غالبا ما تظهرمهنة المحاماة عبر التصورات الاجتماعية النمطية كمهنة قريبة من مراكز السلطة السياسية (الحاكمة والمعارضة) والاقتصادية-المالية، وهي تصورات تعززها مجموعة من العوامل. فلطالما شكلت المحاماة، في الأنظمة الليبرالية أو شبه الليبرالية على الأقل، خزانا للنخب السياسية والاقتصادية على تنوعها. كما أن تخصص المحامين بالمسائل المالية والتجارية قد عرففي العقود الأخيرة ازدهارا كبير اداخل المهنة، التي شهدت تطورا غير مسبوق باتجاه تشكيل شبكات دولية من الخبراء القانونيين المتخصصين في شؤون العولمة القانونية والاقتصادية، فيما نشهد شرخا متزايدا بين هذه النخب المهنية الجديدة والمحامين الآخرين الغارقين في الإدارة القانونية اليومية لعلاقات البؤس المحلية. وفي أحوال كهذه، غالبا ما يكون المحامون غير مهيئين لأن يشكلوا محركا فعالا للحراكات الاجتماعية التغييرية أو المطلبية: فإما هم جزء من الطبقات الميسورة المنفصلة نوعا ما عن واقع المشاكل والأزمات الاجتماعية أو المستفيدة منه، وإما هم جزء من هذا الواقع يعجزون عن إلحاق أي تغييربه.
في قلب هذا العالم المهني المتحول، برزت منذ عقود وفي العديد من المجتمعات فئة صغيرة من المحامين الرافضين الخضوع لهذه الثنائية، وهي فئة تفهم وتمارس المهنة بشكل غالبا ما يخرج عن أدبياتها التقليدية المتعارف عليها، لا بل يتصادم معها أحيانا .هؤلاء المحامون اختاروا الانخراط في الدفاع عن قضايا اجتماعية - سياسية واضعين خبراتهم القانونية والمهنية والتنظيمية في خدمة أهداف عامة تتخطى الملف الواحد أو الموكل الواحد. المحامون المناصرون للقضايا الاجتماعية يرفضون حصر عملهم في علاقة الموكل والوكيل التقليدية، فهم يختارون معظم ملفاتهم حسب قناعات فكرية - سياسية محددة، كما يعملون على تغيير الاجتهاد وعلى تطوير الفهم القضائي للنصوص وصولا الى استخدام أساليب هجومية تتخطى الدور الدفاعي الاعتيادي. وهم يلجأون إلى وسائل مختلفة كالإعلام أو المقاضاة الاستراتيجية أو التحالفات العابرة للمهن لتحويل القضايا الفردية التي يستلمونها إلى قضايا عامة تحتل حيزا من النقاش العام وتساهم في تغيير مجتمعاتهم. فمن قضايا حرية التعبير إلى قضايا التعذيب، ومن ملفات الحقوق العمالية والنقابية إلى الملفات البيئية، وصولا إلى الحقوق الاجتماعية المختلفة (سكن، تغطية صحية، قضايا تهميش إلخ...) وغيرها من المسائل، نرى هؤلاء المحامين يحتلون الصفوف الأمامية للحراكات الاجتماعية، إذ يحوّلون المادة القانونية من تقنية معقدة يحتكرها اختصاصيون إلى وقود تحركات تغييرية واسعة يتشارك في صنعها المحامي والقاضي مع الناشط والصحافي، كما مع أصحاب القضايا وسواهم من الفاعلين.
ولا شك بأن لظاهرة المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية خصائص معينة في المنطقة العربية، وذلك لأسباب عدة. فبالإضافة إلى كون المهن القانونية عامة، والمحاماة المناصرة خاصة، ما زالت تعاني من نقص في التوثيق والدراسة العلمية في بعض الدول العربية، فإن المراحل الانتقالية الحالية التي تمر بها العديد من المجتمعات العربية تعطي أدوارا جديدة مفصلية وغير مسبوقة للقانونيين المنفتحين على القضايا الاجتماعية. فما هي ظروف عمل المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية والسياسية في ظل الأنظمة السابقة والحالية؟ وما هي القضايا التي لعب ويلعب المحامون دورا في إبرازها والدفاع عنها في مختلف الدول العربية، وهل تتميز التجارب العربية في هذا المجال عن تجارب دول أخرى في آسيا أو أفريقيا أو أميركا الجنوبية؟ وما هي أهم الإنجازات الحقوقية التي حققها هؤلاء المحامون كل في بلده، وما هي الوسائل القانونية وغير القانونية التي تم اعتمادها في هذه الحالات وما مدى فعاليتها في مختلف الظروف السياسية والاجتماعية العربية؟ وما هو أثر انخراط بعض المحامين في التحركات على الخطاب المطلبي عامة، والحقوقي خاصة؟ وما هي القيمة المضافة التي يقدمها مهنيو القانون بالنسبة للفاعلين التقليديين في مجال حقوق الإنسان في دول العالم العربي؟ وما هو دور القضاة والجامعات في مساندة وتطوير نماذج المحاماة المناصرة للقضايا العامة، وما علاقة المحامين المناصرين بزملائهم وبنقاباتهم اليوم؟ ماذا تعلمنا تجارب الدول الأخرى في هذا المجال؟  وكيف تسمح لنا تجارب هؤلاء المحامين المنخرطين في الصراعات الاجتماعية بفهم تحولات الاستراتيجيات المطلبية ووسائل التحرك في العالم العربي؟
تطرق إلى هذه الأسئلة وغيرها من الإشكاليات عدد من المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية والقانونيين والباحثين من دول عربية وغير عربية جمعتهم "المفكرة القانونية" في بيروت، بالتعاون مع "المنظمة القانونية للصالح العام" (PILnet)، خلال أيام الرابع والخامس والسادس من تموز/يوليو 2013 في لقاء في بيروت. وتمهيدا لهذا المؤتمر، تم تكليف ثلاثة باحثين بوضع تقارير عن تجارب المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية في كل من لبنان ومصر وتونس، ننشر منها في هذا العدد خلاصات على أن تنشر كاملة الى جانب بحث إضافي عن فلسطين في كتاب بهذا العنوان. كما ننشر في هذا الملف أهم العبر التي خلص اليها خالد علي في مداخلاته العديدة في المؤتمر المذكور تبعا لتجاربه الرائدة في هذا المجال والتي يصح من دون أي مبالغة وصفها بالدروس.    
 نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية