تعتبر مجلة الأحوال الشخصية التونسية من مفاخر دولة الاستقلال. فهي لعبت دورا أساسيا في تحديث الأسرة التونسية بما فرضته من حق للمرأة في اختيار زوجها والاقتران به بموجب عقد زواج مدني لا تنفك رابطته إلا قضائيا وبتجريمها لتعدد الزوجات وقطعها مع كل المؤسسات التي تكرس دونية المرأة في العلاقة الزوجية. وقد زادت القيمة الاعتبارية لهذا النص الذي يصعب أن نجد مثيلا له في أثره المجتمعي، علما أن الحراك حول المسألة النسوية بعد الثورة انتهى إلى إعلانها مكونا أساسيا من مكونات الشخصية الوطنية التونسية. ومع التسليم بهذه الأهمية، يكمن التحدي الأساسي اليوم في مدى قدرة هذه المجلة على مواكبة حاجيات مجتمع كان لها فضل في تطويره. وتظهر المطالبة بقراءة نقدية لمجلة الأحوال الشخصية أكثر إلحاحا اليوم بعد دخول "قانون مناهضة العنف ضد المرأة" المنظومة التشريعية التونسية وتناغمه في أحكامه مع دستور الجمهورية الثانية الذي اعتبر المساواة بين الجنسين من أساسيات مبادئه.

يذكر هنا أن الحاجة لتطور تحديث مجلة الأحوال الشخصية سبق وأن طرحتها السلطة السياسية قبل الثورة، فحاولت بموجب القانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرخ في 12 جويلية 1993 تحديث نصها التشريعي في اتجاه تدعيم الشراكة بين الزوجين في إدارة شؤون الأسرة. وقد تم بموجب هذا القانون إلغاء واجب الزوجة في طاعة زوجها وإرساء مبدأ التشاور بين الزوجين كبديل عنه في تصريف شؤون العائلة. كما أسند التعديل للأم بعض صلاحيات الولاية في صورة تعذر ذلك على الأب أو تهاونه فيها. ومن جهة أخرى، وحّد التعديل السن الدنيا للزواج بين الجنسين والتي باتت سن الرشد المدني، وأقرّ إمكانية إسناد الجنسية التونسية لأبناء التونسية المتزوجة من أجنبي إذا طلبوا ذلك في العام الذي يسبق بلوغهم السن القانونية. لم يصل إصلاح 1993 إلى فرض المساواة الكاملة بين الجنسين في الفضاء الأسري، لأسباب تعود على الأرجح لخوف جهة القرار من ردود الفعل التي قد تعترضها من قرار مماثل. وهو خوف بددته ثورة جانفي 2011 والتي جعلت المساواة بين الجنسين موضوع توافق اجتماعي وسياسي بما ينتظر تبعا له فتح ورش مجلة الأحوال الشخصية لإبرازه في دستور الأسرة حيث رصدنا ثلاثة استحقاقات كبرى هي رئاسة العائلة والنفقة والميراث.

رئاسة العائلة: الولاية تحتاج موقفا أكثر وضوحا

ترتبط رئاسة العائلة التي أسندها الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية للأب بنظام الولاية على الأبناء القصر، وقد اشترط الفصل الثامن من ذات المجلة أن يكون من يضطلع بها "ذكرا عاصبا بالنفس". علاوة على كونه تمييزا صريحا ضد المرأة، يظهر اشتراط الذكورة في الولاية في تعارض مع توجه المجلة لمنح الأم جانبا من صلاحياتها. وعليه، يتّجه إلغاء التمييز بخصوص صلاحيات الأم في إدارة شؤون العائلة والأبناء وإقرار حقها في ممارسة الولاية متساوية مع الأب وترك ما قد يحصل بينهما من تنازع في ذلك للقضاء الذي عليه أن يغلب في قراراته مصلحة القاصر الفضلى. وفي إطار هذا الإصلاح يفترض أيضا مراجعة "واجب الإنفاق في اتجاه يقطع مع النظرة الدونية للزوجة".

النفقة: في ضرورة ممارسة المساواة دون دونية

استند الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية للعرف والعادة ليفرض حق الرجل في رئاسة العائلة ورتب على هذا الحق تحميل الزوج واجب الإنفاق على زوجته المدخول بها وأبنائه منها مع إلزامها بمشاركته في الإنفاق إن كان لها مال. ويعكس هذا الحكم نظرة دونية للمرأة ويتعارض مع واقع الأسرة التونسية حيث بات تقاسم الأعباء بين الزوجين دون اعتبار للتمييز الجنسي بينهما ممارسة مكرسة. ويؤشر تحميل الزوج واجب الإنفاق على الزوجة متى تم الدخول بهل إلى تصور نظري يعدّ الزوجة بمثابة وعاء للممارسة الجنسية وأداة تكاثر محبوسة بمقتضى عقد الزواج لاستدامة الاستمتاع بها. واعتبارا لتطور مفهوم العلاقة الجنسية الزوجية في اتجاه الاعتراف بحق طرفيها في الاستمتاع المتبادل، فقد غدت  نظرية الاحتباس المؤسسة على واجب الطاعة والخضوع الكاملين في تناقض مع البناء الحديث لهذا المفهوم المؤسس على المساواة والتوازن. ويتعين اليوم أن يكون أساس توزيع أعباء النفقة بين الزوجين هو التعاون والتضامن. فإن كانت الزوجة تعمل تنفق على العائلة بقدر ما لها  من مال وإن كانت لا تعمل فواجب النفقة يرتبط  بقيام الزوجة بشؤون المنزل لأنه يتلاءم أكثر مع المفهوم الحديث للعلاقات الزوجية. فللزوجة المساهمة بالعمل أو المساهمة بالمال بحسب وضعها الاقتصادي على أن يتم تحميل الزوجين واجب النفقة.

 

الميراث: إصلاح صعب لكن ضروري

لم تغير مجلة الاحوال الشخصية كثيرا في أحكام الإرث التي تستند في أحكامها للتشريع الإسلامي. ووجدت المطالبة بمراجعة أحكامها لضمان المساواة بين الجنسين رفضا من السلطة السياسية بدعوى احترام الشرع الإسلامي. غيرت دعوة رئيس الجمهورية التونسية باجي قايد السبسي بتاريخ 13-08-2017 لمراجعة أحكام المواريث ضمانا للمساواة بين الجنسين من رتابة هذا المشهد وفرضت أن يكون الحديث عن إصلاح مجلة الأحوال الشخصية في هذا المجال موضوع حوار مجتمعي بما يعد اختراقا ثقافيا هاما لمسألة كاد يمنع طرحها بداعي قدسية أحكامها.

يذكر هنا أن مجلة الاحوال الشخصية بحثت في الفقه الاسلامي وخارج المذاهب السنية عن مخارج للتخفيف من حدة التمييز بين الجنسين بارسائها لمؤسسة الرد والتي تضمن لبنت الصلب حقها في إرث سلفها. وكان الطاهر الحداد في كتابه إمرأتنا في الشريعة والمجتمع دعا منذ ثلاثينات القرن الماضي إلى إلغاء قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين، وإن وجد الأمر غير مناسبا آنذاك بفعل ارتهان المرأة التونسية آنذاك اقتصاديا واجتماعيا. لكن اليوم تغير وضع المرأة وأصبحت متعلمة وموظفة وعاملة ولم تترك مجالا لم تقتحمه وهي قادرة على إنتاج الثروة وتساهم بالتساوي مع الرجل في الإنفاق على العائلة وفي تسيير شؤون العائلة.

وختاما، لا يجب أن يجعلنا الاهتمام بمجلة الاحوال الشخصي  نغفل أن قانون الجنسية يتطلب بدوره تدخلا تشريعيا يفرض أن تكون الجنسية التونسية  من حق أبناء التونسية المتزوجة من أجنبي دون قيد أو شرط.

 

نشر في العدد 10 من مجلة المفكرة القانونية في تونس، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2nZEMo7.