تقول منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن 60% من الأطفال العاملين في العالم يعملون في الزراعة، برغم الاتفاق العالمي على تصنيف الزراعة من الأعمال الخطيرة والممنوعة على من لم يتمّوا 18 سنة بعد. تفيد أرقام خطة العمل الوطنية لمكافحة عمل الأطفال في لبنان (2014) أن هناك أكثر من مائة ألف طفل عامل، غالبيتهم (نحو 60 إلى 70%) يعملون في الزراعة. رقم يعتبره البعض لا يعبر عن الواقع نظراً إلى تداوله منذ ما قبل الأزمة السورية. وإذ يفتقر لبنان إلى رقم دقيق عن حجم عمالة الأطفال عامة وفي الزراعة خاصة، استنتجت دراسة عرضت منظمات الفاو واليونيسف والعمل الدولية بعض معطياتها في جلسات عمل مغلقة، أن الأطفال يشكلون 30% من القوى العاملة في الزراعة في لبنان. وكانت الدراسة استندت إلى عينة من أربعمائة لبنانيي وسوري.

ورغم صدور المرسوم 8987 (أيلول 2012) استنادا إلى اتفاقيات دولية[1] بحظر عمل الأطفال في الزراعة بالنظر إلى خطورتها، إلا أن المشهد في الحقول اللبنانية يبدو بعيدا كل البعد عما يجري في مكاتب الوزارات والمنظمات الدولية والمحلية العاملة على صعيد مكافحة عمالة الأطفال. فهذه الحقول، وخصوصا الواقعة في سهلي عكار والبقاع، تعجّ بصغار العمل من الأطفال الذين تجدهم من عمر خمس سنوات وما فوق يعملون خمس ساعات لكل وردية صباحية (دوام عمل) وأخرى مسائية.

هناك في الميدان، لا إجراءات وقائية تردّ خطر حرارة شمس الصيف أو مخلفات المبيدات والأسمدة الكيميائية، ولا معايير للأوزان التي تثقل ظهورهم الطرية. وطبعا هناك الشاويش الذي لا يكتفي بمقاسمتهم ما يجنونه لقاء تأمين العمل ومكان لنصب خيمهم، بل تبدو سلطته عليهم واضحة لا لبس فيها. ويؤكد مسؤول العلاقات العامة في اتحاد الفلاحين ل"المفكرة" أن يومية الشاويش الذي يمون على مئة عامل لا تقل عن 400 دولار يوميا، وهو يقاسم الأطفال عملهم بمعدل النصف، إذ يقبض أجرة العامل 8 آلاف ليرة عن خمس ساعات عمل ويعطي الطفل 4 آلاف ليرة فقط.

"المفكرة القانونية" قضت أياماً مع صغار الكَسبة في عكار والبقاع وعادت بفصول صغيرة من سجلات عامرة بالمعاناة، وتبرز ظروف العمل القاسية التي يخضع لها الأطفال في العمل القسري الذي يتعرضون له.

ينتصف النهار في خراج إحدى قرى سهل عكار، وتحديدا في أحد مخيمات اللاجئين السوريين، فتصل آلية "بيك آب" تزدحم برؤوس ووجوه مغطّاة لا تظهر منها سوى عيون جميلة. هؤلاء هن العاملات العائدات من "وردية" العمل الزراعي الصباحي.

يخرج "الشاويش" من خيمته المنصوبة عند مدخل المخيم. شاب في منتصف العشرينات، في يديه هاتفان خليويان. تبدو السلطة جلية على حركات جسده ونبرة صوته وطريقة تعامل من حوله معه. يمشي ك "الطاووس" فيما يتبعه بعض الشبان والفتية. يأمر السائق العاملات بعدم مغادرة آليته قبل إشارة الشاويش. يقف الأخير عند زاوية "البيك آب" ويقول:"يللا انزلو". ويبدأ بالعد: وحدة، تنتين، تلاتة، أربعة...ليصل إلى العشرين. يلتفت نحو سائق "البيك آب" ويقول له: "الله معك، هودي هن، العدد كامل".

تراوح أعمار العاملات ما بين 13 سنة وما فوق. هذه "الوردية" كانت "للتعشيب"، أي نزع النبات الطفيلي من بين حقول المزروعات على أنواعها. وعليه، يطلب صاحب الأرض من الشاويش عدم إرسال صغار الكسبة "بيدعوسو له الموسم" وفق ما يبرر الشاويش.

تتلقى كل عاملة مبلغ 1500 إلى ألفي ليرة لبنانية عن كل ساعة عمل (وفق نوع المزروعات). يخصم  الشاويش 500 ليرة لبنانية، هي حصته من كل ساعة، أي ثلث ما يجنيه الأطفال العاملون. لا عمل لأي عاملة خارج إرادة الشاويش "هو بيدبر لنا الشغل" تقول فتاة مراهقة بصوت خافت.

 

من عكار إلى البقاع: المعاناة نفسها

المشهد ليس نفسه عند وصول سيارة مرسيدس حمراء فجراً إلى مخيم آخر في سهل البقاع. لم تكن الشمس قد أرسلت خيوطها عندما يعلو بوق السيارة معلناً موعد لملمة صغار العمال والعاملات. إنه موسم البطاطا.

