منذ أن تم إنشاء مطمر الناعمة لاستقبال نفايات محافظتي بيروت وجبل لبنان في العام 1998، ومناشدات أهالي القرى المجاورة له (الناعمة وعين درافيل وبعورته)، لا تتوقّف. حركات احتجاجيّة وتصعيد سياسي أوصلا إلى إقفاله نهائياً في أيّار 2016.

غالبيّة الشكاوى كانت ترد من منطقتي بعورته وعبيه – عين درافيل. فالصيت للناعمة والفعل لعين درافيل، على اعتبار أنّ معظم مساحة المطمر تقع داخل هذه القرية التي تتقاسم بلديّتها مع قرية عبيه – قضاء عاليه، وبمساحة لا تتعدّى 9% في بعورته. في حين كان المدخل الوحيد للشاحنات المحمّلة بالنفايات الصّلبة يمر من منطقة الناعمة، ولذلك أخذت تسميته على اسمها.

على مر 18 عاماً، رفع هؤلاء الصوت عالياً رفضاً للروائح والغازات المنبعثة من المطمر، حتّى أنّ كثراً من بينهم عزوا حالات الربو والأمراض الجلديّة والسرطانيّة التي كانت تُسجّل في محيط المطمر إلى المطمر نفسه.

عددٌ من الأطباء الذين يعاينون أهالي النّاعمة وحارة النّاعمة لاحظوا أنّ 80% من حالات الوفاة في القريتين خلال ـ10 سنوات الماضية أتت نتيجة الإصابة بأمراض سرطانيّة مختلفة، وفق ما يقول  ل" المفكرة" طبيب الصحّة العامّة، الذي يملك عيادة في المنطقة، الدكتور بسّام حمزة.

يشدّد حمزة على أنّ الرّبط بين هذه الحالات والمطمر أتى نتيجة ملاحظات غير مثبتة علمياً بل بحاجة إلى دراسة. ويشير إلى أنّه كان يعاين خلال الفترة الماضية الكثير من حالات حساسيّة الجلد والربو وضيق التنفّس لدى الأطفال، لافتاً إلى أنّ عدد هذه الحالات انخفض بعد إقفال المطمر.

هذا أيضاً ما يؤكّده مختار بعورته طارق غرز الدين الذي يقول أنّ القرية كانت تقريباً خالية من الإصابات بالأمراض السرطانيّة التي سرعان ما ارتفعت بعد العام 2000، لتسجّل اليوم 15 شخصاً ماتوا إثر إصابتهم بالسرطان و5 أشخاص ما زالوا يخضعون للعلاج، من بينهم 5 حالات أصيبت بسرطان الرئة.

يتحدّث غرز الدين أيضاً عن تسجيل الكثير من حالات الإختناق لدى الأطفال وارتفاع الحرارة، بالإضافة إلى حالات طفح جلدي، مؤكّداً أنّها انخفضت بعد إقفال المطمر.

 

اتهامات مؤكدة؟

بعد انقضاء عامين على إقفال المطمر، تم إجراء دراسة في الجامعة الأميركية في بيروت حول الآثار الصحية لمطمر الناعمة. ولكننا ولدى السؤال، أبلغنا من قبل أحد المسؤولين عنها "أنه لن يتم الإعلان عن نتائجها". وبعد إلحاحنا حول أهمية ذلك بالنسبة للمواطنين قيل لنا "سنفكر في الأمر".  وزارة الصحة نفسها، لا تملك خريطة تحدّد المناطق التي تنتشر فيها الأمراض السرطانية بحسب أنواعها. كلّ ما لدى الوزارة هو عدد المصابين بكل نوع من أنواع السرطان، لا غير.

