قدمت جمعية شمل مشروع قانون مدني للاحوال الشخصية على وقع المظاهرات الداعية الى اسقاط النظام الطائفي. وبالطبع، يفهم ان تكون الجمعيةاستعجلتوضع مشروع مماثل والضغط للنظر فيه في المجلس النيابي على امل الاستفادة من الحراك الحاصل آنذاك. انما اليس من المستحسن ان يلقى هذا المشروع ما يستحق من نقاش مجتمعي؟ الا يجدر ان ينبثق عن حراك تتشارك فيه فئات اجتماعية معينة، وهي الفئات التي باتت بشكل او بآخر على تناقض مع قوانين الاحوال الشخصية؟ في هذا المقال، تود الكاتبة، ومعها المفكرة التي تنشره، فتح باب النقاش، عبر الاضاءة على بعض الحريات التي بدا وكأنه ضحي بها في سياق الرغبة في تكريس حرية المعتقد والزواج المدني. وثمة سؤال بين السطور: كيف نعرّف الزواج، بل كيف نعرّف العائلة في مشروع قانون مماثل؟ واهم من ذلك، هل للتخاطب في مفاهيم مماثلة، ان يعيد بعض الحيوية لحراك بدا مؤخرا وكأنه في طور الانكفاء؟ (المحرر).
يرى العديد في اقرار مشروع قانون مدني للاحوال الشخصية تحقيقا لمقتضيات حرية المعتقد المكرسة صراحة وبصورة مطلقة في المادة 9 من الدستور كما والسبيل الانسب لادراج حقوق الفرد الاساسية في مجال التشريع العائلي. وقد برز في الآونة الاخيرة مشروع جمعية "شمل" الذي يقترح تشريعا مدنيا يهدف الى تنظيم العلاقات العائلية بين الافراد.
فما مدى مساهمة هذا المشروع في تطوير قانون للاحوال الشخصية يعزز الحريات الفردية ومبدأ المساواة؟
يتبين من قراءة المشروع انه يحافظ على حصرية الزواج كنموذج معترف به قانونا" لتنظيم العلاقات العائلية وان النظرة المعتمدة للزواج هي تقليدية تشدد على غايته التناسلية التي من شأنها الحد من بعض الحريات الفردية وابعاد مبدأ المساواة.
في ترجيح الزواج والغاية التناسلية على الحريات الفردية:
لا جدل في كون هذا المشروع يكرس حرية المعتقد لكل من الزوجين عبر ازالة حاجز اختلاف الدين المنصوص عليه في القوانين الطائفية المرعية الاجراء[1]. الا انه من جانب اخر يحد من حرية العمل ويثير بعض التساؤلات حول العلاقات الجسدية بين الزوجين.
فلجهة حرية العمل، ان المواد 35 و36 من مشروع القانون تنصان على امكانية الحد من حرية عمل احد الزوجين "اذا كان في معاطاة العمل او المهنة ما يسيء الى الزوج الآخر ماديا او معنويا اساءة بالغة او يحول دون القيام بالواجبات الزوجية الاساسية" دون تحديد كيفية تأثير عمل احد الزوجين على قيامه بهذه الواجبات والتي حددت في المادتين 33 و34 على الشكل الآتي: المحبة واسعاد الآخر والتعاون وحسن المعاملة والسلوك غير العنفي، والمشاركة في شؤون الاسرة وفي تربية الاطفال والاعتناء بهم.
فهل المقصود من هذه المادة انه في حال استهلك عمل احد الزوجين القسط الاكبر من وقته، يكون من الجائز اجباره على اقتطاع جزء من وقته المهني لتخصيصه لعائلته او ان المقصود هنا هو نوع العمل وليس كمه؟ وما هي الاعمال المحظرة على المتزوج؟ وكيف يتم تحديدها؟ والاهم، ما هو العقاب المتأتي عن مخالفة مادة كهذه؟
اما لجهة العلاقات الجسدية بين الزوجين، فان المادة 33 من مشروع القانون توجب على كل من الزوجين "محبة واسعاد الآخر" ومن البديهي التساؤل حول مضمون هذا التعهد بال"محبة واسعاد الآخر". هل يقتصر على المحبة والسعادة الروحية ام انه يمتد ليشمل المحبة والسعادة الجسدية؟
واخيرا"، يتفاجأ القارىء بالاطلاع على مواد ترعى حالة العدة التي يبقيها المشروع كمانع من موانع الزواج فلا "يجوز للمرأة ان تتزوّج من جديد، بعد انقضاء فترة ثلاثة اشهر على ابطال الزواج او انحلاله شرط الا تكون حاملا، او اذا رخص لها بالزواج بقرار معلل تتخذه المحكمة المدنية المختصة في غرفة المذاكرة".اذ انه اذا كان مانع العدة مبررا فيما مضى اذ انه كان يجنب اختلاط النسب فان التقدم العلمي يسمح لنا اليوم بتجنب هكذا اختلاط دون اللجوء الى موانع كهذه تحد من حرية المرأة في الزواج.
