يشكل قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص ضابطا لمختلف الممارسات الاستعبادية أو النيوليبرالية التي تطلق العنان لجميع أنواع الاستغلال. والتحوّل الأكبر والأهم عند إقرار هذا القانون في العام 2011 تمثل في تضمين قانون العقوبات للمرة الأولى مواد تعاقب أفعال الاستغلال، أي مواد تأخذ بعين الاعتبار التفاوت من حيث القوة أو الثروة بين الخاضعين للقانون عند تقييم مسؤولياتهم الجزائية. وفي بعض الحالات، يؤول القانون إلى تغيير وضعية الأشخاص الملاحقين في جرم معين كما هي حال النساء في الدعارة والمستفيدين من دعارتهن. ففيما كان قانون العقوبات يعدّهم بالضرورة شركاء في جرم أخلاقي يعاقبون بعقوبات متقاربة، يؤدي قانون الإتجار بالبشر عند توفر شروطه إلى قلب المعادلة تماما، بحيث يصبح المستفيد من دعارة الغير جانيا تشدد عقوبته وتصبح المرأة التي تمارس الدعارة "ضحية"، وهو مفهوم جديد في قانون العقوبات أيضا.

 

قانون الإتجار بالأشخاص: أي إرادة لتطبيقه؟

يؤكد أحد الوزراء السابقين أنه حين أحالت الحكومة على عجل مشروع قانون حول مكافحة الإتجار بالبشر إلى المجلس النيابي، كان ثمة قناعة لدى مجموع الوزراء بأنه قانون غير قابل للتطبيق وإن كان هنالك فائدة كبيرة في إقراره إرضاء لجهات دولية، وبخاصة الأميركية. المناقشات النيابية العلنية الحاصلة في 3 آب 2011 جاءت لتؤكد ضرورة إقرار القانون لاعتبارات دولية وللمحافظة على صورة لبنان ورد الاتهامات عنه (ياسين جابر، ميشال موسى، غسان مخيبر، بطرس حرب) دون إيلاء أي أهمية لضرورة الحد من اشكال الاستغلال المنتشرة في لبنان ولحماية الضحايا. وقد جاء تصريح وزير العدل آنذاك شكيب قرطباوي جدّ معبر بقوله: "العين علينا" و"يقال عنا أننا دولة لم ننتبه لهذا الموضوع" وأن إقرار القانون "رسالة مهمة جدا للمجتمع الدولي". بالمقابل، خلت المناقشات من الحديث عن أشكال الإتجار أو ظواهره. وفيما أكد قرطباوي على ضرورة العمل المكثف بعد إقرار القانون ملوّحا إلى امكانية إنشاء لجنة مشتركة بين وزارات الداخلية والعدل والعمل ل "مساعدة الناس في هذا الموضوع والعمل على منعه"، فإن شيئا من هذا لم يحصل.

وتأكد ضعف الإرادة السياسية في تفعيل القانون أيضا في غياب التدقيق اللاحق في مجمل القوانين أو الممارسات التي تسهل أو تسمح بهذا النوع من الاستغلال كنظام الفنانات أو نظام الكفالة (كلاهما تحت إشراف الأمن العام) أو نظام العاملات في البارات (وهو تحت إشراف مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص وحماية الآداب). ولا ننسى قانون البغاء الذي لا يزال ساريا وإن أصبح فعليا معطلا بحكم امتناع الدولة عن إعطاء تراخيص.  وهو ما ألقى مسؤولية الموافقة بين هذه القوانين وقانون الإتجار بالبشر على عاتق القضاء.

إلا أنه ورغم هذا المعطى، فإن الضغط الدولي لم يتوقف بمجرد وضع القانون. إنما تواصل من خلال المتابعة الدورية للولايات المتحدة الأميركية التي تعمد إلى نشر تقارير دورية حول مدى التزام دول العالم في مكافحة الإتجار بالبشر منذ العام 2001. وعليه، باشرت وزارة العدل بشكل دوري جمع معطيات بهذا الشأن ليس بهدف نشرها (لم ينشر أي منها) إنما بهدف تزويد السفارة الأميركية بها تظهيرا للتطبيق الفعلي للقضايا.

