في 11-6-2013، وفيما كان اللبنانيون يتساءلون عما سيكون عليه موقف المجلس الدستوري بشأن الطعن في قانون تمديد ولاية المجلس النيابي، برزت مفاجأة من العيار الثقيل: فقد تغيب ثلاثة من أصل عشرة أعضاء في المجلس عن حضور جلساته، ما أدى الى تعطيل النصاب الذي لا يتوافر إلا باجتماع ثمانية أعضاء. وقد فسرت صحيفة السفير في افتتاحيتها الصادرة في اليوم نفسه تحت عنوان: "الدستوري يطعن نفسه: الإمرة لملوك الطوائف!" مضيفة بأن تأثير السياسيين لم يقتصر على الأعضاء الذين تغيبوا منعا لاتخاذ قرار بل أيضا على الأعضاء الذين حضروا بنية اتخاذ قرار موافق لمطالب مرجعياتهم. وقد أعاد الأعضاء المتغيبون الكرّة في الجلسات التالية حتى انتهاء المهلة القانونية للنظر في الطعن، فأصبح قانون التمديد المطعون فيه صحيحا غير قابل لأي طعن. وقد علق نبيه بري على هذا التغيب بقوله إنه أسهمبحماية البلد وانه ينطلق من الحرص والتزام القانون والدستور درءا لوقوع الفتنة.
والواقع أن هذه الحادثة تشكل صورة كاريكاتورية جد بليغة لمدى تغوّل السياسة في القضاء (أقله المجلس الدستوري) في لبنان، وخصوصا عند مقارنتها بالآليات المستخدمة في مصر لتعطيل المحكمة الدستورية العليا الحاصل منذ أشهر قليلة. فمع اقتراب هذه المحكمة من النظر في مدى دستورية تشكيل الجمعية التأسيسية لصوغ الدستور، بدا الحاكم الجديد وكأنه يبحث عن وصفة لتعطيلها الى ما بعد إجراء الاستفتاء على الدستور، على نحو يجعل قرارها من دون جدوى. ولهذه الغاية، لم يجد أفضل من دفع مناصرين له الى محاصرة مداخل المحكمة لمنع أعضائها من الولوج اليها. وبالطبع، وإن بدت هذه الوصفة غير مثالية لما يترتب عليها من آثار سلبية، فإنها كانت الخيار الوحيد لتفادي الأسوأ بالنسبة اليه، وقد سعى الى التخفيف من كلفة هذا التدخل من خلال بذل جهود استثنائية للتعجيل في إنجاز مشروع الدستور وعرضه على الاستفتاء. ورغم هذه المحاذير، بدا تدخله على هذا الوجه وكأنه فتح أمامه أبواب الجحيم. فسرعان ما تكتل القضاة في نواديهم لجبه سياسة التدخل هذه، معلنين رفضهم المشاركة في الإشراف على الاستفتاء بل أيضا تعطيل المحاكم. وقد أدى ذلك الى إضعاف مشروعية الحاكم الجديد وتظهيره على أنه في صراع مع القانون والعدالة، أو على أنه في طور التحول الى ديكتاتور جديد مع ما يستتبع ذلك من تراجع في مشروعيته وصولا الى تبرير عزله كما حصل عقب تمرد 30 يونيو. أما في لبنان، وإذ شاءت الصدف أن تستشعر جهات قوية في الحكم الحاجة نفسها لمنع المجلس الدستوري من أداء مهامه، فهي لم تضطر على ما يظهر الى دفع أتباعها لمحاصرة المحاكمة، بل استخدمت وصفة جديدة من نوع التدخل الناعمsoft : فقد كان كافيا أن تتصل هذه القوى (وربما هاتفيا) بثلاثة قضاة محسوبين عليها طائفيا وسياسيا لمطالبتهم بالتغيب عن جلسات المجلس تعطيلا له. وهكذا، وبهدوء، ومن دون أي عنف أو جلبة، بات المجلس عاجزا عن القيام بمهامه. أما المواطنون الذين تداعوا للاحتشاد أمامه (وكانوا قلة قليلة) فقد أتوا ليس لمنعه عن العمل إنما على العكس تماما للاحتجاج ضد امتناعه عن ذلك. وبذلك، بدت وصفة القوى السياسية اللبنانية أكثر فعالية: فتعطيل العدالة لا يتم هنا بالقوة أو بالضغط ولا يستتبع أي نقمة ضد السياسيين لاعتدائهم على استقلالية القضاء إنما يتم بإحجام القاضي عن القيام بمهامه إذعانا منه وانسجاما مع الاعتبارات السياسية، وعلى نحو يؤدي الى مزيد من التقهقر في ثقة المواطنين باستقلاليته وبدوره. وبكلمة أخرى، فإن نتيجة تعطيل المجلس تبدو هنا بالنسبة للقوى الحاكمة ليست غير مكلفة وحسب إنما أيضا مجزية، فمن الطبيعي أن تزداد مشروعيته قوة بقدر ما تتراجع مشروعية القضاء.
محام وباحث في القانون
نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية