أن يستمر مجلس شورى الدولة في اجتهاداته المناوئة للحريات العامة، يعني عمليا ترسيخ قمع الحريات من قبل المرجع الذي انوجد أصلا لحمايتها. وكانت المفكرة قد أضاءت في عددها التاسع على قرارات عدة صدرت مؤخرا عنه وآلت الى التضحية بحرية المعتقد على مذبح النظام. وقبل نشر العدد التاسع، كان المجلس نفسه يضحي بحرية دستورية أخرى إرضاء لمقص الرقيب في قضية شهيرة هي قضية "بيروت في الليل". المفكرة القانونية تنبه مجددا الى خطورة هذا التوجه الاجتهادي الذي من شأنه أن يشكل منزلقا خطيرا على صعيد الحريات العامة (المحرر). 
يتابع مجلس شورى الدولة ملحمة التضحية بالحريات الدستورية في لبنان. فبعد تقييده لحرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية التجمع الديني خلافا للمبادئ القانونية بهدف حماية "نظام عام ديني" يأسر المواطن داخل حدود الطوائف،[1] قام مجددا بالتضحية بحرية أساسية أخرى على مذبح النظام هي حرية التعبير، فيما يتصل بالرقابة التي تمارس على انتاج الأفلام السينمائية وعرضها.[2]وقد كانت هذه الدعوى القضائية قد بدأت حين اشترطت اللجنة المختصة بمراقبة الأفلام السينمائية، على غرار المديرية العامة للأمن العام، للموافقة على عرض فيلم "بيروت في الليل" Hotel Beirut، التقيّد بحرفية السيناريو الحاصل على اجازة تصوير واقتطاع المشاهد المخالفة له. ومن أبرز نتائج ذلك هو استبدال عبارة "جريمة اغتيال الحريري" بعبارة "اغتيال احدى الشخصيات". وإذ عد مخرجو ومنتجو الفيلم هذه الشروط بمثابة رفض لعرض الفيلم، تقدموا في إثر رفض مجلس الوزراء الرجوع عن قرار اللجنة، بدعوى أمام مجلس شورى الدولة (هي الدعوى الأولى من نوعها ضد نظام الرقابة منذ فترة ما بعد الحرب) طالبين منه ابطال القرار الصادر عن مجلس الوزراء والسماح بعرض الفيلم. ومن أهم الحجج التي أثارها المستدعون: أن اللجنة بنت موقفها حصرا على وجوب الالتزام بالسيناريو الذي وافق عليه الأمن العام، فيما أن الرقابة التي يمارسها الأمن العام على السيناريو هي أصلا دون سند قانوني وتشكل بحد ذاتها انتهاكا لحرية التعبير التي لا يجوز تقييدها بغياب نص قانوني صريح. وتاليا، سعى المستدعون ليس فقط الى نقض ما عدوه تعسفا في ممارسة الرقابة على عرض الأفلام (وهي الرقابة المنظمة بقانون 1947)،[3] انما أيضا الى نقض هذه الممارسة غير القانونية التي ينتهجها الأمن العام بمراقبة انتاج الأفلام وتصويرها (وهي الرقابة التي تمارس من دون وجود أي نص). 
وفي 23-5-2013، صدر قرار مجلس شورى الدولة برد هذه الدعوى وقد اعتمدت فيه هيئة المجلس مواقف نفصلها أدناه تهدف بوضوح الى دعم الإدارة العامة في قمع الحريات الدستورية عبر توسيع هامش الرقيب.[4] وتحسبا للانتقادات التي قد توجه اليه على صعيد انتهاكه للحريات العامة، برر المجلس موقفه هذا بأنه "وإن كانت الحريات الاساسية تدخل في صلب مهام هذا المجلس، إلا انه يبقى قاصراً عن النظر بمدى تقييد بعض القوانين لتلك الحريات". وكأنه بذلك يتبرأ من تبعات قراره ليلقي بالمسؤولية على القانون الذي يفرض عليه مواقفه.
وما سنحاول اثباته أدناه هو أنه على العكس من ذلك، فان مجلس شورى الدولة اعتمد في هذا المجال مواقف تهدف بوضوح الى دعم الإدارة في قمع حريات المواطنين الدستورية.
شورى الدولة يحدّ من رقابته ويوسع الرقابة على عرض الأفلام السينمائية
"إن القرارات التي تتخذها الادارة في معرض رقابتها على الأفلام السينمائية تدخل ضمن سلطتها الاستنسابية". وبذلك، حدد مجلس شورى الدولةصلاحيته الرقابية على قرارات الرقيب على عرض الأفلام (أي قرارات الاقتطاع أو المنع الصادرة عن الأمن العام أو اللجنة المختصة أو وزير الداخلية) بحدها الأدنى على نحو يتناقض تماما مع قرارات سابقة له اعتبر فيها أن رقابته هي مطلقة وشاملة للحريات الدستورية "سواء أكانت هذه الحريات مقيدة أو طليقة من كل قيد" و"سواء أكانت التشريعات المتعلقة بها ضامنة أو مقيدة له"،[5] كما يتناقض مع إجماع الفقه والاجتهاد الاداريين الفرنسي واللبناني في هذا المجال حيث لا مجال لسلطة استنسابية للإدارة فيما يتعلق بالحريات العامة. فألا يشكل هذا الموقف دليلا على اصرار مجلس الشورى منح الرقيب أوسع هامش لتقييد حرية التعبير سينمائيا مع تجريد المواطن من أي حماية قضائية بوجهتعسّف الادارة في هذا المجال؟ 
فأن يقول المجلس أن سلطة الرقيب "استنسابية" انما يعني أن وظيفته تنحصر في التأكد أنه لم يتبين وجود أي خطأ ساطع في تقدير الادارة على ضوء وقائع الفيلموتحديدا أن الفيلم يحتوي فعلا على المشاهد التي أثارت انزعاج الادارة وأن هذه المشاهد تتعارض مع المبادئ التي نص عليها قانون الرقابة على العروض السينمائية. وبالطبع، كان الأمر يكون مختلفا تماما فيما لو امتثلت هيئة المجلس بمواقف أسلافها بحيث كان يتعين عليها في هذه الحالة تجاوز هذا التدقيق الشكلي للتثبت من وجود ضرورة فعلية لمنع عرض الفيلم كإمكانية حصول خطر مادي وفعلي على المصلحة العامة في حال عرضه، وفيما إذا كان منع الفيلم هو الوسيلة الملائمة والمناسبة لحماية المصلحة العامة. وكلها أمور تؤدي بالطبع الى التشدد في الشروط التي يسمح بها للإدارة منع عرض فيلم سينمائي وتحد من امكانيات الادارة في تقييد حرية التعبير.
شورى الدولة يتوسع في تفسير المفاهيم المقيدة للحرية
وللأسف، لم تتوقف المسألة عند هذا الحد، بل أن هيئة المجلس ذهبت أبعد من ذلك واستبدلت حجج الرقيب (التي اقتصرت على فرض التقيّد بالسيناريو المجاز) بناء على طلب الدولة بأسباب أخرى: وهكذا تكمن المشكلة في الإشارة صراحة الى جريمة اغتيال الحريري بدل الإشارة الى جريمة اغتيال شخصية سياسية، ليس لتعارضها مع السيناريو المجاز وحسب، انما في كونها "تثير النعرات العنصرية الدينية" (نفهم: بين السنة والشيعة)، ولا سيما من خلال "الايحاءات" التي وردت في الفيلم عن"تسوية جرائم قتل وعدم التحقيق فيها ولفلفتها" و "دور جهات داخلية وخارجية" في هذه القضية. لا بل أن أخطر ما في توجه المجلس هو أنه رأى أن المسألة لا تقتصر على اثارة النعرات، بل تشكل أيضا بما تضمنته من ايحاءات الى لفلفة الملف مسا ب"هيبة السلطات العامة" (وهو سبب آخر للرقابة وفق قانون 1947)، الأمر الذي يفتح الباب للتأويل بحيث يعد أي حديث عن لفلفة ملفات أو فساد في التحقيق أو عن أخطاء مرتكبة من الإدارات العامة مسا بهيبتها مما يبرر منع أي عمل نقدي لهذه الادارات. بهذا المعنى، يكون المجلس قد ذهب أبعد من الرقيب الذي كان سمح بالحديث عن اللفلفة والتسوية شرط حذف الإشارة الى قضية الحريري. وعليه، يظهر جليا أن المجلس لم يتردد بتوسيع هامش الرقيب عبر التوسع في تفسير العبارات المطاطة الواردة في قانون 1947 وفي مقدمتها "ايقاظ النعرات" و"المحافظة على هيبة السلطات العامة". فكما بإمكان المجلس التوّسع في تفسير هذه المفاهيم ان اراد تقييد حرية التعبير، فبإمكانه أيضا عدم التوسع فيها إن اراد تخفيف القيود على هذه الحرية. ويجدر هنا التذكير بأن هذه العبارات المطاطة هي تحديدا العبارات التي تستند اليها الأنظمة المستبدة والديكتاتورية لتقييد الحريات العامة والتي راج استخدامها سياسيا وقضائيا في لبنان في مرحلة التسعينات. 
منح الأمن العام صلاحية الرقابة المسبقة على التصوير من دون نص صريح
كما سبق بيانه، كانت الدعوى قد هدفت أساسا الى وقف ممارسة غير قانونية اعتمدها الأمن العام منذ عقود لمراقبة سيناريو الفيلم قبل تصويره، وذلك على خلفية أن هذه الرقابة تشكل قيدا على حرية التعبير من دون أن يكون هنالك أي نص قانوني ناظم لها. فالنص الوحيد الذي ينص على رقابة على التصوير (وليس على السيناريو) هو قرار للمفوض السامي صادر في عام 1934،[6] ويعد هذا النص ملغيا نتيجة الغاء منصب المفوض السامي وعدم نقل صلاحياته الى مرجع آخر في نص صريح.[7] لكن المجلس لم يتردد بمد الرقيب بالسند الذي كان يفتقد اليه واعتبر أن صلاحية المفوض السامي انتقلت الى المديرية العامة للأمن العام بموجب القانون الصادر في العام 1947 رغم أن هذا القانون لا يتطرق بتاتا الى موضوع تصوير الأفلام انما ينحصر في تنظيم الرقابة على عرضها.
وبذلك، وبعدما أرسى المجلس أن للإدارة سلطة استنسابية في تقييد الحريات الإبداعية، ها هو يرسي قاعدة تتجاوزها سوءا مفادها أن القيود القانونية على هذه الحريات (ومعها مجمل الحريات الدستورية) تستنتج استنتاجا خلافا للمبادئ القانونية. مع اجتهادات كهذه، بإمكان كل مستبد أن يبتسم. 
*محامية متدرجة وباحثة في القانون
نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية

[1] راجع: غيدة فرنجية، شورى الدولة يضحي بحريات أساسية على مذبح "النظام"، نشر في العدد التاسع من المفكرة القانونية، أيار 2013.
[2] صدر القرار عن الغرفة الأولى، وهي مكونة من الرئيس شكري صادر والمستشارة ميراي عفيف عماطوري والمستشارة ريتا كرم القزي.  
[3] قانون اخضاع جميع الاشرطة السينمائية للرقابة، الصادر بتاريخ 27-11-1947
[4] مجلس شورى الدولة، القرار رقم 576/2012-2013 الصادر في 23-5-2013، شركة ارجوان للإنتاج ش.م.م. ودانيال عربيد / الدولة – مجلس الوزراء.
[5] قرار مجلس شورى الدولة اللبناني رقم 6 تاريخ 06/01/1968 ورثة يوسف حاتم/الدولة اللبنانية
[6] القرار رقم 234/ل.ر. الصادر عن المفوض السامي بتاريخ 18-10-1934
[7] راجع الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في 7/3/1970، وقد أيدته محكمة الاستئناف في 5/5/1970 (غير منشور)