يظهر أن الإقصاء من السلطة القضائية هو عنوان المرحلة الانتقالية في البلاد العربية. فمن اقتراح تخفيض سن التقاعد في مصر من 70 الى 60 أو 65 سنة كسبيل لإقصاء كبار القضاة[1] الى دعوى قضائية في ليبيا لإقصاء الإناث من على منصة القضاء. وكانت المرأة الليبية قد تقلدت المناصب القضائية في عام 1989 بموجب المادة الأولى من القانون الرقم 8 لسنة 1989 التي تنص علىأنه"يحق للمرأة تولي وظائف القضاء والنيابة العامة وإدارة القضايا، بالشروط المقررة ذاتها بالنسبة للرجل". وبعدما يقرب من 25 عاما، تجد من يطعن في دستورية هذه المادة، بهدف إقصاء المرأة الليبية من على منصة القضاء.
أسباب الطعن: ضلال المرأة من خلال أحكامها
لجأت امرأة الى القضاء لرفع دعوى ضد زوجها لطلب الطلاق، وقد وقعت دعواها في دائرة امرأة قاضية. وكنوع من ردة الفعل الانتقامية ضد النساء جميعا، أدلى المدعى عليه بعدم جواز استماع القاضية لدعواه عملا بالمادة الأولى من الإعلان الدستوري الصادر في عام 2011 والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وعليه، تنحت القاضية، وتم تكليف قاض رجل للنظر في القضية. فلم يكتف الزوج بذلك، وقام برفع دعوى بعدم دستورية المادة المشار اليها أعلاه أمام المحكمة الدستورية العليا مباشرة[2]، وقد جاءت بمثابة كتاب عرض فيه المحامي مجمل الآراء المعارضة لتولي المرأة القضاء، كما طرح كل الآراء المؤيدة مع تفنيدها، كل ذلك بالطبع وفق مرجعية الشريعة الإسلامية.
وبما أن الدعوى الأصلية كانت دعوى طلاق[3]، فقد قاس الطاعن عدم جواز تولي المرأة القضاء على عدم قدرتها مباشرة عقد النكاح أو إنهائه، متناسيا أن المرأة تستطيع أن تنهي عقد الزواج عن طريق دعوى الخلع أو عن طريق تطليق نفسها.
وتكشف صحيفة الدعوى عن لغة تمييزية واضحة؛ فقد استخدم الطاعن قاعدة القوامة، "الرجال قوامون على النساء"، والآية الكريمة "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" وأن المرأة لا تصلح للشهادة بمفردها، فكل امرأتين لا بد أن يشهد معهما رجل، ليبرهن أن النساء لا يستطعن تولي القضاء لـ"نقصان عقلها"، كما أنه، بحسب ادعائه، لا يليق بالرجال أن تحكم عليهن النساء لأن في ذلك كسراً لنخوتهم. وكأن نخوة الرجل تكمن في تحكمه في المرأة، وضرورة أن ينظر للمرأة بفوقية وأن يكون أعلى منها منصبا. كما يعود الى النغمة نفسها في مكان آخر: فبعد أن يذكر بأن المرأة "تفسد الكلام وتخلط المعاني"، يعود ليؤكد أنه لا يليق للرجال أن تحكم عليهم النساء لـ"نقصان عقولهن وأديانهن". ويستدل أن المرأة لا يجوز لها الظهور في المجالس أو أن تخالط الرجال كما أن "كلامها" ربما يكون "فتنة" و"صورتها" أيضا قد تكون فتنة.
وفي تطور بارز، قدم محام ثان بتاريخ 9 حزيران 2013 طعنا دستوريا ثانيا على المادة الأولى نفسها من قانون 1989، وذلك بوكالته عن أربع محاميات نساء[4]! وكأنه يريد أن يثبت أن إقصاء المرأة عن منصة القضاء هو قبل كل شيء طلب للمرأة المحامية التي تعاني وتتضرر من جراء أخطاء بنات جنسهن،وميلهن الطبيعي الى الضلال. وفيما استند الى الأسباب نفسها التي جاءت في صحيفة الطعن المشار اليها أعلاه، فإن طعنه تميز بسعيه الى إثبات ضلال النساء القاضيات من خلال حكمين صدرا عن قاضيتين، منوها الى أن ضلال المرأة هو مسألة مفترضة بفعل عاطفيتها وسرعة تأثرها بينما خطأ الرجل مجرد احتمال. فضلا عن ذلك، أورد حججا إضافية من قبيل أنه لا يجوز للمرأة الخروج ليلا بدون محرم لمعاينة موقع الجريمة كوكيل للنيابة. وهذه الدعوى الثانية تشكل مؤشرا إما الى وجود تنسيق مسبق بين المدعيين أو الى احتمال وجود عدوى في هذا المجال.
