اخيرا، اقر المشرع اللبناني قانونا اصطلح على تسميته قانون معاقبة جريمة الاتجار بالاشخاص وصدر القانون في 24-8-2011. وقد تضمن موادا تعديلية لقانون العقوبات لادخال المفهوم المذكور وانعكاساته. وعلى الرغم من اهميته المتمثلة في ادخال مفهوم الاستغلال للمرة الاولى في قانون العقوبات، فان الاسلوب المعتمد لاقراره والظروف المحيطة به، فضلا عن بعض احكامه، انما تكشف عن سلبيات كبرى في ذهنية المشرع ولا سيما بما يتصل بمشاغله واولوياته، وتحديدا لناحية مقاربته للضحية. فقد جاء اقراره بمثابة رضوخ للضغوط الأميركية والدولية فيما بقيت الضحية مغيبة تماما وكأنها غير معنية باعتبارات العدالة. وان يقر قانون على هذا الوجه بغياب ارادة سياسية قوية انما يطرح علامات استفهام مشروعة حول امكانية تطبيقه في ظل اختلال التوازن بين المستغل "الذي غالبا ما يراكم عوامل القوة" والضحية "التي غالبا ما تراكم عناصر الضعف". بكلمة اخرى، انها سلطة القهر تترنح في "النص" الذي بات يضع خطوطا حمرا، ولكن هل يترافق ذلك مع تعديل حقيقي للذهنية العامة، للارادة العامة، للتوجهات العامة؟ واهم من ذلك، اي تغيير فعلي لضحايا الاتجار؟ في هذا المقال، تحاول الكاتبة الاضاءة على هذه الجوانب، هذه المرة من زاوية الضحية (المحرر). 

من زاوية المنطق القانوني، يرتقب ان يكون لقانون معاقبة الاتجار بالاشخاص انعكاس كبير على كيفية معالجة قضايا اجتماعية عدة، وعلى راسها القضايا المتعلقة بالفنانات والعاملات في الدعارة السرية اللواتي يتم استغلالهن جنسيا وبعاملات الخدمة المنزلية اللواتي يتم اخضاعهن للعمل وفق شروط منافية للكرامة الانسانية، واطفال الشوارع الذين يتم استغلالهم في التسوّل. ولكن، من زاوية اخرى، يسجل امور مقلقة عدة في القانون وحوله، كلها تتصل بكيفية مقاربة المشرع لمظالم الاستغلال وضحاياه، توجب منطقيا التخفيف من هذا التفاؤل. فمن يراقب جيدا، يعلم ان هذا القانون قد صدر بمعزل عن اي ارادة سياسية في مكافحة الاستغلال.
الضحية غائبة عن هواجس المشرع
وهذا ما يتحصل من الاسباب الموجبة للقانون والتي انحصرت في وجوب مواءمة التشريعات اللبنانية مع الاتفاقيات الدولية التي تم اقرارها من دون اي اشارة الى الضحية او الى مظالم الاستغلال الحاصلة فعليا في لبنان. وهذا ايضا ما يبينه محضر الجلسة التشريعية التي عقدت في 4-8-2011 حيث طالب مؤيدوه باقراره  للحفاظ على "صورة لبنان في الخارج" (بطرس حرب) وتقديم "رسالة الى المجتمع الدولي" (وزير العدل شكيب قرطباوي)، هنا ايضا من دون اي اشارة الى الضحية.
والواقع انه تم تسريع اقرار القانون بعدما قامت الولايات المتحدة الامريكية بانزال لبنان الى الفئة الثالثة (Tier 3)في تقريرها السنوي حول مكافحة الاتجار بالاشخاص الذي نشر في 27-6-2011، وهو انزال تلقائي بعد بقاء اي دولة لمدة سنتين على قائمة المراقبة للبلدان المصنفة في الفئة الثانية (Tier 2 Watch List). وليس لادراج لبنان في الفئة الثالثة اضرار معنوية وحسب، بل هو يؤدي الى انزال عقوبات بحق لبنان، ابرزها الامتناع والتوقف عن تقديم المساعدات ومعارضة الحصول على مساعدات من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (باستثناء الانسانية منها وتلك المتعلقة بالتجارة).
ويبدو ان سفيرة الولايات المتحدة لدى لبنان حثت عددا من المسؤولين عبر نشاط دبلوماسي مكثف[1] على اقرار القانون والقيام بخطوة كبيرة نحو مكافحة الاتجار بالاشخاص لتجنب العقوبات الاميركية التي يفترض ان يبدأ العمل بها في 1-10-2011. فهل العبرة من ذلك هي ان الضغط الخارجي والتهديد بالعقوبات هما السبيل الوحيد لكي يقوم مجلس النوّاب بحماية من يتعرّض للاستغلال وغيرها من اشكال الاستعباد؟
وتبقى الضحية عرضة للملاحقة
والامر الثاني، هو الوضعية القانونية للضحية. ففيما آل القانون الى تشديد العقوبات ازاء استغلال الغير والاتجار بهم، فقد ابقى الضحية معرضة للملاحقة وللمعاقبة، على ان تعفى من العقاب في حال ارغمت"على ارتكاب افعال معاقب عليها في القانون او خالفت شروط الاقامة او العمل."( المادة 586-8).
فحصر المشرع اللبناني نطاق حماية ضحية الاتجار بها بمنع العقاب بحقها ولم يتجه نحو نفي مسؤوليتها الجزائية خلافا للمعايير الدولية في هذا المجال. وتاليا ما يزال المشرّع اللبناني يرى ان الشخص الذي وقع ضحية اتجار بالاشخاص مجرما يجوز توقيفه والادعاء بحقه وادانته (وبالتالي تسجيل ادانته في سجله العدلي)، مما يضعف حكما منظومة حماية الضحية.
وفيما ان النص اعفى تلقائيا الضحية من اي عقاب على اساس "مخالفة شروط الاقامة او العمل"، تعفى الضحية من العقوبة للجرائم العادية كممارسة الدعارة او التسول والتي قد تكون مرتبطة مباشرة بالاتجار، فقط اذا ثبت انها ارغمت على ارتكاب الجريمة. وبالطبع، تقديم هذا الاثبات يبقى صعبا في غياب اي امكانية للضحية بالحصول على دفاع مناسب.
وبالرغم من عدم اتخاذ مكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة موقفا صريحا باستبعاد خيار مماثل (وهو خيار اعتمدته الاتفاقية الاوروبية المتعلقة بالاتجار بالاشخاص)، فان جهات اخرى اوصت بمنع الملاحقة ضد ضحايا الاتجار في جميع الافعال التي اتت نتيجة مباشرة لهذه الصفة على اساس ما اصطلح على تسميته معيار السببية (وهو المعيار المعتمد من قبل الولايات المتحدة الامريكية ومنظمة الامن والتعاون في اوروبا). ف"لا يعتقل الاشخاص المتجر بهم او توجه لهم التهمة او تتم مقاضاتهم بسبب عدم قانونية دخولهم بلدان العبور والوجهة او اقامتهم بها، او بسبب ضلوعهم في انشطة غير قانونية الى درجة ان ضلوعهم هذا اصبح نتيجة مباشرة لوضعيتهم كاشخاص تم الاتجار بهم" وفق مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان،[2]وقد تم تأكيد هذا المبدأ في توصيات الفريق العامل المعني بالاتجار بالاشخاص،[3]وفي القانون النموذجي لمكافحة الاتجار بالاشخاص المعتمد من قبل مكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.[4]
 والواقع ان معيار السببية هو الاكثر تلاؤما مع خصوصية ضحية الاتجار بالاشخاص ووجوب حمايتها لان صفة الشخص كضحية اتجار هي التي تملي اعفاءه من العقوبة في الجرائم ذات الصلة دون حاجة لاي اثبات اضافي. فوضع الشخص كضحية اتجار يتحصل من مجمل الظروف المحيطة باستغلاله، كما تتحصل جريمة الاتجار عادة من مجموعة من الافعال المتلاحقة وليس من أفعال اكراه معينة. فقد يصعب على الضحية اثبات انها ارغمت على ارتكاب الجريمة، خاصة في الحالات التي لم يتم فيها التحقيق بجريمة الاتجار او لم يتم فيها التعرف على هوية الجاني. فكيف، على سبيل المثال، تثبت "الفنانة" التي اتت الى لبنان بناء على وعود كاذبة بحصولها على عمل ما (خداع) انها ارغمت على ممارسة الدعارة فيما انها وافقت على ذلك بعدما هددها صاحب الملهى الليلي في لبنان باعادتها الى بلدها حيث ستواجه البطالة والفقر ولن تتمكن من اعالة عائلتها (استغلال حالة الضعف)؟ والواقع، ان اعتماد المشرّع اللبناني معيار الارغام لاعفاء الضحية من العقوبة لا يمنحها عمليا اي جديد طالما ان القوة القاهرة هي من الحالات العامة لموانع العقاب. ولا يكون خلاف ذلك الا اذا تم التوسع في تعريف "الارغام" كأن يشكل الاتجار قرينة على حصوله.
التعرف على الضحية ومخاوف مشروعة من الترحيل
لم يعتمد القانون آلية واضحة للتعرف على ضحية الاتجار بالاشخاص. ففي بعض الحالات، قد لا يكون الشخص واعيا انه وقع ضحية للاتجار بالاشخاص او ان حقوقه الاساسية منتهكة.  وقد لا يتسنى له ان يعلم الضابطة العدلية او القاضي بالاسباب التي دفعته الى ارتكاب الجريمة. فغالبا ما يتم توقيف الاجانب في لبنان واحتجازهم وترحيلهم دون اعطائهم فرصة للدفاع عن انفسهم: فاما يحاكمون بشكل سريع – وجماعيا احيانا - بغياب المحامي، واما يستمر توقيفهم في نظارة المديرية العامة للامن العام الى حين ترحيلهم ومن دون احالتهم الى القضاء.
وفيما سمح القانون الجديد للضحية الاجنبية بالبقاء في لبنان خلال المدة التي تقتضيها اجراءات التحقيقات بموجب قرار يصدره قاضي التحقيق او القاضي الناظر في الدعوى (المادة 586-8 الفقرة الثانية)،  يبقى التساؤل مشروعا بشأن مدى استعداد المديرية العامة للامن العام على تنفيذ القرار القضائي تماشيا مع السياسة التي تنتهجها بعدم تنفيذ الاحكام القضائية القاضية باطلاق سراح بعض الاجانب ومنع ترحيلهم؟
واكثر من ذلك، فقد خلا القانون من اي تدابير حماية لضحايا الاتجار بالبشر (باستثناء امكانيةالاستعانة بمؤسسات او جمعيات متخصصة لتقديم المساعدة والحماية للضحايا). كما جاء اقراره من دون اي جهد لضمان انسجامه مع سائر الاحكام الواردة في المنظومة القانونية. فالا يفرض هذا القانون مثلا اعادة النظر في اشارات دخول الفنانات؟ بل الا يفرض اعادة النظر في منظومة الكفيل برمتها وخاصة منظومة العمالة المنزلية؟ المؤكد ان هذا القانون يفتح النقاش اكثر مما ينهيه. فلنتابع مساره وكيفية تطبيقه...
ملاحظة
اضاف قانون معاقبة جريمة الاتجار بالاشخاص قسما جديدا الىقانون اصول المحاكمات الجزائية وهو القسم السابع مكرر "في اجراءات الحماية في جريمة الاتجار بالاشخاص" الذي يسمح بعدم كشف هوية الشهود في قضايا الاتجار بالاشخاص. وقد اصر النواب  خلال المناقشات على حصر هذه الاجراءات بجريمة الاتجار فقط بدل ان تشمل جرائم اخرى وهو الاقتراح الذي كانت اللجان المشتركةقد اعتمدته في المشروع الذي قدم للمجلس والذي كان يضع نظاما قانونيا متكاملا لحماية الشهود وضحايا جميع الجرائم المعاقب عليها بعقوبات جنائية لا تقل عن الاعتقال لمدة خمس سنوات.


[1] السفيرة كونيلي تلتقي وزير الداخلية والعدل، بيان صحفي صادر عن سفارة الولايات المتحدة الامريكية في بيروت (باللغة الانكليزية) في 21/7/2011 ومتوفر على العنوان التالي: http://lebanon.usembassy.gov/pr072111.html، واشنطن: الاتجار بالاشخاص يقلّص المساعدات للبنان،النهار، 22/7/2011
[2] مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان، المبادئ والمبادئ التوجيهية الموصى بها فيما يتعلق بحقوق الانسان والاتجار بالاشخاص، 2002، http://www.ohchr.org/Documents/Publications/Traffickingar.pdf
[3] توصية – حاء، تقرير عن اجتماع فريق العمل المعني بالاتجار بالاشخاص المعقود في فيينا يومي 14 و15 نيسان/ابريل 2009،
http://www.unodc.org/documents/treaties/organized_crime/Final_report_Arabic_TIP.pdf[accessed on 1/6/2011]
[4] مكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، قانون نموذجي لمكافحة الاتجار بالاشخاص، 2010،
http://www.unodc.org/documents/human-trafficking/TIP_ModelLaw_Ararbic_ebook.pdf[accessed 1/62011]