بدأ مكب برج حمود باستقبال النفايات قبيل حرب 1975-1990، حيث كانت النفايات تتجمع في منطقة المتن وكسروان ولم يكن ثمة مجال لإرسالها إلى مناطق أخرى. وكانت هذه المنطقة حينها فارغة ولا يوجد فيها سوى مركز للقوات اللبنانية عند الكرنتينا.

 

عوامل تلوث المكب

تبلغ مساحة المكبّ القديم نحو 48 ألف متر مربع أضيف إليها مؤخرا نحو 30 ألف متر مربع مساحة المطمر جديد، و"هذه كلها ستكون ملكاً لبلدية برج حمود وستحقق لها ثروات بالملايين"، وفق ما يقول الناشط البيئي والناطق باسم صيادي المنطقة وسام فرنسيس. وأشار فرنسيس إلى أن "ملكية الأرض الناتجة عن الطمر ستكون لبلدية برج حمود وبالتالي ستستثمرها وتحقق ثروات من وراء ذلك". وقال أن بلديتي برج حمود والجديدة قبضتا نحو 110 مليون دولار للقيام بعملية الردم".

ويلفت الناشط البيئي رجا نجيم أنه "منذ انتهاء الحرب وحتى العام 1997 تكوّن هذا الجبل من النفايات، بعد إقفال مكب النورماندي وتفريغه للاستفادة من الأرض هناك، وقد وصل ارتفاع الجبل إلى علو يقارب 45 متراً".

في العام 1997 نجح حزب الطاشناق في فرض إيقاف المطمر وإغلاقه، وأحضرت محرقة إلى منطقة الكرنتينا، حين كان فؤاد السنيورة وزيراً للمالية، لحرق النفايات فضلاً عن كل المواد السامة التي استقدمت في الثمانينات إلى لبنان. لكن المحرقة كانت مجرد "تفنيصة". في هذا الوقت، كانت المحرقة الموجودة في منطقة العمروسية قد بدأت بخنق الناس، فقاموا بتكسيرها، وتم التوجه نحو منطقة الناعمة. وحسب نجيم، "تعمل شركة داني الخوري على جعل المطمر القديم يهبط في البحر حتى يصل الى ارتفاع 14 متر، ومن أجل تحقيق ذلك يقومون برمي النفايات في البحر مباشرة من دون فرز، على أن تتم بعد ذلك معالجة المياه في المنطقة".

وبعيدا عما ستصل إليه الأمور في المستقبل، يؤكد الأخصائيون بأن منطقة برج حمود هي الأكثر تلوثاً في كل لبنان، بنسبة 200% بحسب سهيلة إدريس من حملة الأزرق الكبير.

هناك مصادر عدة حالياً تسهم في زيادة التلوث في برج حمود: أولاً مصب نهر بيروت الذي يرمي إلى البحر كل الأوساخ من مجارير ومواد كيميائية من النفايات السائلة والصلبة للمصانع الواقعة على مجرى النهر، وثانيا هناك المكب والعصارة وثالثاً المسلخ الذي بقي في المنطقة لسنوات طويلة قبل إقفاله منذ نحو ثلاث سنوات.

وعليه وبحسب مسؤولة العلاقات العامة في حملة الأزرق الكبير سهيلة ادريس، فإن"الحياة البحرية هناك منعدمة كلياً ، وهناك أنواع عديدة من الأسماك قد باتت بحكم المنقرضة مثل "اللقز الصخري". كما اختفت التوتياء التي تشكل رئة البحر كليا على امتداد الشاطئ اللبناني، وذلك ليس نتيجة الصيد العشوائي وإنما بسبب التلوث".

المشهد الأكثر إيلاما بالنسبة للناشط البيئي والصياد وسام فرنسيس هو رؤية انتحار سمك البوري بتاريخ 19/5/2017 من خلال القفز من الماء والارتطام بالصخور". يؤكد أنه"منذ استئناف الأعمال في المطمر منذ ثلاث سنوات، تراجعت الثروة السمكية والصيد تقريباً بحدود 70%، وقبل الدخول مسافة 2 كيلومتر لا إمكانية لوجود أسماك".

ويعيش السكان بالقرب من المطمر حياة بؤس حيث يعانون من الروائح القذرة التي تملأ المكان ولا سيما في فترة الصيف، ناهيك عن الأمراض الصدرية من ربو وغيرها فضلا عن انتشار السرطان.  أبرز ما يلفت النظر بالسكان هناك، هو وجود أنواع من الطفر الجلدي (حبوب) المنتشر على أجسادهم وفي رؤوسها أكياس قيح تغزو أجساد الأطفال بدرجات كبيرة.

 

شكاوى ودعاوى قضائية

تتزايد عدد الشكاوى والدعاوى القضائية المقدمة بشأن منطقة برج حمود.  

