بتاريخ 03/07/2018، صدر قرار بالغ الأهمية عن محكمة التمييز في قضية صرف أحد نقابيي سبينس. القرار صدر في الدعوى التي كان رفعها العامل السابق في الشركة السيّد مخيبر حبشي ضد شركة غراي ماكنزي ريتايل لبنان، صاحبة متاجر "سبينس"[1]، على خلفية صرفه من العمل. وقد حسمت المحكمة العليا واقعة حصول الصرف تعسفا وعلى خلفية نشاط حبشي النقابي، بعدما نقضت الحكم الابتدائي الصادر عن مجلس العمل التحكيمي الصادر لمصلحة الشركة. وبنتيجة ذلك، ألزم القرار الشركة بتسديد تعويض يساوي أجر عشرة أشهر عمل لحبشي عن صرفه تعسفياً من العمل لديها، فضلاً عن تعويض الإنذار.

ويجدر التذكير أن حبشي كان أحد أعضاء الهيئة التأسيسية لنقابة عمال سبينس (Spinneys) في سنة 2012، والتي نشأت بعدما تقاعست هذه الأخيرة عن تطبيق مرسوم تصحيح الأجور الصادر في السنة ذاتها. وقد تعرض كالكثير من زملائه لمجموعة من التدابير التمييزية وصلت حدّ الاعتداء عليه جسديا في مقر العمل وأثناء دوامه، بهدف إرغامه على الاستقالة من النقابة. وقد سعت الشركة آنذاك إلى وفق معادلة قوامها: إما الإستقالة من النقابة وإما الصرف من العمل. كثيرون آنذاك قدموا استقالاتهم تحت الضغط، لكن حبشي صمد حتى النهاية متمسكا بحقه النقابي، مما كبّده خسارة عمله. ويشار إلى أن الصرف حصل قبل يومين فقط من موعد الانتخابات الأولى للنقابة والتي تم انتخابه فيها عضوا في مجلس النقابة. لا بل أن الشركة بررت الصرف بأعمال هي بطبيعتها نقابية، كقيامه بتوزيع مناشير رأت الشركة أنها مسيئة لسمعتها، فضلا عن تذرعها بواقعة غير ثابتة (ولا تعني الشركة إطلاقا) قوامها قيامه بتزوير طلبات انتساب بعض زملائه إلى النقابة. 

ومن أبرز الحيثيات التي تضمنها قرار محكمة التمييز هو أن المناشير "التي جرى توزيعها عرضت مسائل تتعلق بالعلاقة بين [سبينس (Spinneys)] وعمّالها وسلطت الضوء على ما يواجه هؤلاء من مشاكل كعدم التصريح عن البعض لدى الضمان الإجتماعي ومعاقبتهم بسبب إنشاء نقابة لهم وفصل بعضهم تعسفياً [...]. وقد خلصت المحكمة على ضوء ذلك إلى القول بأن المناشير التي شارك [حبشي] بتوزيعها شكّلت وسيلة سلمية لجأ إليها الأجراء [...] للتعبير عن وضعهم الوظيفي والمعيشي وذلك ضمن حدود حرية التعبير والرأي المصانة قانوناً. وانطلاقا من ذلك، أخذت المحكمة على شركة [سبينس (Spinneys)] بأنها تمسكت بتوزيع المناشير قبل بضعة أيام فقط على إجراء أول إنتخابات نقابية كسبب وحيد من أجل صرف [حبشي] مما يشكل تعسفاً في الصرف".

في الاتجاه نفسه، أعابت محكمة التمييز على الشركة عدم التقيد بالشروط الشكلية للتذرع بالمادة 74 فقرة 3 التي تبرر صرف أجير إذا ثبت أنه ارتكب عملا أو إهمالا مقصودا يرمي إلى إلحاق الضرر بمصالح رب العمل المادية، بحيث أنه كان يفترض بالشركة أن تعلم وزارة العمل خطيا بهذه المخالفة خلال 3 أيام من التثبت منها (وهذا ما لم يحصل). وقد رأت المحكمة "أن التغاضي عن إعلام وزارة العمل عن المخالفات المنسوبة للأجير قبل إتخاذ قرار الصرف من شأنه إنقاص الحماية التي قدمها القانون لهذا الأخير عن طريق إعطاء المرجع الإداري صلاحية التحقيق فيما نسب إليه من أفعال كي لا يكون عرضة لما يستنسبه صاحب العمل". وعلى أساس مجمل هذه الحيثيات، اعتبرت محكمة التمييز الصرف تعسفيا.

ويلحظ أن الحكم الصادر عن مجلس العمل التحكيمي في بيروت في هذه القضية بتاريخ 19/04/2017، والذي تم نقضه، كان ردّ دعوى حبشي على أساس أن المناشير التي وزعها "تضمنت إساءات وإهانات لسمعة الشركة [...]، ولا يعقل أن تصدر عن أجير يفترض أن يعمل بإخلاص ونشاط لدى رب عمله".

وتشاء الصدف أنه في الوقت نفسه الذي كانت المحكمة العليا تصدر فيه قرارها، كان ثلاثة مؤسسين لنقابة سبينس يترافعون أمام القاضية المنفردة الجزائية في بيروت (القاضية رلى صفير) في الدعوى الجزائية التي أقاموها ضدها وضد مديرها لمنعهم من ممارسة حريتهم النقابية سندا للمادة 329 من قانون العقوبات، داعين القضاء إلى حماية حقوقهم وحرياتهم. وقد أرجئت هذه الدعوى للحكم بتاريخ 20/12/2018. ويؤمل أن يؤثر قرار المحكمة العليا إيجابا على مآل هذه الدعوى الجزائية ويمهد لحماية الحرية النقابية، ومعها حق العمل بكرامة.

 

[1]  محكمة التمييز المدنية، الغرفة الثامنة الناظرة بقضايا العمل (والمؤلفة من الرئيس غسان فوّاز والمستشارتين كاتيا أبو نقّول وشهرزاد ناصر)، قرار رقم 65/2018، تاريخ 03/07/2018.