الطابع الغالب لهذا المشهد في لبنان، هو فقدان المجلس النيابي مشروعيته بعد اصدار قانون بتمديد ولاية أعضائه بما يستعيد قوانين حرب (1975-1991)، فضلا عن الفراغ الحكومي في ظل فشل السياسيين في تشكيل حكومة محل الحكومة المستقيلة، كل ذلك في ظل انقسام سياسي حاد على خلفية استمرار الأعمال الحربية في سورية. وأمام هذا المشهد، من الطبيعي أن يثور تساؤل عن دور القضاء في هذه المرحلة: هل يستفيد من هذا الفراغ لتعزيز مواقعه أو استقلاليته أو دوره؟ فاذا تعطلت آليات النظام السياسي التوافقي، هل بإمكان القضاء أن يخفف من حدة ذلك بطريقة أو بأخرى، في هذا الميدان أو ذاك من الميادين الحياتية أو المؤسساتية على اعتبار أنه ليس محكوما بالقاعدة التوافقية، فلا تتعطل الدولة بالكامل؟ المؤشرات الأولى غير مشجعة: فالمجلس الدستوري تعطل من داخله حين اتجهت اليه الأنظار لإنقاذ حقوق المواطنين في ممارسة حقوقهم الانتخابية. وأسوأ ما في تعطيله، هو كيفية حصول ذلك: فأن يتعطل بفعل استنكاف ثلاثة أعضاء من أصل عشرة عن حضور جلساته انما يفتح الباب أمام اخضاع المجلس هو أيضا لقاعدة "الربع المعطل" وتاليا لقاعدة التوافقية السياسية.  من جهة مجلس شورى الدولة لم يكن الوضع أفضل، فتنظيمه الهرمي يجعله بطبيعته تابعا للنظام السياسي أكثر مما هو رقيب عليه، وتشهد على ذلك الأحكام الصادرة في شؤون حرية المعتقد كما الأحكام الصادرة مؤخرا في قضية الرقابة على الأعمال السينمائية، وكلها تجعل هذا المجلس بمثابة كاهن يضحي بالحريات الأساسية على مذبح النظام (يراجع العدد التاسع من المفكرة القانونية). أما مجلس القضاء الأعلى (المعين من السلطة التنفيذية عملا بمبدأ التوافق) فانه بدا وكأنه يستبق أي حراك قضائي من خلال توجيه تعميم "سري" للقضاة في 21/5/2013 لمنعهم من الادلاء بأي تصريح في الشأن القضائي أو الشأن العام، وذلك في انفصام كامل عن مجمل الحراك القضائي الحاصل في الدول المحيطة وفي العالم. كما سرعان ما عمدت الهيئة العليا للتأديب، برئاسة جان فهد، رئيس مجلس القضاء الأعلى، الى فسخ حكم بصرف أحد القضاة المتورطين بالفساد على نحو محبط للآمال بأي اصلاح قضائي، وعلى نحو يظهر بوضوح أن محاسبة القضاء باتت بدورها تخضع لقاعدة التوافقية. في ظل كل ذلك، كان أحد القضاة الشباب (جاد معلوف) ينقذ احدى مؤسسات الدولة من التعطيل، فيعين مديرا مؤقتا لتلفزيون لبنان بعدما عجزت الحكومة عن تعيين مجلس إدارة هذا التلفزيون لما يقرب عشر سنوات. كما كانت أول تظاهرة شعبية امام قصر العدل للمطالبة بقضاء مستقل وعادل، وذلك احتجاجا على هذه العلاقة المشبوهة بين السياسيين والقضاة وفي طليعتهم كبار القضاة. 
نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية