في أوّل تقرير مستقل عن الفساد والرشوة في تونس بعد ١٤ كانون ثاني، ٢٠١١ كانت المسألة العقارية حاضرة بوضوح كمثال بارز عن الفساد في المجال العقاري / العمراني، حيث بين تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة ٣ أن المجال العقاري كان موضوعاً أساسياً لتجليات الرشوة والفساد والتي تمثلت أساساً في التفويت في الأراضي في المناطق الأكثر أهمية على مستوى الفوائد العقارية: المناطق السياحية.

من هذا المنطلق، نرى قيمة حقيقية في تضمين هذه المقالة كجزء من المنشور.

 

بعد أسابيع من سقوط نظام زين الدين بنعلي في ١٤ كانون الثاني  ،٢٠١١ حصل أول احتجاج ذو طبيعة عمرانية في تونس.عرف باحتجاج  البلفيدير(Parc le Belvédère) وهي حديقة عمومية حضرية تعود إلى سنة  ،١٨٩٢ وتبلغ مساحتها  ١١٣ هكتار وتمثل الحديقة الحضرية الأهم في تونس العاصمة وفي كامل الجمهورية. وهي الرئة الأساسية للعاصمة تونس، والمنتزه الأساسي لسكانها.

هذا الاحتجاج الشعبي الذي قادته جمعيّة أحباء البلفيدير انطلق بعد اكتشاف وثائق تتعلق بنيّة التفرع عن جزء كبير من الحديقة في إطار استثمارات عقارية...

وكان أوّل احتجاج شعبي على أسس عمرانية وفتح الباب أمام طرح أسئلة أساسية تتعلق بعلاقة المواطنين بمسألة التعمير ومدى اعتبار التعمير شأناً عاماً.

طُرحت وتطرح هذه الأسئلة في تلك الفترة الدقيقة من واقع تونس السياسي والإداري والمواطني/ الجمعياتي. وكانت مسائل التعمير والتخطيط العمراني اعتبرت لفترة طويلة مسائل تقنية إدارية «سيادية» تقرّرها الدولة أساساً ولم يكن للجماعات العمومية وللمواطنين أي دور في المشاركة في مناقشة المخططات أو بلورة التصوّرات أو الإشراف على إنفاذها .هذه الوضعية التي سيطرت على المشهد القانوني والإداري والسياسي التونسي، كرّسها القانون منذ انطلاق أوّل تشريع عمراني حديث في تونس  (سنة  .(١٨٥٨وتأكدت في كل التشريعات اللاحقة. بنتيجتها، باتت المادّة العمرانية مجالاً محاطاً بالسرّية في ظل انعدام مطلق للشفافية من ناحية، ومجالاً سلطوياً لا يجد المواطن فيه مكانا. وقد تعززت تبعاً ًلذلك مظاهر الفساد والتلاعب في هذا الشأن وظهرت قواعد غير مكتوبة وغير قانونية للتصرف في العقارات، مما أدى إلى الانفلات العمراني والبيئي في عديد المناطق.

هذا الوضع الذي تطبعه المحسوبيات والزبونية، طُرح من جديد في فترة ما بعد  ،٢٠١١ وهي فترة تتواصل إلى اليوم .وقد تميزت بما يأتي:

—  تواصل تطبيق التشريعات العمرانية السابقة لسنة ٢٠١١ والسابقة أيضا لصدور دستور ٢٧ كانون الثاني  ٢٠١١،

—  إصدار تشريعات استثنائية تنال من جوهر التعمير الرشيد والاستعمال الأمثل للفضاءات والمساحات،

—  تطوّر دور منظمات المجتمع المدني في التصدي للفساد العمراني والاختيارات الأحادية للدّولة في المجال العمراني،

—  العمل على إصدار تشريعات تحاول القطع مع الممارسات العمرانية السابقة: مجلة الجماعات المحلية ومشروع المجلة الجديدة للتعمير وتهيئة الفضاءات.

وسنحاول فيما يلي التعرّض أساساً إلى الاحتجاجات في مدينتي تونس والمرسى، مؤكدين على طريقة انتظام هذه الاحتجاجات ووسائل عملها وآثارها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة على المسألة العمرانية من ناحية وعلى مسائل المواطنة من ناحية أخرى.

وقبل عرض أنواع هذه التحركات، تقتضي الإشارة إلى أنه سواء فيما يتعلّق بحديقة البلفيدير في سنتي ٢٠١١ و ٢٠١٧ أو فيما يتعلق بمدينة المرسى في سنتي ٢٠١٣ و٢٠١٧، فإننا نلاحظ الدور الأساسي الذي أدّته الجمعيات المهتمة بالشأن العمراني والبيئي، التي كانت تتكوّن من مختصين في مجالات عديدة (عمرانية، هندسية، بيئية، طبيعية، تاريخية، قانونية (...وتمثل في آن واحد منتدى للأخصائيين الخبراء والناشطين الحقوقيين. ومن أبرز هذه الجمعيات، جمعية أحباء البلفيدير (التي تأسست في ١٩٨٩) وجمعية صيانة مدينة المرسى.

 

طرق الحشد والمعنيين به

منذ أوّل احتجاجات عمرانية في شباط  ،٢٠١١ كان لشبكات التواصل الاجتماعي الدّور الأساسي لحشد الأشخاص المتعاطفين/المعنيين بالمسألة. وفي هذا الإطار، نلاحظ أن كلاً من جمعيّة أحباء البلفيدير وجمعيّة صيانة مدينة المرسى، اعتمدتا على هذه الشبكات وذلك بالإعلام الآني والمتواصل عن كلّ المسائل التي تهم موضوع الاحتجاج وعن كلّ الوسائل المستعملة للدّفاع عن القضية: حماية حديقة البلفيدير من الخصخصة والبناء منذ  ،٢٠١١ أو حمايتها من مدّ طريق سريعة بداخلها في٢٠١٧ أو حماية الجسر القديم بالمرسى في  ،٢٠١٣ أو مراجعة مثال التهيئة العمرانية بالمرسى في  ،٢٠١٧ هذا الإعلام المتواصل بكل مراحل النشاط المدني وإبراز تعنت السلطة أو عدم مبالاتها كان له الأثر على الحشد المتواصل للناشطين والناشطات وكذلك المتساكنين والمتساكنات والجمعيات والمنظمات:

تم الاعتماد أيضاً على إنشاء ائتلافات مدنية للدّفاع عن الفضاءات المهددة.  ففي مسألة مثال التهيئة العمرانية لمدينة المرسى، كان العمل في إطار ائتلاف مدني سميّ "المرسى تتبدل". هذا الائتلاف قاد الأنشطة والاحتجاجات والاتصالات وحملات الضغط على السلطات التي تمت في إطار مثال تهيئة مدينة المرسى.

هذا الائتلاف الذي أصبح لاحقا عنصراً أساسياً في الحياة المواطنية في مدينة المرسى[١].

الأمر نفسه تم في معرض قضية جسر المرسى القديم، وهي قضية بدأت فصولها حين اتخذت السلطات ممثلة في بلدية المرسى قراراً بهدم الجسر واستبداله بجسر جديد يكون أوسع من الجسر الحالي. وإذ تحصلت إحدى الشركات على الصفقة وبدأ العمل، قام ائتلاف مدني واسع تكوّن من عديد الجمعيات: جمعية صيانة  مدينة المرسى، جمعية تاريخ ومصالحة جمعية القاصرين عن الحركة العضوية جمعيّة تكتف، جمعيّة قرطاجنة. الغرفة الجهوية لنساء الأعمال التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الهلال الأحمر بالمرسى، جمعية البيئة بالمرسى، جمعية مساواة وتناصف، جمعية مواطنة للديمقراطية التشاركية وشخصيات ومواطنون. وقد تولى الائتلاف تنظيم التحرّكات والتواصل مع كل الأطراف المعنيّة وتنظيم اللقاءات والاحتجاجات، ممّا أوجد حركيّة هامة في مدينة المرسى، سيكون لها الانعكاس الهام على التحركات اللاحقة (خاصة في سنة ٢٠١٧  في قضية الأمثلة العمرانية ثم المشاركة في الانتخابات البلدية لسنة( ٢٠١٨ .

 

الضغط على الإدارة وعلى أصحاب القرار

بالتوازي مع حشد الرأي العام والقيام بالتحركات والاحتجاجات، تم الاعتماد أيضا على الضغط المباشر على الإدارة صاحبة القرار وذلك بالتوجه مباشرة إليها وتقديم العرائض وطلب المقابلات وتقديم البدائل. وقد أدى هذا الأمر في عديد الحالات إلى الاستجابة إلى المطالب المقدمة.

فقد عمدت المنظمات والائتلافات المشرفة على التحركات إلى مقابلة رئيس بلدية تونس من ناحية ( قضية البلفيدير) ورئيس بلدية المرسى ووزير الجماعات المحلية (قضية المرسى خاصة فيما يتعلق بمثال التهيئة). كل هذه المقابلات واللقاءات كانت مصحوبة بحملة إعلامية قبل اللقاء وبعده لتؤكد دائماً بأنها ليست فقط حملات اعتراض على قرارات إدارية، بل هي أيضاً حملات اقتراح وتقديم بدائل عن مقترحات الإدارة: ففي قضية جسر المرسى، تمثلت البدائل المقترحة من الائتلاف المدني في ترميم الجسر وليس هدمه، وإقامة جسر جديد بتكلفة ٩٥٠ ألف دينار تونسي [٢] وجعل منطقة الجسر منظمة خاصة بالمترجلين[٣] واستعمال الأموال التي كانت سترصد للجسر الجديد لتهيئة أحياء شعبيّة في بلدية المرسى ومنها منطقة «لبحر لزرق» و«حي الرياض».

في قضية البلفيدير، تمثل اقتراح جمعية أحباء البلفيدير ومن معها من إئتلافات وشخصيات، في عدم تجزئة الحديقة وإقامة طريق حزاميّة، وخاصة تصنيف/ تسجيل الحديقة كتراث ثقافي وطبيعي لوضعها بمنأى عن الأطماع، وهو نفس التوجه الذي ذهب إليه ائتلاف المجتمع المدني في المرسى حول الجسر حيث طالب بتصنيفه تراثاً معمارياً ثقافياً. أمّا فيما يتعلق بمراجع مثال التهيئة لمدينة المرسى فقد تمثل الاقتراح بتعليق النظر واتخاذ القرار فيما يخص مثال التهيئة إلى ما بعد انتخاب مجلس بلدي، وبمقاربة تشاركية مع المواطنين ومنظمات المجتمع المدني.

هذه البدائل عادةً ما تمكن الإدارة من النظر إلى المسائل من وجهة نظر مغايرة لمقاربتها التقنية الفنية وغير الإنسانية، وهو ما يمكنها أيضاً من إيجاد مخرج منطقي وعادة أقل تكلفة من الحلول أو الحلّ الذي اختارته.

 

اللجوء إلى القضاء

في قضية جسر المرسى وأمام خطر الهدم المحدق بذلك المعلم، لجأت جمعية صيانة مدينة المرسى بوصفها جمعية تهدف إلى حماية التراث الثقافي للمدينة، إلى القضاء وذلك لاستصدار قرار عاجل يوقف تنفيذ قرار هدم الجسر. وقد أسندت الدعوى إلى مخالفة القرار لمبدأ التناسب حيث أنه بالإمكان ترميم الجسر من دون أي حاجة لهدمه، وفق ما أكد المعهد الوطني للتراث، كما استندت إلى خرق مبدأ الشفافية لعدم مدّ الجمعيّة بالوثائق المتعلقة بالجسر ووضعه، وخرق مبدأ التشاركية لانفراد الإدارة باتخاذ القرار، وخصوصاً أن السلطة صاحبة القرار هي غير شرعية لأنها نيابة خصوصية معينة وغير منتخبة...

وكان رد المحكمة الإدارية في قرارها في مادة توقيف التنفيذ بتاريخ ١٠ شباط [٤]٢٠١٧  بإيقاف تنفيذ قرار الهدم إلى حين صدور الحكم في الدعوى الأصلية. وقد تم تدعيم هذا النصر القضائي بقرار إداري لاحق تمثل في استصدار قرار من وزير الثقافة اعتبر بموجبه جسر المرسى «معلماً محمياِ» وأوقفت «جميع الأشغال المضرة بكيان هذا العقار ومنع إجراء أي أشغال أو تغيير في وضعيته إلا بترخيص صريح من قبل المصالح المختصة في التراث» .[٥]

وقد أكدت هذه القضية أهمية اللجوء إلى القضاء من ناحية وأعطت للحراك المدني دفعاً كبيراً أثر لاحقاً على عمله.

