بعد أيام قليلة من إعلان الفريق المتقاعد سامي عنان عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية في مصر، أذاع التلفزيون المصري بيانا للقوات المسلحة يقول إن عنان "فريق مستدعى" وإنه خالف القواعد العسكرية بإعلان ترشحه للرئاسة من دون الحصول على موافقتها أو اتخاذ ما يلزم من إجراءات لإنهاء استدعائها له. وتم القاء القبض على عنان وأتُهم بمخالفة القواعد العسكرية ضمن اتهامات أخرى ولا يزال محبوسا على ذمة التحقيقات. الجدير بالذكر أن القائد الأعلى للقوات المسلحة عام 2012، الرئيس محمد مرسي حينذاك، أصدر أمراً بإنهاء خدمة عنان وإحالته للتقاعد مما يطرح تساؤلات عديدة حول البيان الصادر من القوات المسلحة المُشار اليه.

بعد صدور بيان القوات المسلحة قررت الهيئة العليا للانتخابات حذف اسم عنان من قاعدة بيانات المتمتعين بحقوقهم السياسية. ورغم إقرارها في بيانها بأن القانون يحظر التعديل في تلك القاعدة بعد فتح باب الترشيح لكنها بررت تصرفها بأن عنان لا يزال في خدمة القوات المسلحة رغم إحالته للتقاعد، استناداً إلى القانون رقم 133 لسنة 2011. وأشار البيان إلى أن هذا القانون نص على: "استدعاء أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الموجودين بالخدمة في تلك الفترة (2011) فور انتهاء خدمتهم ببلوغهم السن القانونية وذلك للاستفادة من خبراتهم". واللافت أن هذا القانون ليس له أي أثر على الموقع الرسمي للجريدة الرسمية، ولا على الموقع الذي يملكه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء والذي يقوم بنشر القوانين؛ ولا على موقع شبكة قوانين الشرق وهو من أهم المواقع في المنطقة العربية التي تقوم بنشر القوانين والقرارات الصادرة في المنطقة. وقامت الزميلة رنا ممدوح الصحفية بموقع مدى مصر بمقابلة مدير الجريدة الرسمية بالمطابع الأميرية للحصول على نسخة من هذا القانون، وكان الرد أنه لم ينشر قانون بهذا الرقم من قبل. فكيف استندت الهيئة العليا للانتخابات في قراراها باستبعاد عنان على قانون لم ينشر؟ ومن أين حصلت عليه؟ هل لدى الدولة وسيلة للنشر أخرى غير تلك التي نص عليها الدستور؟ أم انها تقصر نشر بعض القوانين على عدد محدود من أعضائها؟ وهل هناك قوانين سرية يعمل بها في مصر وغير مسموح للمصريين بالاطلاع عليها؟

يفتح هذا الأمر النقاش حول نفاذ القوانين في مصر، والسياسة التشريعية التي انتهجها المجلس العسكري، المُشرع في ذلك الوقت، في إصدار مثل هذا القانون. بالإضافة إلى سياسة الدولة في إخفاء بعض القوانين بعدم نشرها، مع نفاذها في نفس الوقت، مما يخل بالمنظومة القانونية.

 

نشر القوانين: شرط لنفاذها

إذا ما قمت بتتبع تسلسل أرقام القوانين الصادرة والمنشورة في الجريدة الرسمية عام 2011 ستجد أن القوانين أرقام 105 و113 و129 و133 و134 و135 لسنة 2011 ليس لها أي أثر ولم تنشر. وكنا نعتقد أنها لم تصدر ولا يعمل بها، حتى فوجئنا هذه الأيام بالقانون 133 لسنة 2011 يظهر للعيان وعلمنا بمحتواه. ولكن حتى هذه اللحظة لا أحد يعلم شيئا عن محتوى بقية القوانين الغامضة لأنها غير منشورة. ينص الدستور المصري في المادة 225 منه على أن القوانين لا يعمل بها ولا تعتبر نافذة إلا من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية؛ وبالتالي فإن أي قانون لا قيمة له ولا يعتد به تجاه أفراد الناس ولا تجاه المؤسسات بغير نشر. فكيف يحذف اسم عنان من قاعدة بيانات الناخبين بناء على قانون غير نافذ بحكم الدستور؟ كيف لنا أن نقف على صحة قرار الهيئة العليا للانتخابات وصفة عنان العسكرية رغم أن الدولة تحجب عن المواطنين القوانين التي تطبقها؟  