كما تم تنظيم عدد من الدورات التدريبية للقضاة المعنيين بتطبيق القانون ومن المحاضرات لدى معهد الدروس القضائية، من باب إعداد القضاة المتدرجين على أهمية تطبيقه. وتبعا للكشف عن شبكة "شي موريس" في العام 2016 وما أثارته من اهتمام لدى الرأي العام ووعي حول خطورة ممارسات الإتجار بالبشر، اتخذت تدابير عدة على صعيد قوى الأمن وتحديدا مكتب حماية الآداب العامة. فكأنما النصوص التي لم يتوقع أحد منها أن تعيش، وجدت طريقها إلى الحياة بعوامل مختلفة، منها ما هو خارجي ومنها ما هو يتصل بتفاعلات الرأي العام تبعا لفضائح من قبيل فضيحة شي موريس.

ولكن، هل حقا تم تفعيل هذا القانون؟ وبأي درجة، وفي أي اتجاه؟ هل اتخذت سلطات الدولة اجراءات كافية لضمان الاستقصاء عن هذا الجرم أو على الأقل الاستقصاء في أي شكوى تقدم إليها، أم أنها اكتفت باتخاذ إجراءات التحقيق الاعتيادية بما قد يحال إليها من شكاوى؟ وهل أن القضايا المحالة اليوم إلى المحاكم تعكس صورة أمينة عن حقيقة الأوضاع الاجتماعية؟ بمعنى هل أن القضايا المعروضة أمام المحاكم تتصل بأنواع الاستغلال التي تؤشر الدراسات الميدانية والعلمية إلى انتشارها في لبنان بصفته بلد مقصد وبلد ترانزيت لشبكات الإتجار؟ وفي حال الإجابة سلبا، هل من بحث جدي حول أسباب الخلل التي تحول دون وصول حالات الإتجار الأكثر رواجا وانتشارا إلى المحاكم؟ ففي هذه الحالة، لا تقتصر المشكلة على تطبيق أو عدم تطبيق قانون الإتجار بالبشر، ولكنها تتصل بمنظومة العدالة برمتها وبحق الأشخاص (من الفئات الأضعف) بالولوج إلى العدالة؟

وأخيرا، كيف تعامل القضاء مع القضايا المعروضة عليه، سواء على صعيد النيابة العامة أو قضاء التحقيق أو قضاء الحكم؟ كيف قارب القضاء مفهوم الإتجار بالبشر بما له من مفعول انقلابي على صعيد وضعية الأشخاص المعنيين به؟ هل اتجه نحو توسيع هذا المفهوم أو تضييقه؟ هل توجه إلى منح الضحايا حماية كافية وفق روحية القانون، بحيث أتاح لها الاشتراك في المحاكمة بشكل فاعل سواء من حيث المساعدة القانونية أو منحها (في حال الضحايا الأجانب) امكانية الإقامة في لبنان لمتابعة الدعاوى أو أخيرا إعفائها من الملاحقة أو العقاب بالحد الأدنى؟ وبالنتيجة، هل أدى هذا القانون مفعولا مهما في حماية الفئات الأضعف اجتماعيا إزاء استغلال الممارسات الإجرامية، سواء الحاصلة بشكل منظم أو من قبل أفراد، لعوامل الضعف لديهم؟ 

هذه هي الأسئلة التي رأيناها الأكثر إلحاحا لتكوين صورة حقيقية عن مدى تفعيل القانون، والأهم للتمكن من فهم الأرقام والاحصاءات المدلى بها من قبل الأجهزة الأمنية أو وزارة العدل. فمن دونها، قد يؤدي التقييم الكمي لتطبيق القانون (الإحصاءات أو الأرقام) إلى نتائج تضليلية، بحيث نظن أن القانون يطبق فيما أن تطبيقه يبقى هامشيا أقله انتقائيا وعلى نحو يصعب معه أن يؤدي إلى تحقيق النتائج المتوخاة أصلا منه. 

وللإجابة على هذه الأسئلة، رأت المفكرة أن الطريقة الفضلى تكمن في العمل على الملفات القضائية العالقة أمام المحاكم. ولهذه الغاية، اعتمدنا كعينة لإنجاز هذه الدراسة مجمل القضايا العالقة في فترة إتمام الدراسة (2016-2017) أمام محاكم الجنايات في بيروت وجبل لبنان، وقد بلغ عددها 34 قضية. وفيما نتهيأ لنشر دراسة مفصلة عن هذه القضايا، فإننا رأينا من المهم نشر مقالات موجزة عن أهم ما خلصت إليه هذه الدراسة، إلى جانب بعض المقالات البحثية أو التحقيقات الميدانية بهذا الشأن.

 

خلاصات دراسة المفكرة القانونية حول قضايا الإتجار بالبشر أمام المحاكم

ومن أهم الخلاصات التي نستشفها من الدراسة ونتوسع في عرض بعض جوانبها في هذا العدد، الآتية:  

أولا، ضعف التغيير في طبيعة الاستغلال موضوع المكافحة

أن القضايا اتصلت بشكل خاص بنوعين من الاستغلال: استغلال دعارة النساء واستغلال تسول الأطفال (32 من أصل 34 قضية). وقد بدت هذه التطبيقات وكأنها استمرار للممارسات الجزائية السابقة مع فارق واحد قوامه تحويل الاستفادة من دعارة أو تسول الآخرين من جنحة إلى جناية، بمعنى أن القانون أدى عمليا إلى تشديد الملاحقة في بعض الجرائم من دون أن يغير من طبيعة جرائم الاستغلال موضوع الملاحقة.

بالمقابل، فإننا لم نجد ضمن العينة أي حالة عمل قسري، رغم كثرة المؤشرات على تحول نظام الكفالة إلى ممرّ أساسي للإتجار بالبشر. كما لا نجد ضمن العينة أي قضية تتصل بالدعارة المنظمة ولو بشكل ضمني من الأجهزة الأمنية (العاملات في البارات أو الفنانات). وهذه الخلاصة إنما تكشف أن الدولة ما تزال عاجزة عن ملاحقة حالات الإتجار الأكثر خطورة.

 

ثانيا، ضعف الاستقصاء حول جريمة الإتجار بالبشر

فبخلاف ما يفرضه مفهوم الجريمة المنظمة، لمحنا عند درس الملفات غياب التحقيقات المعمقة. فكأنما السلطات الأمنية والقضائية تكتفي بما يردها من شكاوى ومعلومات، من دون أن تتعمق فيها في اتجاه الكشف عن ارتباطات الجهة المستغلة أو تشعبات الاستغلال. وبنتيجة ذلك، استهدفت غالبية الملفات القضائية أفرادا مقربين من الضحية ينتمون إلى الفئة الاجتماعية نفسها، ونادرا شبكات منظمة.[1] ومن شأن هذا الأمر أن يعطي تفسيرا مزدوجا لخروج الحالات المذكورة أعلاه: الأول، صعوبة ولوج الخاضعات لنظام الكفالة للعدالة (وهذا ما سنبينه في مقال مستقل)،[2] والثاني، ميل الأجهزة الأمنية إلى تجنب التحقيق في أي مجال استغلال يتم تحت إشرافها، كما هي حال نظام الفنانات أو عاملات البارات مثلا. وفيما بادر الأمن العام إلى إجراء جردة للتحقيقات المتصلة بعاملات المنازل والفنانات، يلحظ أن أيا من هذه التحقيقات لم تسفر حتى تاريخه إلى ادعاء بالإتجار بالبشر، أقله وفق ما تبينه العينة موضوع الدراسة.

 

ثالثا، القصور في حماية الضحايا

هذه هي الخلاصة الثالثة. فعدا عن أن وزارة العدل لم تبرم أي اتفاق بشأن الإيواء مع أي منظمة حقوقية خلافا لما يفرضه عليها قانون مكافحة جرائم الإتجار بالبشر، فإنه لم يتم حتى الآن إنشاء الصندوق المخصص للضحايا والذي يقتضي أن يتم تمويله من الأموال المتأتية من الجريمة والمصادرة من قبل القضاء، رغم انقضاء سبع سنوات منذ إصدار القانون.

الأمر ليس أفضل على صعيد القضاء: ففيما يمنح القانون قضاة التحقيق امكانية منح الضحية ترخيصا بالإقامة في لبنان لتمكينها من حضور مجريات دعواها، لا نلقى حتى الآن أي قرار مماثل. كما لم يقضِ أي من الأحكام ضمن العينة بتعويضات للضحايا. أهم من كل ذلك، هو أن الهيئة الاتهامية ظنّت بغالبية ضحايا الاستغلال بالدعارة بأفعال ارتكبتها في معرض استغلالها في سياق قراراتها الصادرة بحق الجناة، على أساس أن القانون يخوّل قاضي الحكم (محكمة الجنايات) الإعفاء من العقاب من دون أن يكون من الممكن الإعفاء من الملاحقة. وقد أدى الظن بهؤلاء في حالات عدة إلى توقيفهن ومحاكمتهن إلى جانب الجناة.[3] حتى في الحالات التي لم يتم فيها الادعاء على الضحايا، فإن ذلك تم ضمنا من دون أي تعليل على نحو يحول دون تحوّله إلى اجتهاد قابل للتطبيق بشكل منتظم.

الأخطر من كل ذلك، هو أن بعض المحاكم أظهرت أن التحقق من صفة الضحية يفترض التحقق من مصداقيتها وأخلاقياتها وسيرتها، قبل التحقق من عوامل الضعف لديها ومدى قابليتها للاستغلال. فإذا اكتشفت المحكمة أنها متمرسة بالدعارة وبإدمان المخدرات، قررت عدم الأخذ بأقوالها وحرمانها من وصف الضحية وكفّ التعقبات في جناية الإتجار بالبشر بحق المتهمين باستغلالها.[4] وبذلك، بدت المحكمة وكأنها تعيد استحضار الآراء المسبقة بشأن العاملات في الدعارة لتغلبها مجددا على مفهوم الاستغلال، تمهيدا لجعلهن شريكات في جرم أخلاقي مع المستفيدين من دعارتهن. وبذلك، بدت الضحية غالبا على قيد أنملة من تحميلها مسؤولية الإشتراك في جرم استغلالها.

 

رابعا، وجود تضارب في تعريف الاتجار بالبشر

ففيما تطالب بعض المنظمات العاملة على حقوق الضحايا (كفى) بتوسيع مفهوم الإتجار ليشمل جميع حالات استغلال الدعارة، أظهرت الدراسة أن المحاكم تبدي حذرا في هذا الصدد متشددة في التثبت من وسائل الاستغلال المستخدمة.[5] بالمقابل، نلحظ اتجاها مغايرا في قضايا الاستغلال من خلال التسول. فقد اعتبرت اتجارا حالات تسول منعزلة اتهم فيها ذوو الأطفال المتسولين باستغلالهم، وإن لقي هذا التوجه رفضا من بعض القضاة الذين ذهبوا إلى إبداء آراء مخالفة.[6] والواقع أن هذا الجدل ليس سهلا: فمن المنتظر أن تعمل الهيئات المدافعة عن الأشخاص المستغلين على توسيع مدى جرم الإتجار في ظل تجريم هؤلاء (تجريم ممارسة الدعارة والتسوّل ومخالفة قوانين الإقامة والعمل) وغياب أي حماية لهم خارج حالات الإتجار. بالمقابل، فإن اعتبار جرم الإتجار جناية يفرض بالضرورة تضييق مداه ليطال جرائم الاستغلال التي ترشح عن نسبة معينة من الخطورة، عملا بمبدأ تناسب العقوبة مع خطورة الجرم. وربما يبقى تكييف أفعال الاستغلال مرهونا لهذا التجاذب إلى حين إجراء مراجعة شاملة لجميع الأحكام القانونية والممارسات المتصلة بهذه الأفعال، وبشكل خاص إلى حين تنظيم حماية للأشخاص المستغلين (حتى ولو لم تتوفر لديهم مواصفات ضحية الإتجار).  

 

فهل حقا نريد مكافحة الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه وجبر ضررهم؟ الدراسة التي أتمتها المفكرة تنتهي إلى خلاصات غير مشجعة في هذا الإطار. ثمة جهود كثيرة ما تزال لازمة لتحقيق هذه الغايات.

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

  • لقراءة المقال باللغة الإنجليزية اضغطوا هنا

 

 


[1]  غيدة فرنجية، "جرائم الاتجار بالبشر امام القضاء: بين الحاضر والغائب"، منشور في هذا العدد.

[2]  نزار صاغية، "نظام الكفالة، استغلال دولة"، منشور في هذا العدد.

[3]  غيدة فرنجية، "تهميش ضحايا الاتجار بالبشر أمام القضاء، منشور في هذا العدد

[4] غيدة فرنجية، الآراء المسبقة تحجب الاستغلال الجنسي مجدداً، منشور في هذا العدد.

[5]  المرجع نفسه.

[6]  غيدة فرنجية، تسوّل الأطفال في الشوارع: معاقبة الاستغلال أو الاسترزاق؟ منشور في هذا العدد.