مضى عامان على الكشف عن أكبر شبكة للإتجار بالبشر، كانت تحتجز نحو 75 فتاة من جنسيات سورية وعراقية وتجبرهن على ممارسة البغاء بواسطة الترهيب والتعذيب. "شي موريس"، شبكة  حركت الرأي العام المحلي والعالمي لأشهر، ولا تزال فصول روايتها تدور في أروقة المحاكم أملاً بالوصول إلى العدالة المرجوة لكل الفتيات اللواتي وقعن ضحيتها.

وللتذكير، فإن القضية بدأت عبر اتصال صغير من شوفير "فان" بمنطقة الضاحية دفع مفرزة استقصاء جبل لبنان إلى التحرك، في عملية نوعية حصلت على دفعتين، حيث تمت المداهمة الأولى مساء الأحد 27/3/2016، وأدت إلى تحرير قسم من الفتيات والنساء اللواتي جرى سجنهن داخل سراديب الـ"  شي موريس"   و"سيلفر". وقد تابعت "المفرزة" مداهمتها مساء الثلاثاء 29/3/2016 لشقق وشاليهات في جونية، كان أحد المشتبه بهم قد استأجرها لإخفاء نحو 29 فتاة أخريات فيها.

بالمحصلة تم تفكيك واحدة من أضخم شبكات الاتجار بالبشر القابضة والمرابضة في لبنان منذ أكثر من عشر سنوات، ويمتد نطاق عملها  من طرابلس إلى جونية فجبيل وضهر البيدر.

"المفكرة" واكبت هذه القضية من اليوم الأول، والتقت عدداً من الضحايا بعد تحريرهن ووقفت على آلامهن ونقلت قصص معاناة عشناها لسنوات عدة.

 

خطوات سريعة لتهدئة الرأي العام

الضجة التي أحدثتها قضية "شي موريس" عجلت يومها بالقيام بسلسلة من الخطوات لتهدئة الرأي العام الذي ثار أمام هول الجريمة. وعليه، قرر وزير الصحّة العامة السابق وائل أبو فاعور بتاريخ 4 نيسان 2016، إقفال عيادة الطبيب النسائي رياض بولس العلم في منطقة الدكوانة (المتن الشمالي) بالشّمع الأحمر، وسحب منه إذن مزاولة مهنة الطب، بعد تحديد مسؤوليته في العمل لمصلحة شبكة "شي موريس"  وتنفيذ عمليات إجهاض للنساء المستغلات. وسريعاً جداً بالمقارنة مع القضايا عامة وعدد المتهمين خاصة، أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان بتاريخ 19 نيسان 2016، قراره  الظني  بحق 24شخصاً لتورطهم في قضية الإتجار بالبشر الحاصلة في فندقي "شي موريس" و "سيلفر". وقد أعقبه قرار عن الهيئة الاتهامية بتاريخ 16/11/2016، وقد آل إلى اتهام 23 شخصاً بجناية الاتجار بالبشر وبجرائم أخرى مرتبطة بها (حرمان من الحرية، تأليف جمعية لارتكاب جنايات، وتطريح امرأة برضاها ودونه، وإقامة غير شرعية). كما اتهم الطبيب والممرضة وطبيب البنج لإقدامهم على تطريح النساء (المادتين 542 و543 من قانون العقوبات).

فضلا عن ذلك، يلحظ أن قاضي التحقيق أصدر تبعا لهول القضية استنابة قضائية ذات طابع عام وجهها إلى مفرزة استقصاء جبل لبنان. وقد طلب فيها "إجراء مسح شامل على البارات حيث تمارس أعمال الدعارة المنتشرة على ساحل بلاد كسروان، وتحديدا في مناطق نهر الكلب، الأوتوستراد الساحلي، وسط مدينة جونية وعلى امتداد شاطئ المعاملتين والتي تعمل بشكل علني". وقد تضمن جواب مفرزة استقصاء جبل لبنان أسماء 13 محلاً "تنتشر على ساحل بلاد كسروان يعملون جميعهم من دون ترخيص ودون مراقبة، ويقوم أصحابها بتشغيل  فتيات، يتراوح عددهن ما بين خمسة عشرة فتاة وستين فتاة". وبناء عليه، قرر قاضي التحقيق "إقفال هذه البارات وإبلاغ كافة الأجهزة الأمنية بوجوب العمل على إبقائها مقفلة".

وبتاريخ 17 آذار 2017 بدأت محاكمة المتهمين في هذه القضية، وفي مقدمتهم صاحب مشروع شي موريس  ومربع"silver"  في منطقة جونيه موريس جعجع، وعماد الريحاوي نجم القضية بشهادة الضحايا، أمام محكمة جنايات جبل لبنان (بعبدا). وما تزال المحاكمة جارية، فيما يبقى المسؤول الأكبر فيها فواز الحسن متواريا عن الأنظار...

وقد تميزت ملاحقة هذه الشبكة بامتناع النيابة العامة عن الإدعاء ضد ضحايا الشبكة بجرم ممارسة الدعارة، وذلك خلافاً لما يحصل عادة في قضايا الاتجار بالبشر المتعلقة بالاستغلال في الدعارة. وعليه، استعادت النساء حريتهن الكاملة من حيث المبدأ منذ لحظة تفكيك الشبكة. وفيما عادت البعض منهن الى أهلهن في سوريا، وبقيت أخريات في لبنان. وباستثناء إحداهم استطاعت اللجوء إلى كندا، لم يتسنّ لنا الاتصال بالأخريات عند كتابة هذا المقال.

 

مقابلة مع محامي عماد الريحاوي: هو ضحية الفتيات وآخرين!

في سياق الإعداد لهذا المقال، قابلت "المفكرة" المحامي هيثم ترشيشي، وكيل الريحاوي. في البداية، أكد ترشيشي بأنه "لا يعتبر موكله مجرماً في قضية إتجار بالبشر"، وأن"شهادة الفتيات (الضحايا) ليست كافية  فهي شهادات ملتبسة وهن لسن شهوداً، وإنما طرف في القضية". ولتبرير موكله، يدلي ترشيشي ب "أن الفتيات  حكم عليهن سابقا في تهمة ممارسة الدعارة سواءً في لبنان أم سوريا وأن اللواتي عملن في هذا المجال منذ خمس وست سنوات، هل يحتجن للإكراه للقيام بمثل هذا الجرم؟" وعند سؤاله إن كان لديه إثبات، يجيب "طبعاً وقد تم التحقيق معهن سابقا في مكتب حبيش". ونفى كلياً فكرة سجن الفتيات في أقبية "شي موريس" و"السيلفر"، وقال:"كن يذهبن لرؤية طبيب الأسنان والتسوق، وقد أطل أحد سائقي التاكسي عبر برنامج "جو معلوف"  وقال أنه كان يصطحبهن للتسوق، وهذا دليل كبير على كونهن كن يتمتعن بحرية التنقل والحركة فيما الإتجار يحتاج إلى إكراه". واستطرد سائلاً:"أين تم ضبط الفتيات والإدلاء بإفاداتهن الاولية؟ في الليلكي؟ عندما يكون المرء مكرها يتوجه لدى أقرب مخفر، ولا يعبر نحو 26 كيلمترا، وعشرات المراكز الأمنية. فما هو هذا السر؟"

وتعقيبا على فكرة الخوف من اللجوء الى المراكز القريبة كونه سبق أن دخلن إلى بعضها فتم إعادتهن إلى شي موريس، رفض ترشيشي هذه الفكرة قائلاً: "لقد توجهن مباشرة الى الليلكي لأن هذه القضية ببساطة هي قضية تنازع بين أشخاص الذين يديرون الدعارة في لبنان، وهذا رأيي بغض النظر إن حُكم عماد أو لم يُحكم".

وبسؤاله إن كان المتهمون ممنوعين من السفر، أجاب: "بعضهم نعم والبعض الآخر لا". وأكد أن "عماد الريحاوي ممنوع من السفر، وهو اليوم يمارس حياته بشكل طبيعي ضمن الأراضي اللبنانية "، مشيراً إلى أنه لا يمكنه "الإفصاح عن واقع باقي المتهمين".

وفي هذا السياق يذكر أن وكيل إحدى الحارسات، وتدعى أماني الحمصي، أبرز في الجلسة التي عقدت بتاريخ 30/1/2018  إفادة موقعة من آمر سجن ريف دمشق يفيد بأنها موقوفة في سوريا بتهمة الدعارة والإتجار بالبشر

وعن موكله قال ترشيشي: "عماد مجرم في موضوع شبكات الدعارة نعم، ويدير ملاهي تتعاطى هذا الموضوع نعم، ولكن لكل مهنة ضرورات وأعراف، وأنا لا أبررها، ولكن لن يقول لها "يللا بليز فوتي مع الزبون"، سيقول لها "يلا فوتي خلصي موضوعك، ولن يتم تعاطيه معها وكأنهما في عيادة مثلا".

وبسؤاله عن سبب إدلاء بعض النساء بشهادات ضد عماد الريحاوي ، أجاب: "انشقوا قسمين، ومن عمل على هذا الموضوع عرف كيف يشتغل على الضحايا اللواتي بات لديهن زبائن، وربما فكرن بالعمل لحسابهن أو وعدهم الآخر بأمور أخرى". وبسؤاله من هو الآخر، أجاب: "لا أعرف".