 

الضغط باللجوء إلى الاحتجاجات والاعتصامات والمسيرات

إن تلازم آليات الضغط وأشكالها جعل المدافعين/ المدافعات عن الحقوق العمرانية يمارسون الضغط بأنواعه في الشارع وأمام المحاكم والإدارة، وذلك كي لا تبدو معزولة أو قانونية فقط. ولذا صاحبت هذه القضايا كلّها تظاهرات ودعوات إلى الاعتصام.

ففي قضية البلفيدير الأولى ،(٢٠١١)كانت المسيرات المنظمة تنطلق من الحديقة نفسها لتتوقف أمام بناية شرع في تنفيذها على أراضٍ متاخمة لحديقة البلفيدير، وتعتبر بناية رمزية نظراً لإقامتها على أراضٍ تابعة قانونياً وإدارياً للحديقة، وكانت مقامة في مخالفة صريحة للقانون وللتراتيب.

أما فيما يتعلق بجسر المرسى ٢٠١٤/٢٠١٣ ومثال تهيئة بلدية المرسى (٢٠١٧)، فإن التظاهر كان يوميّاً أمام الجسر، وتحته وفوقه. وتمت الدعوة إلى اعتصام مفتوح يوم ٩ كانون الأول ٢٠١٧ ثم ألغي عندما أعلنت النيابة الخصوصية لبلدية المرسى تعليق أي قرار بشأن مثال التهيئة العمرانية للبلدية إلى حين انتخاب مجلس بلدي تكون له الشرعية للتداول ولاتخاذ القرار.

ما يميز هذه التحركات أيضاً أنها تزامنت مع أنشطة ثقافية وفنية وعلمية أدّت دورها في التوعية بالقضايا.

 

دور التظاهرات الثقافية والعلمية

تميزت تحركات البلفيدير والمرسى بجانب ثقافي وعلمي هام، حيث نظمت المعارض المتعلّقة بالأهمية التاريخية والثقافية لجسر المرسى في تظاهرة «الجسر في قلب المرسى»، كما نظم معرض صور وعروض موسيقية ومحاضرات ونقاشات حول الجسر[٦]، بالإضافة إلى ما قامت به جمعية أحباء البلفيدير من تظاهرات وندوات ومعارض وزيارات للموقع ولخفاياه ... وسهرات موسيقية صديقة للبيئة...  وقد استولدت هذه الندوات والمعارض نشاطا ثقافيا لدى فئات اجتماعية يسهل الوصول إليها أكثر عن طريق الفن والإبداع والسهرات منه عن طريق الدعوات التقليدية إلى الاحتجاج والتظاهر.

 

الائتلاف الانتخابي

ساهمت الاحتجاجات العمرانية (وغيرها) التي عرفتها مدينة المرسى في تجميع حساسيات ومشارب المدينة الاجتماعية والسياسية والمدنية في ائتلافات كان من آثارها إعداد قوائم انتخابية شاركت في الانتخابات البلدية التي جرت في ٦ أيار .٢٠١٨و في هذا الإطار، يشار إلى القائمة الانتخابية «المرسى تتبدل»، وهي قائمة انتخابية مستقلة فازت بالمرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات وعدد المقاعد المتحصل عليها.

هذه القائمة هي في الأساس نتاج التقاء مجموعة من الجمعيات والشخصيات التي التقت حول برنامج موحد لمدينة المرسى، وقد ساهمت احتجاجات جسر المرسى ومثال تهيئة المدينة في تأليف هذا البرنامج وفي تقارب هذه المكونات ليتبلور مشروع «المرسى تتبدل».

 

 

------

١ سيدخل لاحقاً الانتخابات البلدية في قائمة مستقلة ويفوز بالمرتبة الأولى من حيث عدد الاصوات وعدد المقاعد المتحصل عليها

٢ما يعادل في ٢٠١١ ما قيمته  ٧٠٠ ألف دولار أمريكي

٣  المارة فقط

٤  القضية رقم ٤١٦٦١٥

٥  قرار وزير الثقافة في ١٠ شباط ٢٠١٤

٦ أنظر تظاهرة ٢١ نوفمبر ٢٠١٣ مثلا