في 1-7-2013، اعتصم حوالي مئة وخمسين شخصا من ناشطي مجموعة نسوية ومناصريهم أمام قصر العدل مطالبين بفك هذه العلاقة المشبوهة بين عدد من القضاة والسياسيين. كان المشهد جديدا تماما: فثمة مواطنون قرروا ألا يسكتوا على مظالم بعض القضاة وتأثيرات السياسيين عليهم. بالطبع، منظرو هيبة القضاء لا يحبون مشاهد مماثلة ويرون فيها تعرضا للقضاء، لكن يبقى أن اعتصاما مماثلا شكل بابا هاما لتعزيز وعي المواطنين لأهمية الدفاع عن استقلالية القضاء ولأهمية العمل المجتمعي لضمان قضاء أكثر عدلا وكفاءة واستقلالية. أما أن يقال إنه قد يؤثر في عمل القضاء، فهو قول فيه كثير من التذاكي لمن يعلم طرق التأثير الباطنية والأكثر فاعلية في عمل القضاء اللبناني والتي تتم دوما في الكواليس والغرف المغلقة، وهو لا يرتب على القاضي من "ضغوط" الا ما يحيله اليه المنطق المشترك بين الناس للعدالة والتعايش السليم، أي ضميره. من هذا المنظار، لا يمكن لهذا التحرك الحاصل في وضح النهار إلا أن يكون إيجابيا. وهنا، ننشر مقتطفا من البيان الثاني لناشطي نسوية والذي يفصل الأسباب التي دعتهم الى تحرك مماثل (المحرر).  
إن الاعتداء (اعتداء مرافقي نديم الجميل على ناشطي نسوية) شكل منذ لحظة حصوله أحد أبشع وجوه النظام السائد، القائم على مبدأ الزعامات. فمرافقو النائب الممددة ولايته بفعل تخلف المجلس الدستوري عن إحقاق الحق.. تصرفوا وكأنما من حقوقهم الطبيعية إعطاء المواطنين أوامر بأن يفعلوا كذا أو يمتنعوا عن فعل كذا، كأنما من حقهم الطبيعي شهر أسلحتهم في وجه مواطنين عزل إذا لم يتم إطاعة أوامرهم أو دهسهم بسياراتهم، كأنما أي رفض للانصياع لهم هو اعتداء على النائب نفسه، الأمر الذي يخوّله لعب دور الضحية وتلقي التهنئة بالسلامة. وبهذا المعنى التوتاليتاري والاستبدادي، تعامل المعتدون مع الحادثة على أنها عملية عصيان فوضوية ضد حكم له امتدادات تاريخية. ولم تقتصر هذه الرؤية على النائب وأعوانه بل سعى الجهازان القضائي والأمني الى دعمها وإضفاء المشروعية عليها بشكل سافر، فانتهت التحقيقات ليس الى توقيف المعتدين (منهم من حاول دهس ناشطة في السيارة في محاولة قتل واضحة) إنما الى توقيف المعتدى عليهم في موقف يعكس ويؤكد تواطؤ عدد من الأشخاص العاملين في هذين الجهازين مع الطبقة السياسية للمحافظة على هذا النظام التوتاليتاري والاستبدادي. وقد كانت الرسالة واضحة وقد سمعها عشرات الناشطين: "القضاء ليس حاميا للمواطنين في مواجهة الطبقة الطاغية (وهذا هو دوره) كما قد تفترضون، بل هو مجرد أداة لتكريس سطوة هؤلاء واستبدادهم". وكان من المهم جدا من منطلق مواطني أن نقاوم هذا التوجه: فإما أن نرضخ ونقبل توصيف الأفعال ونلجأ الى الاستجداء لتحرير المعتدى عليهم الموقوفين كرهائن فتنتهي القضية الى تكريس قوة النظام، وإما أن نتصدى لهذه العلاقة المشبوهة بين الجهازين الأمني والقضائي والسياسيين مذكرين بأسس الدولة وبأولوية حقوق المواطن على أي اعتبار آخر، فتصبح القضية نموذجا لمقاومة المواطن (أي مواطن) يؤمن بالمساواة بين المواطنين من دون تمييز، ويرفض حكم الزعامات. وهذا ما فعلناه في 29 حزيران فحققنا الإنجاز الأول من خلال فضح النظام وروابط التواطؤ حوله فسقط قناع مرافقي الجميل حين حاول أشرسهم دهس الناشطة نضال أيوب أمام الكاميرات المحتشدة، ما اضطر مفوض الحكومة المعاون الى التراجع عن قراره وترك الشبان الموقوفين في النظارة. هذا كان الانتصار الأول وهو أدى الى إعادة الأمل بالناشطين: فبالقوة والتضامن، بإمكاننا أن نعيد السيادة للمواطن وللعدالة.
 نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية