قبل صدور قانون مكافحة جريمة الإتجار بالأشخاص في العام 2011، كانت المحاكم اللبنانية تكتفي بالمسؤوليات الظاهرة في شأن الدعارة وتساوي بين المرأة المتهمة بالدعارة والمتهمين بالانتفاع من ممارستها الدعارة، مع تغييب شبه كامل للاستغلال ولعلاقات السلطة القائمة بينهم. وهذا ما تم التثبت منه في دراسة لحالات قضائية حملت عنوانا معبرا مفاده: "الدعارة جريمة أخلاقية أم جريمة استغلال؟"[1] ويقصد من هذا العنوان أن المحاكم غالبا ما عدمت إلى اعتبار المرأة التي تمارس الدعارة ومستغلها شريكين في جرم أخلاقي مدان اجتماعيا، بمعزل عن روابط الاستغلال السائدة في العلاقة بينهما. 

وفيما أذن إقرار هذا القانون بحصول تحوّل في هذا المضمار في اتجاه التفرقة بين هذين "الشريكين" في اتجاه معاقبة المستغِل (أو المسؤول عن الإتجار بالبشر) وحماية المستغَلة (الضحية في حالات كثيرة) بعد إعفائها من العقاب، فإن التدقيق في أعمال المحاكم، وبخاصة في قضايا الإتجار بالبشر، يبيّن اتجاهات مضادة من شأنها إجهاض المُنجز القانوني أو تجريده من الكثير من مفاعيله. وهذا ما نتبينه بشكل خاص في حكمين صدرا عن محكمتي الجنايات في بعبدا وبيروت في عامين 2017 و2018 وأديا عمليا إلى حجب روابط الاستغلال مجددا وراء غطاء من الآراء المسبقة التي أعادت عمليا تكوين العلاقة بين المستغل والمستغلة على أنها شراكة غير أخلاقية، شراكة من شأنها حجب الاستغلال أو تبديده. 

قبل المضي في تفصيل هاتين القضيتين، تقتضي الإشارة إلى أن السيدتين خضعتا فيهما لمحاكمة مشتركة مع المتهمين الستة باستغلالهما (خمسة رجال وسيدة). وبنتيجة المحاكمتين، أدانت المحكمة السيدتين بجنحة ممارسة الدعارة السرية (المادة 523 من قانون العقوبات)، فيما أعلنت براءة المتهمين الستة من جناية الإتجار بالبشر (المادة 586-1 من قانون العقوبات) لعدم كفاية الدليل أو ابطلت التعقبات بحقهم لعدم توفر عنصر الاستغلال. إلى ذلك، أدينت المدعى عليها الراشدة بجرمي تعاطي المخدرات (المادة 127 من قانون المخدرات) وعدم تجديد الإقامة (المادة 36 من قانون الأجانب).

 

 

القضية الأولى: قضية قاصرة فلسطينية "مستغلة" أم شريكة؟

في القضية الأولى،[2] أفادت المدعى عليها القاصرة أنها غادرت منزل أهلها في طرابلس بسبب سوء معاملتها، وأنها تعرضت للاغتصاب عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها. ولدى وصولها إلى بيروت، تعرّفت على عدد من الأشخاص أرغموها على ممارسة الدعارة وتعرّضت للاستغلال من قبلهم. لم تقدم القاصرة الهوية الكاملة لشخصين من الذين استغلوها، لكن سمّت ثلاثة أشخاص من الجنسية اللبنانية تمّ اتهامهم بالإتجار بها. وقد أفادت أنها تعرّفت في أحد الملاهي الليلية على المتهم الأوّل الذي مارس معها الجنس من دون مقابل، وطلب منها ممارسة الدعارة مع زبائن وكان يشتري لها المخدرات من الأموال التي يتقاضاها من هؤلاء. ومن ثم أقدم هذا المتهم الأوّل على "بيعها وتسليمها" مقابل مبلغ من المال إلى المتهم الثاني الذي يملك فندقا حيث مارست الدعارة لصالح عائلته. لم تتقاضى المدعى عليها أيا من الأموال الناتجة عن ممارستها الدعارة خلال إقامتها في هذا الفندق حيث قالت لها عائلة المتهم الثاني أن المتهم الأوّل هو الذي يتقاضى هذه الأموال، في حين نكر هذا الأخير قبضه أي مبلغ من عائلة المتهم الثاني. وبعدما قامت العائلة بعد شهر ونصف شهر بطردها بسبب عدم حيازتها على أوراق ثبوتية، انتقلت للعمل لصالح المتهمة الثالثة لمدة ثلاثة أشهر حيث كانت هذه الأخيرة تؤمن لها الزبائن وتتقاسم معها الأموال مناصفة وتبتاع لها المخدرات أحياناً. أنكر المتهم الأوّل، وهو الوحيد الموقوف خلال المحاكمة، كل ما جاء بإفادة المدعى عليها كما أنكر معرفته بها، ولم يتم الاستماع إلى المتهمين الثاني والثالثة لتعذر العثور عليهم.

 

القضية الثانية، راشدة تم استقدامها من سوريا لغرض استغلالها

في هذه القضية،[3] أفادت المدعى عليها، وهي من الجنسية السورية، خلال التحقيق معها أنها قدمت من سوريا إلى لبنان، برفقة زوجها (المتهم الثاني)، وأن هذا الأخير تعرّف إلى شخص لبناني (المتهم الثالث) واتفق معه أن تمارس الدعارة لصالحه مقابل إيوائهما في فندق يعود له في المعاملتين. وقالت أن زوجها كان يضربها ويرغمها على ممارسة الدعارة وأنه كان يتقاسم الأموال الناتجة من ممارستها الدعارة مع المتهم الثالث صاحب الفندق.

وبعد فترة، استدان زوجها مبلغ 10 آلاف د.أ. من المتهم الثالث وغادر إلى سوريا وتركها تحت رحمة هذا الأخير. فاضطرت للعمل لصالحه لمدة خمسة أشهر لإيفاء دين زوجها، ثم غادرت الفندق وتوقفت عن ممارسة الدعارة.

كما أفادت أن رجلا من الجنسية السورية (المتهم الأوّل) كان من أحد زبائنها ويزودها بالمخدرات وعرض عليها ممارسة الدعارة لصالحه، لكنها رفضت ذلك بسبب سمعته السيئة في استقدام فتيات من سوريا وارتباطه بأشخاص من المتهمين في قضية شبكة "شي موريس"*. أنكر زوجها والمتهم الثالث صاحب الفندق كل ما جاء في افادتها، وأفاد الزوج بأنهما قد تطلقا، في حين أقرّ المتهم الأوّل ان زوجها كان يحضرها له من أجل ممارسة الجنس معها وأنه كان يقبض المال منه مباشرة.

 

إهمال شهادة الضحية ضدّ من يستغلها بسبب "الشراكة" المفترضة

أول ما يلفت في الحكمين موضوع هذا التعليق، هو اعتبار إفادة الضحية غير كافية لتجريم المتهمين بالإتجار بالبشر إذا لم تقترن بأدلة إضافية.

وللوصول إلى هذه النتيجة، رأت محكمة الجنايات في بعبدا أن إفادة الضحية المدعى عليها ضد أحد المتهمين بالإتجار بها تشكل عطفاً جرمياً لا يكفي لوحده للتجريم إلا إذا ثبت بأدلة أخرى. واستندت بذلك على المادة 187 من أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على "أن إفادة أحد المدعى عليهم ضد المسهمين معه في الجريمة لا تشكل دليلاً كافياً في الإثبات. إنما يعود تقديرها للقاضي في ضوء ما توافر له من أدلة." كذلك اعتبرت محكمة الجنايات في بيروت أن اقوال القاصر غير كافية لتحقق عنصر استغلالها. وبذلك، يتجلى لنا أول الآراء المسبقة في هذا المجال. فقد تعامل الحكمان مع أقوال الضحيتين على أنها أقوال صادرة عن شريكة بالجريمة للمتهم، وليس على أنها أقوال صادرة عن مجنى عليها بحق الجاني، فتجاهل* وضعيتها كضحية تدلي بإفادة ضد من ارتكب جريمة بحقها وليس بالشراكة معها.

وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو إغفال الحكمين لأدلة وقرائن متوفرة حول ضلوع المتهمين بأعمال الاستغلال في الدعارة والتي تعزز أقوال السيدتين وتبدد أي امكانية لتطبيق نظرية العطف الجرمي لإهمال أقوالهما. وأبرز هذه الأدلة، إفادة لشاهد في قضية السيدة السورية وردت في الحكم وفي التحقيقات الأولية ضد المتهم الأوّل. وهذا الشاهد هو من موقوفي قضية شبكة "شي موريس" الشهيرة، وقد "صودف أنه موقوف في نظارة مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص" خلال التحقيق مع المتهم، فتم الاستماع إليه من قبل المكتب بناء لإشارة النيابة العامة، وأجريت مواجهة بينه وبين المتهم. وقد أفاد هذا الشاهد أنه على معرفة بهذا المتهم منذ تسع سنوات وأنهما أوقفا معاً في سوريا بقضية دعارة، وأنه من أقرباء أحد الموقوفين في قضية شبكة "شي موريس" وشاهده مع المسؤول عن هذه الشبكة، وهو "ناشط في مجال إحضار الفتيات السوريات للعمل في مجال الدعارة". لكن على الرغم من هذه الشهادة، استبعد الحكم أقوال المدعى عليها دون تقديم أي تعليل لذلك.

فضلاً عن ذلك، لم يأخذ الحكمان بالقرائن المتمثلة بفرار بعض المتهمين من وجه العدالة وبوجود أسبقيات عديدة بحقهم بتسهيلهم الدعارة منذ سنوات عديدة، والتي قد تؤشر إلى وجود عمل إجرامي منتظم وموجود لفترة من الزمن.

 

الإعتداد بموافقة الضحية على الاستغلال خلافا لأحكام قانونية صريحة

أخذ الحكمان بموافقة الضحيتين المدعى عليهما على استغلالهما سبباً لانتفاء عنصر الإرغام على ممارسة الدعارة، وتالياً عنصر الاستغلال في جناية الإتجار  بالبشر. وفيما استنتج الحكم الصادر في القضية الأولى موافقة الضحية القاصر على استغلالها من خلال اعتبار أنها كانت في وضعية "تبادل مصالح" مع المتهمة الراشدة التي تقاسمت معها الأموال العائدة من ممارستها الدعارة، ورد حرفياً في الحكم الصادر في القضية الثانية أن "ممارستها الدعارة كانت برضاها ولم تتعرض لأي استغلال."

وقد تجاهل الحكمان كل ما أدلت به المدعى عليهما حول ظروفهما الاجتماعية والاقتصادية وطبيعة علاقاتهما مع المتهمين بالإتجار بهما، كما تجاهلت حالة ضعفهما وظروف وأساليب استغلالهما والتي تؤدي إلى تغييب إرادتهما الجرمية. كما لم يتحقق الحكمان* من الأوضاع الصحية الجسدية أو النفسية للضحيتين.

والخطير في الأمر هو أن المحكمتين ذهبتا في هذا المنحى، على نحو يخالف أحكاما وردت صراحة في المادة 586 (1) من قانون العقوبات الناظمة لجرائم الإتجار بالبشر، والتي منعت "الأخذ بموافقة المجنى عليها على الاستغلال".[4] كما أن تواجههما* يناقض اجتهادا حديثا (2017) لمحكمة التمييز في قضية استغلال في التسوّل حيث اعتبرت أن عنصر الاستغلال يبقى متحققاً سواء أرغمت المجنى عليها أو وافقت على ارتكاب أفعال مخالفة للقانون، وأن القول بخلاف ذلك يتعارض مع "غاية المشرّع" وهي "حماية ضحايا الإتجار بالأشخاص الذين قد يوافقون على فعل الاستغلال إنطلاقاً من وضعهم الاجتماعي والعائلي والاقتصادي والانتمائي إلى بلد معيّن يكونون فيه في "حالة ضعف" ناتجة عن عوز وفقر وما إلى ذلك مما يُرغِم البشر على القبول بالاستغلال من قبل الغير في سبيل لقمة العيش فتكون "الموافقة" بدورها حاصلة عن طريق الإرغام بإرادة معيوبة غير حرّة."[5]

كما يتعارض الحكم المتعلق بالمدعى عليها القاصر مع حكم سابق صادر في العام 2015 عن هيئة مختلفة لمحكمة الجنايات في بيروت والذي انتهى إلى تجريم المهتم بجناية الإتجار بالبشر كونه "لا يعتد بأي موافقة تصدر عن (الضحية القاصر)، ولا يفترض استعمال وسائل التهديد وخلافه في هذا المجال".[6]

 

التشكيك في مصداقية أقوال الضحية تبعا لأحكام نمطية مسبقة  

عمدت الأحكام إلى التشكيك في صحة أقوال الضحيتين المدعى عليهما حول استغلالهما معتبرة أنهما وفقتا على ممارسة الدعارة، وتالياً أنهما لم تتعرضا للاستغلال، في غياب أي تحقق من الأوضاع الصحية والجسدية والنفسية للسيدتين.

جاء في الحكم الأوّل الصادر عن محكمة بيروت في قضية القاصر: "وحيث أن الدليل المذكور (أي مدلول أقوال الظنينة القاصرة) وفي ضوء ثبوت تمرس الظنينة في أعمال الدعارة، وتصريحها بتقاسم المبالغ المالية الناجمة عن عملها مناصفة مع المتهمة (الثالثة)، وتنقلها للعمل في هذا المجال في أماكن مختلفة وفقاً لأقوالها، فضلاً عن إسقاطها حقها الشخصي عن المتهم (الأوّل والثاني)، لا يصلح بحد ذاته كدليل كاف على تحقق عنصر الاستغلال." كما جاء في الحكم الثاني الصادر عن محكمة بعبدا: "إن أقوال الظنينة لم تعزز بأي دليل إضافة إلى الشك بمصداقيتها على ضوء ممارستها الدعارة وتعاطيها المخدرات وتأكيدها عدم معرفتها بالمتهم (الثاني) وحريتها في التجوّل، مما يدل على أن ممارستها الدعارة كانت برضاها ولم تتعرض لأي استغلال".

وعليه، يتبيّن أن الحكمين استندا إلى مجموعة من الأحكام المسبقة من أجل التشكيك في أقوال الضحيتين بحصول استغلال وصولا إلى إهمالها، وأبرزها:

 

  • ممارسة الدعارة: نجد في الحكمين موضوع التعليق أن ممارسة المدعى عليهما للدعارة (تمرس الدعارة) شكل عامل تشكيك بمصداقية أقوالهما لجهة تعرّضها للاستغلال.

 

  • تعاطي الضحية للمخدرات: رأت المحكمة في القضية الثانية أن تعاطي المدعى عليها الراشدة للمخدرات هي من الأدلة التي تشير إلى عدم استغلالها. تعكس هذه الحيثية أحكاماً مسبقة بحق النساء بحيث تصبح الأفعال التي ارتكبنها في إطار استغلالهن سبباً للتشكيك في مصداقيتهن وتاليا لإبعاد الشبهات عن الجهة المستغلة. كما أن المحكمة تجاهلت كلياً أن تزويد الضحية بالمخدرات هي إحدى أبرز الوسائل المستخدمة بهدف استغلالها، حيث يقوم التجار باستغلال حالة ضعف الضحية المتمثلة بالإدمان على المخدرات. ويتحقق هذا الاستغلال إما بتشجيعها على الإدمان على المخدرات او باستغلال إدمانها من أجل تعزيز ارتهانها لهم. وكانت المدعى عليهما قد أدليتا بأن المتهمين بالإتجار بهما يزودونهما بالمخدرات، وبأنهم يدفعون كلفة المخدرات من الأموال التي يتقاضونها من الزبائن. وبهذا، تكون المحكمة قد استندت على إحدى وسائل الاستغلال (استغلال حالة الضعف المتمثلة بالإدمان على المخدرات) دليلا على عدم حصوله.

 

  • حرية الضحية بالتجوّل: تنميط للضحية المحتجزة: اعتبرت المحكمة أن "حرية تجوّل" المدعى عليها الراشدة و"تنقل (القاصرة) للعمل في الدعارة في أماكن مختلفة" تؤشر إلى عدم توفر شروط الاستغلال وإلى ممارستهما الدعارة بإرادتهما الحرّة. وبهذا عبّرت المحكمة عن فكرة نمطية قوامها أن الضحية المستغلة هي الضحية المحتجزة، متجاهلة وسائل الاستغلال المنصوص عليها في القانون والتي لا ترتكز على احتجاز الحرية، ومنها التهديد واستغلال السلطة الزوجية واستغلال حالة ضعف الضحية، أو أيضا استغلال قصرها وفقرها وحاجتها إلى تأمين معيشتها واستيفاء ديونها وغيرها من الوسائل التي أدلت بها المدعى عليهما في هاتين القضيتين.

 

  • "تبادل مصالح" بين المتهمة والضحية القاصرة: تنميط للضحية التي لا تتلقى منفعة؟ اعتبر الحكم أن تقاسم المدعى عليها القاصرة المبالغ المحصلة من الزبائن مناصفة مع المتهمة التي تؤمن لها الزبائن هو دليل على قيام العلاقة بينهما على "تبادل المصالح" وليس على الاستغلال. تظهر هذه الحيثية تعمّد الحكم عدم الأخذ بالمنفعة المالية التي حصلتها المتهمة من الخدمات الجنسية التي قدمتها القاصرة. ويصعب فهم هذه الحيثية على ضوء قصر المدعى عليها في هذه القضية وعزلتها بنتيجة افتقادها للرعاية العائلية والدعم الاجتماعي بعدما غادرت منزل أهلها في طرابلس بسبب سوء معاملتهم لها وتعرّضها للاغتصاب في صغرها. وهنا أيضاً، عبّر الحكم عن فكرة نمطية أخرى قوامها أن الضحية هي التي لا يصلها أي من الأموال الناتجة عن استغلالها، في حين أن تأمين موارد مالية هي من الوسائل الأساسية التي يستخدمها التجار لاجتذاب النساء، وخاصة القاصرات منهن، على ممارسة الدعارة. كذلك تجاهل الحكم أن مجرد اجتذاب القاصر وإيواءها وتحصيل منفعة مادية من ممارستها الدعارة كافٍ لتوفر عناصر الإتجار بالبشر، مهما كانت الوسائل المستخدمة لذلك، أي حتى في حال تقاسم الأموال معها. وقد جاءت هذه الخلاصة متناقضة مع موقف محكمة التمييز في قرارها الصادر في العام 2017 في قضية استغلال في التسوّل، حيث أكّدت أن المنفعة المادية للضحية لا تنفي حصول الاستغلال بل هي من وسائل الحثّ على الموافقة على الاستغلال.[7]

 

  • عدم معرفة الضحية بالمتهم: تجاهل طبيعة الجريمة المنظمة؟ اعتبر الحكم في القضية الثانية أن غياب المعرفة الشخصية بين المدعى عليها والمتهم صاحب الفندق الذي تم ايواؤها فيه خلال ممارستها الدعارة هو دليل على عدم استغلالها، وذلك رغم إدلائها بأن زوجها هو من عقد الاتفاق مع صاحب الفندق وأنهما كانا يتقاسمان الأموال الناتجة من ممارستها الدعارة وأن علاقتها كانت محصورة بالمحاسب في الفندق. وبذلك، تجاهل الحكم طبيعة الجريمة المنظمة للإتجار بالبشر، حيث نادراً ما يقوم كبار التجار بالتواصل مباشرة مع ضحايا الاستغلال بل يحصرون هذا التواصل مع بعض الوسطاء، ومنهم أعضاء عائلات الضحايا. كما تجاهل* إحدى وسائل الاستغلال المنصوص عليه في القانون، وهو إعطاء منافع مالية إلى شخص له سلطة على الضحية أي زوجها في هذه الحالة.

 

الاعتماد على دعارة الغير لا يشكل إتجاراً بالبشر؟

بعد حجب الاستغلال وتبرئتهما للمتهمين من جناية الإتجار بالبشر، عادت محكمتا الجنايات وحكمتا على خمسة من المتهمين الستة بجرائم مرتبطة بالإتجار  بالبشر: ففي القضية الأولى، تمّ الحكم على المتهمين الثلاثة لتسهيلهم الدعارة للقاصرة بجنحة الاعتماد على دعارة الغير (المادة 527 من قانون العقوبات). وفي القضية الثانية، تم الحكم على زوج المدعى عليها بجرم الإعتماد على دعارة الغير، وعلى صاحب الفندق بجرم تسهيلها (المادة 523 من قانون العقوبات).

فعلام استند الحكمان للتفرقة بين جناية الإتجار بالبشر من جهة وجنحتي تسهيل الدعارة والاعتماد على دعارة الغير من جهة أخرى، مع ما ينتج عن ذلك من اختلاف في أصول التحقيق والمحكمة المختصة ومدة التوقيف والعقوبة؟ هل تمثل عنصر التمييز بالوسائل المستخدمة بحق المرأة التي تمارس الدعارة أم في طبيعة العلاقات بينها وبين المنتفع من ممارستها الدعارة أم في قيمة هذه المنفعة؟

من شأن قرارات في قضايا مماثلة أن تسهم في تكريس اجتهادات واضحة، بهدف التمييز بين هذه الجرائم وتوضيح فحوى التعديل التشريعي الذي تمثل في إقرار قانون الإتجار بالبشر.

لكن بالاطلاع على هذين الحكمين، يتبيّن لنا أن عنصر التمييز الوحيد الذي اعتمداه هو عنصر "إرغام" المرأة على ممارسة الدعارة الذي مع انتفائه ينتفي عنصر هدف الاستغلال: فإذا وافقت المرأة على ممارسة الدعارة، لا نكون أمام جناية الإتجار بالبشر، مع تغييب شبه كامل للوسائل المستخدمة بحقها لحثها على الموافقة على الاستغلال. وعليه، اعتمد الحكمان على معيار يخالف القانون بشكل صريح كونه يأخذ بموافقة المجنى عليها على الاستغلال ولا يأخذ بوسائل الاستغلال المنصوص عليها في القانون لا سيما استغلال حالة الضعف. فضلاً عن ذلك، لم يتحقق الحكمان من مصادر رزق أي من المتهمين الذين أدينوا للاعتماد على دعارة الغير ومن قيمة الأرباح التي حصلوا عليها، في ظل غياب شبه تامّ للتدقيق في الوجه المالي لجريمة الإتجار بالبشر وفي الأرباح المحصلة من الاستغلال الجنسي.

 

في الخلاصة، يتحصل من الحكمين موضوع التعليق، أنهما رفضا الاعتراف بوجود علاقة استغلالية بين المتهمين والمرأتين اللتين يستفيدون من ممارستهما الدعارة (إحداهما قاصرة)، وحكما* عليهم جميعا كشركاء في الجريمة ينتفعون بها بشكل متساوٍ. وقد استندت المحكمتان للوصول إلى هذه النتيجة على مجموعة من الآراء المسبقة التي تعيد مقاربة هذه العلاقة على أنها علاقة اشتراك في جرم أخلاقي أو تؤدي إلى حصر مفهوم "ضحية الاستغلال" بنمط مشابه لمواصفات ضحايا شبكة "شي موريس" (محتجزة ومعنفة ولا تنتفع مالياً)، مع تغييب كامل لوسائل الاستغلال وللظروف القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يمارس في إطارها. وباعتمادها هذه المقاربة، يبدو أن المحاكم تتجه نحو تشويه روحية ومضمون قانون الإتجار بالأشخاص، بدلاً من الاستعانة به كأداة لمكافحة الاستغلال الجنسي.

 

* تم تصحيح خطأ في الطباعة كان قد ورد في النسخة الورقية من هذا المقال

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

  • لقراءة المقال باللغة الإنجليزية اضغطوا هنا

 


[1] نزار صاغية وغيدة فرنجية، الدعارة جريمة أخلاقية ام جريمة استغلال؟ قراءة قانونية لقضايا 228 مدعى عليهنّ بجرم الدعارة السرية، منظمة كفى عنف واستغلال، 2013

[2]  الحكم رقم 272 الصادر عن محكمة الجنايات في بيروت بتاريخ 15-3-2018

[3]  الحكم رقم 1058 الصادر عن محكمة الجنايات في بعبدا بتاريخ 19-12-2017

[4]  نصت الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 586 (1) من قانون العقوبات على انه: "لا تؤخذ بالاعتبار موافقة المجنى عليه أو أحد اصوله أو وصيّه القانوني أو أي شخص آخر يمارس عليه سلطة شرعية أو فعلية على الاستغلال المنوي ارتكابه المبين في هذه الفقرة."

[5]  محكمة التمييز (الغرفة الثالثة الجزائية)، قرار رقم 231/2017 تاريخ 13/7/2017 الهيئة الحاكمة: الرئيسة سهير الحركة والمستشارين نزيه شربل منتدباً وناهدة خداج.

[6]  الحكم الصادر بتاريخ 28/12/2015 عن محكمة الجنايات في بيروت المؤلفة من الرئيس محمد مظلوم والمستشارين هاني الحبّال وبسام الحاج، أساس رقم 362/2015

[7]  محكمة التمييز (الغرفة الثالثة الجزائية)، قرار رقم 231/2017 تاريخ 13/7/2017 الهيئة الحاكمة: الرئيسة سهير الحركة والمستشارين نزيه شربل منتدباً وناهدة خداج. وقد جاء فيه حرفياً: "وحيث أن المنفعة التي كان يجنيها الظنين من التسوّل لا تنفي بدورها عنصر استغلال المدعى عليه (...) لأنّ النص القانوني ذاته لا يشترط ذلك ولا ينفي حصول ضحية الإتجار بالبشر على منفعة بل أن المنفعة التي يجنيها ضحية الإتجار بالبشر أو من يتولى أمره هي التي تحثّه على الموافقة على الاستغلال سواء أتت هذه الموافقة من قبله أو من قبل أيٍ ممن له سلطة شرعية أو فعلية عليه،"