المنظمة الليبية للقضاة تتدخل في الدعوى دفاعا عن حق المرأة القاضية
ردا على الطعن الأول، تقدم كل من رئيس المؤتمر الوطني العام ورئيس مجلس الوزراء بمذكرة، تبعتها مذكرة لوزير العدل. ولكن البارز هو تدخل "المنظمة الليبية للقضاة" مع عدد من القاضيات اللواتي انتسبن اليها في الدعوى، على اعتبار أن الحكم الصادر من المحكمة العليا سيؤثر على المراكز القانونية لهن. ونسجل هنا حماسة المنظمة للدفاع عن حق المرأة في تولي القضاء في مقابل رفض نادي قضاة مصر لهذا الحق.
ومن مقارنة المذكرة الصادرة عن المنظمة بالمذكرة الصادرة عن المراجع الحكومية، نتبين أن هذه الأخيرة سعت الى حصر دفاعها بالدفوع الشكلية (انتفاء صفة المدعي في اثر تنحي القاضية عن النظر في دعوى زوجته، عدم جواز الادعاء مباشرة أمام المحكمة الدستورية) والدفوع المستمدة من الأحكام التقنية (أن إلزام المشرع باتخاذ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ينطبق فقط على التشريعات التي تصدر بعد الإعلان الدستوري، تعهد ليبيا أمام اللجنة المعنية بحقوق الإنسان الدولية بأن "الاتفاقيات والتشريعات الدولية التي تكون ليبيا طرفا فيها تصبح جزءا من التشريع الوطني") دون الخوض في مسائل الشريعة وكأنها بذلك تتحاشى اتخاذ أي موقف إزاء هذا المذهب أو ذاك.
بالمقابل، فإن رئيس المؤتمر الوطني العام ورئيس مجلس الوزراء بيّنا في المذكرة المقدمة منهما أن في الشريعة مذاهب تجيز عمل المرأة ومذاهب لا تجيز، وعليه "فإنه يجوز للسلطة التشريعية، بموجب سلطتها التقديرية، أن تأخذ بأي من الرأيين بما تراه أكثر ملاءمة لظروف الحال في الزمن الذي أصدرت فيه قانونها"[5]. تجدر الإشارة الى أن هذا التحليل هو التحليل نفسه الذي لجأت اليه المحكمة الإدارية العليا في مصر عام 1979 لتبرر موقفا معاكسا للإدارة[6]، وذلك حين رأت أن لها أن تبرر رفضها لتولي المرأة مناصب قضائية بالاستناد الى المذاهب التي تعارض ذلك. ومن هذا المنطلق، تظهر المذكرة الليبية وكأنها تستعين بالاجتهاد المصري لفرض قراءة للشريعة الإسلامية أكثر انسجاما مع حقوق النساء. 
الخلاصة:
ختاما، لا يسعنا إلا أن نأمل أن ترد المحكمة الدستورية الدعوى انتصارا لحق النساء في تولي المناصب القضائية، بحيث يؤدي حكمها الى تشريع تولية النساء هذه المناصب في دول عربية أخرى. أما احتمال أن تقبل الدعوى على نحو يؤدي الى تطهير القضاء من نسائه، فهو أمر من المرعب التفكير في أبعاده.
حائزة على ماجيستير في القانون الدولي الانساني وتطبيقات حقوق الانسان، من فريق عمل المفكرة القانونية
نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية

[1] نشر الخبر في جريدة المصري يوم بتاريخ 22 أبريل/نيسان 2013.
[2] راجع الطعن الدستوري رقم10/60ق مقدم من النعمان الطاهر صالح بن حميد.
[3] دعوى أحوال شخصية رقم371 لسنة 2012-محكمة باب غشير الجزئية.
[4] راجع طعن دستوري رقم14/60ق بتاريخ 9/6/2013.
[5] راجع مذكرة الرد رقم 10/60ق مقدمة من كل من رئيس المؤتمر الوطني العام، ورئيس مجلس الوزراء.
[6] راجع المحكمة الادارية العليا المصرية جلسة 2يوينو/حزيران 1979.