تبين هذه الملاحظات ان مشروع "شمل" يبقي على بقايا ما يسمى ب"الزواج الانصهاري" اي الزواج الذي يتأتى عنه اندماج شخصية كل من الزوجين بالآخر.
في ترجيح الزواج والغاية التناسلية على مبدأ المساواة:
يكرس مشروع "شمل" مبدأ المساواة بين الزوجين اذ انه يوازي الرجل والمرأة فيما يتعلق بالحقوق والموجبات الناتجة عن الزواج كما انه يتطرق الى آفة العنف الاسري فيجعل من العنف الناتج عن اي من الزوجين مبررا" للهجر او الطلاق. اما فيما يتعلق في الاولاد، فان المشروع يكرس مبدأ المساواة بين الولد الناتج عن علاقة زوجية والولد الناتج عن علاقة غير زوجية على مستوى الحقوق الارثية.
الا انه يبقى في المشروع شوائب تظهر تمايزا في الحقوق بين افراد الاسرة.
فعلى صعيد العلاقة بين الزوجين، تنص المادة 37 على مشاركة الزوجين "في الانفاق على العائلة بنسبة مواردهما الماليّة" ولكنها تعود وتشير الى انه "اذا لم يكن للمرأة اموال خاصّة ناتجة عن مشاريع وعمل ولا تتعاطى مهنة ببدل ماليّ، فالزوج هو الملزم بالانفاق المادي المباشر، شرط اعتبار الزوجة شريكة في الانفاق المنزلي من خلال تقدير قيمة العمل المنزلي كمورد اساسي للاسرة".ينتج عن هذه المادة تضارب في ادوار الرجل والمرأة في العلاقة الزوجية فهي في آخر المطاف تلقي على عاتق الزوج دور تأمين لقمة المعيشة للعائلة تاركة الزوجة في دورها التقليدي بين جدران المنزل.
بالاضافة الى ذلك، وفي العلاقة بين الزوجين ايضا، يدخل المشروع في المادة 11
مانعا جديدا من موانع الزواج يتمثل في الاصابة "بمرض مزمن يؤثر في صحّة الاولاد و/او في صحة الزوج الاخر" وذلك بغض النظر عن علم الشريك بهذا المرض قبل الموافقة على هذا الزواج اي بغض النظر عن حالة الغلط الواقع في شخص احد الزوجين او في صفاته الجوهرية المنصوص عليها في المادة 39. وتتعرض هذه المادة بشكل خطير لمبدأ المساواة وتخلق صنفا" جديدا" من ضحايا التمييز في هذا المجال وهم المرضى.
وعلى صعيد الاولاد، يميز المشروع بين الولد الناتج عن علاقة زوجية والولد الناتج عن علاقة غير زوجية فيما يخص اثبات الانتساب تجاه الاب. فالمادة 84 تمنع على الولد المولود خارج اطار الزواج القانوني اثبات انتسابه الى ابيه خارج الحالات الآتية:
- حالة الخطف او الاغتصاب عندما يكون الحمل قد حصل في الوقت العائد لهما،
- حالة الاغراء بالطرق الاحتيالية )التجاوز في استعمال السلطة، الوعد بالزواج، ...)،
- اذا كان هناك بدء بيّنة خطية فيمكن اكمالها بوسائل الاثبات المقبولة قانونًا،
- الحالة التي يوجد فيها رسائل او مخطوطات اخرى صادرة عن الاب المفترض ومتضمنة اعترافـا بالابوة خاليا من الالتباس.
بينما لا يشترط المشروع فيما يتعلق باثبات انتساب الولد الناتج عن علاقة غير زوجية تجاه امه التواجد في اي حالة من الحالات المبينة اعلاه.
ومفاد هذه المواد:
اولا": التمييز بين المرأة والرجل اذ ان اب الولد الناتج عن علاقة غير زوجية لا يجبر على الارتباط قانونا بابنه او ابنته الا اذا اغتصب، اغرى، خطف او خطط احتياليا او التزم خطيا اما الام فتلزم بالارتباط في كل الاحوال.
ثانيا": التمييز بين الولد الناتج عن علاقة غير زوجية والولد الناتج عن علاقة زوجية الذي لا يقيد بكل تلك الاعباء الاصولية لاثبات نسبه.


[1]فالمادة 4 من مشروع القانون تنص على احتفاظ كل من الزوجين بدينه وبحرية معتقده والمادتين 13 و145 تنصان صراحة على عدم اعتبار اختلاف الدين او المذهب كمانع من موانع الزواج والارث.
.