 

المطمر هجّر الأهالي

يتحدث رئيس بلدية عبيه-عين درافيل غسان حمزة عن قرية كاملة تحمل اسم عين درافيل من دون أن يكون فيها سكّان. فبعد أن هجّرت الحرب أهلها، خاف هؤلاء أن يعودوا إلى الموت بعد إنشاء المطمر على بُعد 100 متر من منازلهم. هذه البيوت التي يتعدّى عددها ـ50 بيتاً لم تعد كلّها مهجورة اليوم، وإنّما يلاحظ زائرها أعمال البناء الحاصلة فيها وعودة عدد من الأهالي إليها. يروي العائدون اليوم أنّه كان من المستحيل الرجوع إلى منازلهم في ظلّ الروائح المنبعثة من المطمر وإمكانيّة إصابتهم بالأمراض. لا يبدو واقع عين درافيل بعيداً عن بعورته. إذ أنّ العديد من أهالي المنطقة أيضاً هجروا بيوتهم، فيما باع البعض الآخر أملاكه مفضلا العيش بعيداً عن المطمر.

فيّاض العيّاش هو أحد هؤلاء. رأى أنّ الانتقال إلى السويداء وبرغم الأزمة السوريّة، سيكون أكثر أمناً على أطفاله الأربعة من السّكن في منزل يقع على تلّة في بعورته مجاورة للمطمر، مضيفاً: "هربتُ من قريتي لخمس سنوات كي أحمي أطفالي".

يتذكّر الرّجل حالات الإسهال والتقيؤ التي كانت تعتري بناته، بالإضافة إلى حالة نشفان في العيون أصابت والدته، ممّا أدّى إلى خسارتها حاستها البصرية بنسبة عالية.

لا يتوقّف الأمر عند الأطفال والمسنين، بل يتحدّث العيّاش عن تعرضّه والعديد من جيرانه، إلى آلام دوريّة في الرأس نتيجة الدخان المنبعث من المطمر. لم يكن بيد الرجل سوى إحكام إقفال نوافذ وباب منزله بلاصق كي يخفّف الروائح، بالإضافة إلى قيامه يومياً بخلط كوب من المياه مع كميّة من الأوكسجين بهدف المضمضمة. كلّ ذلك كوقاية حتى لا يحصل معه ما حصل مع عدد من أهالي بعورته الذين أصيبوا بأمراض سرطانيّة في الرئة والزلعوم والمعدة، وفق ما يروي العياش الذي قرّر العودة إلى بلدته بعد إقفال المطمر.  

ويشير العياش إلى أنّ الأمر لم ينتهِ، بل ما زال وعائلته يتنشقّون روائح صادرة عن المطمر، ولكن لا حلّ أمامه سوى الوقاية.  

 

هل كان مطمر الناعمة "صحياً"؟

في مقابل غياب الدّولة عن البحث عن الآثار الصحيّة للمطمر، كان هناك من يُراقب سير العمل ولو من بعيد. رفع أكاديميون وخبراء الصوت عالياً رفضاً للمطمر وآثاره السلبية على البيئة والصحة.

الخبير البيئي الدكتور ناجي قديح هو أحد المتابعين لهذا الملف، والذي تسنّى له زيارة المطمر قبل فترة من إقفاله. يرفض الدكتور الأكاديمي إطلاق "مطمر صحي" على أي مطمرٍ دون التدقيق في مدى مطابقته للمواصفات الموضوعة علمياً. بحسب قديح، فإنّ المطمر الصحي مرهون بالكثير من الشروط البيئيّة والهندسيّة. فهو بنية هندسيّة على شكل أرجوحة (trapeze)، تتطلّب مهندسين مدنيين وخبراء للقيام بتخطيط استراتيجي لعدد سنوات إنشائه وتحديد كميّة النفايات القادر على استيعابها سنوياً.وعليه، يفترض أن يراعي التخطيط أن تكون صلاحية المطمر بين 15 و30 عاماً.

وبعدما عدد مواصفات المطمر الصحي عامة، رأى قديح، إنّ مطمر النّاعمة كان يراعي بعضاً من هذه الشروط، ليستثني "مكان اختيار المطمر لقربه من الأماكن السكنيّة وتدميره للغطاء الأخضر، بالإضافة إلى ثغرتين في عمليّة التشغيل تختصران تقييم المطمر".

تكمن الثغرة الأولى في عدم إدارة الغازات التي كانت تصدر عن المطمر بحرقها أو تركها في الهواء من دون الاستفادة منها عبر إنتاج الطاقة. وهو الأمر الذي لم يحصل إلّا في الفترة الأخيرة، مع أنّه كان يجب حصوله قبل أكثر من 10 سنوات.

وتتمثل الثغرة الثانية، وهي الأخطر، في عدم جديّة معالجة عصارة نفايات المطمر. يشرح قديح أنّ هذه المعالجة تمرّ عادةً بثلاث مراحل ويسبقها مرحلة ما قبل المعالجة وهي عبارة عن غربلة المياه بشبكات ضخمة لإزالة المواد ذات الأحجام الكبيرة كالخشب والحديد.. وبعد المرور بمراحل المعالجة الثلاث يمكن ضخ هذه المياه بأنبوب داخل البحر.

ولكن كان يجري عكس ذلك: فمحطة الغدير هي اسم على غير مسمى. فهي لا تقوم إلّا بمرحلة ما قبل المعالجة! كيف؟ يشرح قديح أنّ الصهاريج الآتية من مطمر النّاعمة والمحمّلة بعصارة النفايات كانت تقف خارج حدود المحطّة، أي على الطريق العام، لتفرغها في ما يشبه البئر.

الكارثة، وفق قديح، أنّ هذه المياه التي تحتوي على مواد سامّة لا تعالج وإنّما تُغربل ثم تضخ بأنبوب طوله 1500 متر، داخل البحر. وهذا يعني أنّ ما هو أقذر من "المجارير" يرمى في البحر، إذ أنّ العصارة تعدّ أكثر خطراً من المياه المبتذلة!

هذه الثغرة كان يمكن معالجتها بطريقة بسيطة، لو أنّ ما يُعرف بمحطة الغدير هي فعلاً محطّة، على حدّ قول قديح.  

وبرغم أنّ مسؤولية هاتين الثغرتين تقعان على عاتق الدوّلة، إلّا أنّ قديح لا يُعفي المسؤولين عن المطمر، أي مجموعة "أفيردا" التي تضم شركتي "سوكلين" و"سوكومي"، من المسؤوليّة، على اعتبار أنّ القيمين على هاتين الشركتين كانوا يرون الخطأ من دون الاعتراض.

ويذهب قديح أبعد من ذلك بالتذكير بأنّ قلّة قليلة من المعنيين مطّلعون على ماهيّة المسؤوليّات المرميّة على عاتق "أفيردا" حتّى يتم محاسبتها عليها، لعدم قدرة المتابعين على الإطلاع على دفتر شروط العقد الذي وضع من قبل "مجلس الإنماء والإعمار" ليتمّ محاسبة "أفيردا" على أساسه، لافتاً إلى أنّ الكثير من الوزراء لم يستطيعوا أيضاً الإطلاع عليه حتى اليوم. يتحدّث قديح أيضاً عن غياب الرقابة على المطمر من قبل مسؤولي السّلطة، أي وزارة الصحة ومجلس الإنماء والإعمار.

لا يفقد الدكتور المتخصّص بالبيئة الأمل في محاسبة المقصرين، مشدّداً على أن "البحث القضائي ممكن أن يكشف عن كلّ هذه التفاصيل التي لا نعلمها". وإذا كانت عمليّة التأكّد من العلاقة السببيّة المباشرة بين المطمر والآثار الصحيّة على القاطنين بجواره صعبة بسبب عدم توفر دراسات معمّقة وطويلة المدى، فإنّ ذلك لا يلغي وجود علاقة غير مباشرة.

يشرح قديح أنّ رمي عصارة النفايات في البحر من دون معالجتها، مثل ما كان يحصل، يسبّب الأمراض الجلديّة، بالإضافة إلى أضراره على التنوّع البيولوجي في البحر والتأثير على الثروة البحريّة.

كما أنّ الانبعاثات الصادرة عن المطمر هي غنيّة بمادة "الميثان" (الأقوى 24 مرّة من مادّة ثاني أوكسيد الكاربون) التي تسببّ الاحتباس الحراري والذي يسبّب بدوره تغيّر المناخ.

يؤكّد قديح أنّ مراعاة الشروط البيئيّة والصحيّة لتشغيل المطمر، على فرض حصولها،ـ لا تلغي إمكانيّة انبعاث الروائح من النفايات أثناء نقلها وتفريغها وقبل طمرها، ممّا كان يؤثّر على أهالي المنطقة.