في  سنة 2015، اقترح الوزير السابق أكرم شهيب أن يتم نقل نفايات بيروت إلى مكب سرار في عكار، كبديل عن مكب الناعمة. المكب موجود منذ نحو 18 عاماً وهو بؤرة للسموم والأمراض التي لا تصيب أهالي عكار وحسب وإنما لبنان بأسره، وذلك عبر سهل عكار الذي يورد الخضار والمزروعات إلى غالبية الأسواق اللبنانية. فيما المزروعات تروى من المياه المختلطة بالعصارة السائلة من المكب.

أسس مكب سرار خلدون ياسين في العام 2000. جعل منه  مكباً عشوائياً  في أرض يملكها من دون أي تخطيط أو دراسة ولا حتى تقييم أثر بيئي. استقبل المكبّ نفايات ست بلديات مقابل اشتراك معين، إلى أن تحول لاحقاً إلى جمع النفايات من كل سهل عكار. يستقبل سرار نفايات 120 بلدة، إضافة إلى نفايات شكا، أنفه، الهري، وقسم من جبيل، ومعها نفايات مسالخ "الهوا تشيكن" من الدم والريش وبقايا الدواجن ويمتد على  مساحة تتراوح بين أربعة وخمسة ملايين متر مربع. والأسوأ هو ما أكده رئيس بلدية عمار بيكات السابق لل "مفكرة" من أن المستشفيات الأربع في عكار (السلام-القبيات ورحال واليوسف وحلبا الحكومية) ترمي نفاياتها في سرار أيضاً. فهل يمكن أن نتخيل أي عصارة تسيل من المكب نحو مياه عكار ومزروعاتها؟

واستمر العمل في المكب على هذا النحو حتى العام 2004 حين اندلع فيه حريق هائل وصل دخانه إلى منطقة الميناء في طرابلس. ومنذ ذلك الوقت، بات يتم فصل المواد القابلة للاشتعال عن النفايات الأخرى. ويستقبل المكب نحو 500 طن من النفايات يومياً، فيما ينبسط  في أسفله  سهل عكار الشهير.

عملياً الدولة لم تكن تدري بوجوده بل كان عشوائياً يستخدم من خلال اتفاق بين صاحبه ورؤساء البلديات. يقول رئيس بلدية عمار البيكات وليد القاسم أن "الدولة بدأت منذ نحو ستة أشهر فقط الإشراف على المكّب".  وكان القاسم تقدم بدعوى ضد المكب بعدما خالف الإتفاقية مع البلديات الست، وبات يجمع النفايات من معظم المناطق العكارية؛ إلا أنه عاد ورجع عنها بسبب ضغوط قال أنه تعرض لها.

 

15 قرية محكومة بالسرطان

بفعل "سرار"، تحولت المناطق القريبة منه إلى بؤر للأوبئة والأمراض ومنها عمار البيكات، قشلق النورا وشير الحميرين والعبودية والقمبر والشيخ عياش وتل حميرة، كلها ضيع متضررة بشكل مباشر من المكب، سيما عندما يكون الهواء شرقياً. واعتاد الأهالي مرغمين على التكيف معه.

وبحسب مختار العبودية أحمد قاسم، فإن أغلب الأراضي المحيطة بالمكب هي أراض سكنية، لكن أحداً لا يقبل السكن فيها، وهي تأثرت بشكل كبير جداً بالمكب. ومن يملك أرضاً  فنتيجة إرث، وليس  بمقدوره الإفادة منها لا في البيع ولا في الزراعة، لأن أحداً لا يقبل السكن فيها "وإن ببلاش".

عندما جاء القرار بنقل نفايات بيروت إلى عكار، تحركت مجموعة من الناشطين من أبناء عكار في حملة عرفت بـ" عكار منّا مزبلة". اختار أصحابها هذا الاسم ليختصر مطلبهم برفض الخطة، ووحدت الحملة الأهالي في عكار من مختلف التيارات والانتماءات الطائفية والسياسية. فلبى معظمهم الدعوة إلى التحرك والاعتصام مراراً. ويؤكد الناشط فراس عبدالله أن مكب سرار يحكم على سكان 15 قرية عكارية بالموت بالسرطان.

وفي إحدى المرات، نجح عدد من شبان الحملة بالتسلل إلى المكب. ويروي أمين رجب ما شاهده بأم العين قبل أن يتعرض وصديقه فراس للضرب من قبل حراس المكب ليقول "المشهد مرعب، حيث تسيل العصارة وتختلط بمجرى المياه الطبيعية ولا يمكن ملاحظة هذا الخطر صيفاً. إلاّ أنه في الشتاء تتدفق العصارة بغزارة وتسرح إلى الوادي، فيما تتجمع طيور وحشرات بأشكال غريبة فوق المكّب".

وقام الناشط البيئي، والدكتور في الهندسة الكيميائية، ناجي قديح بزيارة إلى منطقة عكار إبان الأزمة. أثناء جولته، زار عدداً من المدارس والبيوت، وعاين حالات لأشخاص يعانون من لدغات البعوض وبرغش غريبة وأشبه ببؤرة التهابات موزعة على مختلف أنحاء جسم من التقاهم مما يدل على أن الحشرات تحمل معها جراثيم، ومسببات للالتهاب والأمراض.

توقفت تحركات "عكار منّا مزبلة" فور العدول عن فكرة نقل النفايات إلى مكب سرار. وبحسب المختار قاسم، فقد أخبرهم صاحب المكّب أن الدولة تعمل على إعداد معمل لفرز النفايات وهي تحتاج إلى أربعة أشهر للانتهاء منه. لكن لم يذكر أحد ماذا سيحصل بالغازات التي يختزنها المكب منذ سنوات؟ وإلى متى ستستمر العصارة بالتسرب نحو السهل لتروي ما يأكله اللبنانيون من خضار؟