 

مخالفة القانون لأسس ومبادئ التشريع

نظراً إلى أن كل ما نعلمه عن هذا القانون هو ما أشارت اليه الهيئة العليا للانتخابات في بيانها، لجهة أنه نص على أن أعضاء المجلس العسكري بتاريخ إصدار هذا القانون (نوفمبر 2011) مستدعون للخدمة في القوات المسلحة بحكم القانون ومن دون حاجة لصدور قرار من قيادة القوات المسلحة باستدعائهم، وذلك فور انتهاء خدمتهم ببلوغهم سن التقاعد، فإننا سنقوم بنقد هذا القانون على هذا الأساس.

أي قانون يلزم أن يكون قاعدة عامة مجردة، وهذا يعني أن مضمونه يتحدد وفق أسس موضوعية، فإذا ما تمادى المشرع في تخصيص القانون للدرجة التي يمكن من خلالها تحديد أشخاص بل أسماء المستفيدين وانحصار تطبيقه عليهم، وكونه لن ينطبق مطلقاً مستقبلاً على أي شخص سواهم فذلك يفقد هذا القانون صفة العمومية والتجرد ومن ثم لا يعد قانوناً. وبتطبيق ذلك على القانون رقم 133 لسنة 2011، نجد أن المستفيدين والمخاطبين بأحكامه هم أشخاص بذواتهم، وفي ذات الوقت هم من أصدروه، ويمكننا الوقوف على أسمائهم بسهولة، وهذا القانون لا ينطبق على غيرهم. وهو ما ينفي عنه كونه قاعدة عامة مجردة بالتالي فهو ليس بقانون. ونظراً لأن القانون 133 غير مؤقت فهذا يعني أن أعضاء المجلس العسكري في توقيت إصدار القانون سوف يظلون بعد انطباق القانون عليهم ضباطا في القوات المسلحة مدى حياتهم طالما ظل سارياً. وهذا يعتبر السبب الرئيسي لصدور هذا القانون، حيث يعني هذا أنه مهما تغيرت الظروف السياسية وطالما ظل هذا القانون ساريا سيظلون عسكريين مما يعني استحالة ملاحقتهم جنائياً أمام المحاكم الجنائية المصرية أو تحريك الدعوى ضدهم من قبل النائب العام في أي جريمة ارتكبوها أو يرتكبونها مستقبلاً فهم سيخضعون فقط للمحاكم العسكرية أيا كانت الجريمة المُرتكبة. بالإضافة إلى حصولهم على راتبهم كاملاً مدى حياتهم.  

بالإضافة إلى مخالفة هذا القانون مبدأي العمومية والتجرد، فإن فيه ما يُعتبر انتهاكا لمبدأ الفصل بين السلطات. فلا يستطيع كل من رئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ولا وزير الدفاع بوصفه القائد العام للقوات المسلحة ولا لجنة الضباط الرئيسية في القوات المسلحة إنهاء استدعاء أي من أعضاء المجلس العسكري وقت ثورة يناير 2011، لأن الذي استدعاهم للخدمة هو القانون فالذي يسرحهم منها هو فقط القانون. وهذا يعدّ تدخلا من جانب السلطة التشريعية في صميم عمل السلطة التنفيذية والجيش، حتى وإن كان الجيش هو من كان يتولى السلطة التشريعية حين صدور هذا التشريع. فكان واجبا عليه أن يفرق بين أعماله المختلفة ولا يستغل وجود السلطة التشريعية في يده ليصدر تشريعات بالمخالفة لقاعدة الفصل بين السلطات.  

 

لو أصدر الآن القائد الأعلى للقوات المسلحة قرارا بإنهاء استدعاء الفريق متقاعد سامي عنان أو المشير المتقاعد حسين طنطاوي، فإن قراره سوف يتعارض بشكل مباشر مع نص قانوني سارٍ وفعال، وسيظل عنان ضابطا في الخدمة بحكم القانون. وسبق وأصدر القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس الجمهورية حينذاك محمد مرسي، قرارا بإحالة عنان وحسين طنطاوي للتقاعد وهو ما يعني بالضرورة انتهاء الخدمة بالقوات المسلحة. ولكن وبسبب القانون 133 لسنة 2011 استدعوا للخدمة مباشرة، دون حاجة لصدور قرار من الرئيس أو من وزير دفاعه أو من القوات المسلحة، وإن لم تكن القوات المسلحة استدعت بالحقيقة عنان للخدمة. وهو ما يعتبر تمييزا لصالح هؤلاء الضباط دونا عن باقي ضباط القوات المسلحة بالمخالفة للدستور. وعليه، الجهة الوحيدة التي بإمكانها الآن أن تنهي استدعاء أي من أعضاء المجلس العسكري أثناء ثورة يناير هي مجلس النواب، وذلك من خلال إلغاء هذا القانون، أو تعديله. وإذا ما سلمنا بقدرة مجلس النواب على القيام بذلك فذلك يعني أن له القدرة أيضًا أن يصدر قوانين بتعيين أشخاص في القوات المسلحة أو استدعائهم أو حرمانهم من الاستدعاء، ولو اعترض الجيش على ذلك باعتباره تدخلا من السلطة التشريعية في شؤون الجيش وإدارته فسوف يكون في موقف مناقض لموقفه الحالي من القانون 133 لسنة 2011.

 

ولكن في حالة سامي عنان، نلاحظ أن القانون كان له أثر سلبي على أحد الضباط الذين جاء ليحميهم بالأساس، فحرمه من الترشح من الانتخابات، كما حرمه من امكانية إنهاء خدمته. فلا يحق للفريق المتقاعد عنان على سبيل المثال تقديم طلب للقوات المسلحة لإنهاء خدمته، لأنها كما أوضحنا مسبقاً لا تملك ذلك، وإن فعلت سيكون النص على استدعائه بحكم القانون قد عُطل بموجب قرار من القوات المسلحة وهي لا تملك ذلك. وبالتالي، من هذه الزاوية، ميّز القانون ضد من صدر لمصلحتهم، حيث أعطى الحق لكل ضباط القوات المسلحة في طلب إنهاء الخدمة وفقاً لإجراءات محددة، وحرم عنان وباقي الضباط أعضاء المجلس العسكري أثناء ثورة يناير 2011 من نفس الحق رغم تساوي المراكز القانونية. وعليه، السبيل الوحيد لإنهاء الاستدعاء هو إلغاء هذا القانون، بحيث لا يتصور أن نجبر عنان أن يلجأ للسلطة التشريعية دونا عن باقي العسكريين المتساوين معه في المركز القانوني ويطالب بتعديل القانون خصيصاً واستثنائه بالاسم من هذا القانون وهذا تمييز يخالف الدستور.  

 

خاتمة

على الرغم من أن عنان شخصيًا شارك في إصدار هذا القانون الذي كان في وقت من الأوقات لمصلحته ولمصلحة أعضاء المجلس العسكري الشخصية، إلا أن من عجائب القدر أن ذات القانون هو سبب وجود عنان في السجن الحربي الآن؛ وهو ما يُعد نتاجا طبيعيا لسوء استخدام السلطة ولاستخدامها للمصلحة الشخصية.

 

هذا الأمر يشير إلى حد كبير إلى انتهاك السلطات المصرية لضوابط التشريع وقواعد نفاذ القوانين؛ كما يعكس تفصبل السلطة للقوانين على مقاس أشخاص أو مصالح محددة. بالإضافة إلى ذلك، تعكس هذه الحادثة نهج الحكومات المصرية المتعاقبة في إخفاء البيانات والمعلومات عن الناس، وعدم الالتزام بحقهم في المعرفة وتداول المعلومات، إلى الحد الذي وصل بها إلى إخفاء القوانين.

 

-http://www.tashreaat.com

- http://www.eastlaws.com/

- تنص الفقرة الأولى من المادة 225 من الدستور المصري على أن "تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال مسة عشر يوماً من تاريخ إصدارها، ويعمل بها بعد ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتاريخ نشرها إلا إذا حددت للك ميعاد أخر..."

- المادة 3 من القانون 325 لسنة 1956 بشأن استدعاء الضباط الجريدة الرسمية 2 سبتمبر 1956 العدد 70 مكرر أ