وردا على آثار التعذيب التي بدت واضحة على أجساد الفتيات، كان التشكيك سيد إجاباته. قال: "أن أجساد النساء حساسة، وإن أمسك بهن المرء بقوة، فإن ذلك قد يترك أثرا على أجسادهن". ورأى أنه: "يجب الاستماع إلى الضحية في هكذا قضايا كمدعى عليها عادية وليس كضحية على اعتبار أنه يجدر البحث عن براءة الذمة قبل الإدعاء. ولا يجوز أن تقوم النيابة العامة بالإدعاء قبل التحقق من وجود الجرم خاصة في جرائم تتعلق بالإتجار بالبشر لأن مفعولها يتخطى الأشخاص إلى أزمة اجتماعية".

وبسؤاله عن متى يتوقع صدور الحكم، أجاب ترشيشي، أن "الحكم سيصدر بعد العطلة القضائية فقد تم استجواب المتهمين وكل شيء". إلا أن "المفكرة" علمت على خلاف ذلك أنه لم يتم استجواب أي من المتهمين بعد. وكانت "المفكرة" حضرت عددا من جلسات المحاكمة، قبل أن يصدر رئيسها قرارا بجعل جلسات المحاكمة سرية.  

 

"شي موريس" فتح أبوابه وطبيب الاجهاض عاد إلى عمله

ولكن ماذا بشأن المتهمين في هذه القضية؟ عملا بقانون أصول المحاكمات الجزائية التي لا تجيز توقيف شخص في جناية الاتجار بالبشر احتياطيا لأكثر من سنة (المادة 108)، أخلي سبيلهم جميعا بسند كفالة، باستثناء المتهم غياث الضفدع الذي لا يزال موقوفاً لعجزه عن سدادها.

ولكن ماذا بشأن أعمالهم السابقة؟ من جهة، نجد أن طبيب الاجهاض رياض العلم ما يزال يحمل رقماً في النقابة باعتباره طبيب جراحة نسائية وتوليد (الرقم 558/4) وأنه عاد فعليا لمزاولة مهنته. ولم يتسن لنا التأكد فيما إذا كانت وزارة الصحة العامة عادت عن قرارها بإيقافه عن مزاولة العمل.

إلى ذلك، عاد شي موريس ليفتح أبوابه في منطقة المعاملتين أمام الزبائن باعتباره ملهى ليلي. ويرى وكيل عماد الريحاوي ومحاميه هيثم ترشيشي في حديثه للمفكرة أن"هذه المسألة طبيعية جداً، كون الأسباب التي دفعت الى إقفال الملهى زالت".

 

مجريات الدعوى: مماطلة أم إجراءات معقدة؟

أكثر من عام مرّ على بدء المحاكمة في هذه القضية. وفي هذا السياق، ترى المحامية موهانا إسحاق، من قسم الإتجار بالبشر في منظمة كفى، ووكيلة عدد من الضحايا (النساء المستغلات)، أن ما يحصل أمر عادي، لا سيما بالمقارنة مع أعداد المتهمين في هذه القضية. وتقول:"في أصول المحاكمات هناك طرق معينة لتكتمل الخصومة، وتسير الجلسات بشكل منتظم. إذ يجب ان يكون جميع الخصوم موجودين في المحاكمة، ويُقصد بالجميع المتهمون مع وكلائهم. وكل متهم يصر على حضور موكله لا يمكن للقاضي السير بالملف من دون حضوره. من هنا كان التأخير الحاصل على مدى ست جلسات تقريباً. و لو لم يكن القاضي جديا لكانت الجلسات العشرة التي تمت قد أخذت سنوات عدة".

وعن مجريات القضية اليوم قالت إسحاق: "الأن اكتملت الخصومة، والكل بات حاضراً، وفي هذه المرحلة وفقا لأصول الجزاء يحق للمدعى عليهم أن يتقدموا بدفوع شكلية، وهذا ما حصل في الجلسة الأخيرة. والآن تحولت هذه الدفوع الى النيابة العامة  لتبدي رأيها على أن تضع المحكمة قرارها بعد ذلك إما بقبول الدفوع أو رفضها، ومهما كان القرار يحق للخصوم الاعتراض عليه ".

ولم تنف إسحاق اعتبار أن "90% من حالات الدفوع الشكلية هي من أجل المماطلة وحسب. ومن الأسباب التي استند عليها وكلاء المتهمين في دفوعهم، قالت: "هم يقولون أن المحكمة غير مختصة، وأن التحقيقات بدأت في الضاحية، ومن بعدها تحولت إلى مفرزة إستقصاء جبل لبنان، وأن هذه مسألة غير قانونية". ورأت أن المماطلة قد تكون "كسباً للوقت وأملاً بصدور العفو العام الذي يجري الحديث عنه منذ فترة".

وعن توقعاتها بشأن الوقت المتبقي للمحاكمة، أشارت إلى "أنه بالنظر إلى النمط السريع الذي يسلكه القاضي،  أظن أن المحاكمة ستستمر نحو السنة".

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