الدعوى الأولى قدمها ادّعى عددٌ من المحامين والناشطين المتضررين من مكب برج حمود، بتاريخ  22/9/2016، أمام قاضي الأمور المستعجلة في المتن رالف كركبي، وذلك ضد شركتيّ "جهاد العرب للتجارة والمقاولات"، وشركة "خوري للمقاولات"، والدولة اللبنانية، وذلك لغاية إغلاق المكب. وقد انضم إليهم لاحقاً حزب الكتائب اللبنانية.

وبتاريخ 1/11/2016، تقدم الخبير الكيميائي المعين من القاضي جهاد عبود تقريره إلى المحكمة مفيداً "أن هناك وجود خلل في العمل وعدم مراعاة المعايير البيئية والصحية في مطمر برج حمود". ويشرح عبود لـ"المفكرة" أنه: "في بداية العمل لم يكن يتم فرز النفايات وكان يتم طمرها كما هي. كما أنه لم يكن هناك breakwater أي حاجز أو سد  وكان يتم رمي جبل النفايات في البحر. حاليا أنهوا الأعمال في المنطقة والبحر بات ملوثاً بما يكفي وبإمكان من يشاء أن يغطس هناك ويرى النفايات". وبسؤاله عن البراميل السامة الموجودة هناك وحقيقة أنها تحوي نفايات مشعة، قال:"لم نتمكن من معرفة أين أصبحت البراميل السامة وأحداً لم يعمل عليها. وقد طلبنا من الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية أن تقوم بالكشف، فجاءت مجموعة من قبلها وقامت بزيارة للمكان وقالت أنه لا يوجد مواد مشعة، علماً  أنهم كانوا أرسلوا لنا تقريراً يفيد أنه يجب العمل على كل سنتيمتر للتأكد أنه لا يوجد مواد مشعة، لكن عندما جاؤوا قاموا بجولة سريعة ولم يتم العمل على النحو الذي كانوا نصحوا به. كان هناك مجموعة من الصيادين الذين عملوا في الحرب مع "القوات اللبنانية" ويعرفون أين تم طمر البراميل وكانوا يساعدوننا لمعرفة أين أصبحت اليوم. ولكن طلب مني التوقف عند هذا الحد والسكوت"، وفق ما يؤكد ل"المفكرة".

وعلى ضوء المعاينة الفنية، أصدر  القاضي رالف كركبي بتاريخ 15/11/2016  قراراً بوقف الأعمال في مطمر برج حمود ولكنه "ما لبث أن تراجع عنه، وذلك في إثر اعتراض الشركة في الجلسة التي انعقدت بعد يومين من وقف الأعمال" (17/11/2016). وقد بنى  القاضي كركبي تراجعه حصراً على أقوال الشركة خلال هذه الجلسة، حيث أكد "عدم قيام الشركة برمي الأتربة الممزوجة بالنفايات في البحر". كما أكد أن "كاسر الموج الذي يتم بناؤه يشكل حماية كافية من تسرب النفايات". وهذا القرار هو حاليا موضوع استئناف.

فضلا عن ذلك، تم تقديم دعوى ثانية من قبل الناشطين وحزب الكتائب ضد كل من "مجلس الانماء والاعمار"، و"شركة خوري للمقاولات " بشأن توسع هذا المطمر في اتجاه الجديدة، وذلك أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، حيث يقيم مجلس الإنماء والإعمار. ويلحظ أنه لا يفصل بين مكب الجديدة ومكب برج حمود سوى سنسول صغير. وما تزال الدعوى عالقة حاليا أمام القاضية رانيا رحمة. وعن هذه الدعوى، يقول محامي حزب الكتائب  سمير خلف أنه من "الثابت الى الآن غياب دراسة الأثر البيئي في هذا المشروع وقد قلنا للقاضية أن هذا سبب كافٍ لإيقاف الأعمال".

فضلا عن هاتين الدعويين، تقدم صيادو الأسماك ضد شركة خوري الملتزمة أعمال المكبّ، ومجلس الإنماء والإعمار ووزارة البيئة وبلديتي الجديدة وبرج حمود بشكوى جزائية إلى النيابة العامة في جبل لبنان بعدما أبرز المتضررون التقارير التي تظهر واقعة التلوث. وقام رجال المفرزة القضائية بالتحقيقات، حيث أحيل الملف إلى النيابة العامة التي قررت تكليف خبير بالبيئة، ولا تزال القضية عالقة منذ أكثر من أربعة أشهر "مكانك راوح".   

وكان صيادو الأسماك نفذوا بتاريخ 24/5/2018 في منطقة برج حمود اعتصاماًعند منعطف المينا –الدورة-الطريق البحرية وقطعوا الطريق على السيارات. فإنشاء مطمر برج حمود على نحو عشوائي قضى على الحياة البحرية في المنطقة التي تعتاش منها اكثر من 150 عائلة، وبات الصيد في غالبه نفايات.

 

  • نشرت هذه المقالة في العدد 55 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا: مناطق الموت في لبنان