلاً عن أن التعديل نص على امكانية الصلح بين المرأة وغاصب الارث في أية حالة كانت عليها الدعوى، وبه تنتهى الدعوى الجنائية. وهو ما قد تجبر عليه المرأة لأعتبارات الحفاظ على العائلة مقابل ترضيتها بمبالغ مادية للتنازل عن ميراثها في الأراضي والعقارات التي تكون قيمتها أضعاف تلك المبالغ، كما أسلفنا.

وفي ظل غياب أدوات واضحة لتغيير المورثات الاجتماعية والثقافية، لا يمكن للقانون وحده مواجهة هذه الأنماط والعقائد السائدة، مما يجعل المرأة نفسها تتخوف من المطالبة بحقوقها وترضى بالأمر الواقع. خاصة في ظل غياب جهات يمكن للمرأة المظلومة أن تتوجه إليها لطلب المساعدة، وبالتالي تستخدم التعديل كأداة للحصول على حقوقها دون قضاء العديد من السنوات بين أروقة المحاكم من دون نتيجة.

ومن ثم في الوقت الذي أعلنت  فيه رئاسة الجمهورية التونسية[13] تأييدها  للمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، تبقى ملايين السيدات، خاصةً بصعيد مصر، بانتظار جهود حقيقية ومسارات جدية تكفلها الدولة للقضاء على العراقيل الاجتماعية والقانونية والقضائية بمعاونة منظمات المجتمع المدني للحصول على حقهن الشرعي في الميراث. وحتى لا يبدو التعديل مجرد استجابه لرغبه الرئيس المصري، يجب أن تكون هناك آليات واضحة لتغيير المورثات الثقافية المتوغلة بالمجتمع حتى بالنسبة للمسؤليين الرسميين والمخول لهم إنفاذ القانون، والتى ظهرت بجلاء بتصريح[14] الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب وأستاذ القانون الدستوري، المنتمى للصعيد بجلسة إقرار التعديل بأن "ما يثار بشأن حرمان المرأة من الميراث في الصعيد "غير صحيح" و أن المرأة في الصعيد تأخذ حقها بشكل كامل".

 

[1] - القانون رقم 77 لسنة 1943 ،هو القانون المنظم للمواريث للمسلمين ومختلفي الملة من المسيحيين بالنظام التشريعي المصري .

[2] نُشر الخبر على موقع جريدة اليوم السابع بتاريخ 5-12-2017.

[3] - راجع عايدة رضوان " السيسي: "معاكم في أي إجراء لإعادة رسم الصورة الحقيقية للمرأة" خبر بموقع مصراوى نشر بتاريخ 8/11/2017 .

[4] - راجع آيه آمان " هل يستطيع القانون المصريّ وقف حرمان المرأة من الميراث ومواجهة الموروثات الاجتماعيّة؟ " تحقيق صحفي بجريدة المونتير بتاريخ 12/12/2017 .

5- د. سلوى محمد المهدي" أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة قنا" أعدت دراسة بعنوان "ميراث المرأة فى صعيد مصر بين الواقع والمأمول" صدرت عام 2009 عن جامعة قنا . رصدت بها ظاهرة حرمان المرأة من الميراث بمحافظتى قنا و سوهاج بصعيد مصر.

[6] - راجع خالد الغويط " دراسة: 95.5% من نساء الصعيد محرومات من الميراث" تحقيق صحفي صادر عن جريدة الوطن بتاريخ 19/9/2017 .

[7] - راجع أمينة طلال "الرضوى بدلاً من القانون: "ميراث المرأة".. الحق الضائع بين القوانين والعادات في صعيد مصر" تحقيق صحفى بجريدة أصوات مصرية بتاريخ 29/12/2016.

[8] - دعوى الحجر هى دعوى قضائية تقام من أحد الاقارب ممن له مصلحة ضد الشخص لأدعاء اصابته باحد العوارض التالية مجنون ، معتوه، سفيه (عدم الاهليه للتصرف ) ، ويحكم بها بعد الاستعانه بالخبراء لتقيم الشخص المحجور عليه ، ويحكم بالحجر أى بعدم الاهلية للتصرف بدون مساعدة من اقام الدعوى، أو من يحكم لصالحه.

[9] -  المرجع السابق رقم(4).

[10] - المرجع السابق رقم (6)

[11] - المرجع السابق رقم (3 )

 [12]  - راجع محمود حسين " البرلمان يقر قانون المواريث بدور الانعقاد الثالث.. توافق بين الحكومة والنواب والمؤسسات الدينية على تغليظ عقوبة الامتناع عن تسليم الميراث للورثة.. والمشروع يجيز الصلح حفاظا على عدم تفتت الأسرة"خبر نشر بجريدة اليوم السابع بتاريخ 25/8/2017 .

[13] - خبر صحفى بموقع BBC  بعنوان "المساواة في الإرث والزواج بغير المسلم" تثير جدلا في تونس نشر بتاريخ 15/8/2017 .

[14] - راجع محمد المنسى ومحمد حسنى" عبد العال يرفض اتهام الصعيد بحرمان المرأة من الميراث" خبر صحفى بجريدة فيتو بتاريخ 19/11/2017 .