هنا يفضل صاحب العمل صغار الكسبة. وعليه يصطف أطفال المخيم على جانبي الطريق من عمر خمس وست سنوات إلى عمر 13-14 سنة كحد أقصى. يرى الشاويش أن لملمة البطاطا وراء تراكتور القلع ليس بالعمل الصعب ولا يتطلب دقة أو خبرة. يحمل الأطفال الذكور أوعية بلاستيكية هي عبارة عن سطل يتسع لنحو سبعة إلى عشرة كيلوغرامات من البطاطا، فيما تلف الطفلة خصرها ب"شقبان"، وهو عبارة عن قطعة قماش تربطها إلى الوركين، وتلم أطرافها إلى بطنها لتصبح "صرة" تجمع فيها رؤس البطاطا في الأثلام.

يبدو النعاس على معظم الأطفال، فيما تقف الأمهات ومعهن الآباء أحيانا، يراقبون خروج الأبناء إلى العمل. عادة ما تتسع السيارة لخمسة ركاب. يستغل السائق نحالة أجساد الأطفال ويحشر نحو عشرة منهم على المقعدين الأمامي والخلفي، ثم يصعد خمسة أو ستة أطفال في صندوق السيارة. عادة ما يصعد الفتيان في الصندوق، حيث تتجنب الفتيات الجلوس قرب الصبيان في صندوق السيارة، وإذا ما فعلن فإنهن يحرصن على إبقاء مسافة بين الجنسين، وإن لم تتعدّ السنتمرين إلى ثلاثة سنتيمترات.

في حقل البطاطا، يُعمل التراكتور الزراعي سكته في الأثلام من أول الحقل إلى آخره. بعد انتهائه من ثلمين إلى ثلاثة أثلام، ينتشر الأطفال في المساحة المحروثة يجمعون رؤوس البطاطا التي أُخرجت من الأرض. يعمل الأطفال خمس ساعات متواصلة على الأقل في جمع البطاطا، وهو ما يتطلب البقاء بوضعية الإنحناء في معظم هذه الفترة، مع ما يحملونه سواء في سطل أو كيس أو قماش الحرج "الشقبان". ترتدي معظم العاملات الفتيات من عمر عشر سنوات وما فوق تقريباً أغطية رأس تحجب أيضاً جزءاً من وجوههن، "مو لازم تحرق الشمس البنت، بيبطل حدا يتزوجها"، تقول جواهر، مراهقة عمرها 16 عاماً، أوكل إليها الشاويش مهمة تعبئة صناديق البطاطا وتزيين واجهتها بالرؤوس الكبيرة لبيعها. 

وإذا كانت الأغطية ترد بعض الشمس عن رؤوس الفتيات العاملات، لكن رؤوس صغار العمال من الفتيان، ومعهم فتيات صغيرات تحت سن العاشرة، مشرًعة للحر والشمس الحارقة. تراوح ألوان بشرة هؤلاء ما بين الأحمر المحروق والبنّي. تقول بسمة البالغة 12 عاماً أنها تعاني من آلام في الظهر، ولكنها غالباً ما تكتم وجعها لكي لا تتعرض للتأنيب من وكيل الحقل الذي يتولى الإشراف على العمل: "إذا ما طلعت ع الشغل بيعيط عليي أبوي". والد بسمة لا يعمل لأنه "ما معه أوراق" كما تقول الصغيرة. لأم علي الأرملة التي تربي خمسة أطفال وحيدة، بعدما قتل زوجها في الحرب السورية، رأي آخر: "في كتير رجال ما بيشتغلوا بيبعتو أولادهم والنسوان ع الشغل". " النسوان" تشمل هنا حتى الزوجات الصغيرات اللواتي لم ينجبن بعد:  "مبارح طلبت مني أم أحمد دبر لها شغل لكنتها صفية"، يقول الشاويش. صفية فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، تزوجت قبل شهر بالتمام. انتهى شهر العسل، وستعود إلى الحقل: "كانوا أهلي ياخدو المصاري، هلأ بياخدهن زوجي".     

 

تعب بعد الظهر

مشهد الصباح في البقاع يتبدل ليس نفسه في فترة بعد الظهر. في أحد مخيمات عكار، لا تبدو الفتيات العاملات نشيطات ومقبلات على العمل في الوردية المسائية. لم تمض أكثر من ساعتين على عودتهن من التعشيب الصباحي، وها هو موعد وردية العصر قد آن. تصدح صفارة الشاويش في المخيم عند الثانية والنصف من بعد الظهر، إيذاناً بوصول وسيلة النقل. شمس الظهيرة ما تزال حارقة، ومع ذلك تُسرع الفتيات إلى نقطة التجمع عند مدخل المكان. لم يكن حظ سارة جيداً اليوم. أمرها الشاويش بالعودة إلى خيمتها: "صاحب الأرض ما بدو إياكي" قال لها، مضيفاً "مش عم تكوني نشيطة بالشغل، عم تلتهي كتير". لم يزعج الخبر والدة سارة فقط. لحظات ويصل الأب مستفسراً عن رفض صاحب العمل لابنته التي لم تبلغ الثالثة عشرة من عمرها بعد. تحمر وجنتا سارة وتغص بدموعها، فيما ينظر إليها والدها بطريقة غير مريحة وكأنه يتوعدها. تحاول عبثاً إقناع الشاويش وسائق السيارة بالسماح لها بالإنضمام إلى بقية الفتيات من دون جدوى، برغم وعودها الكثيرة بالعمل الجاد والمواظبة: "ما بتعرف تشتغل" يبرر لمن يتوسط لها.

تنطلق السيارة، وفيها فتى مراهق وثماني فتيات، نحو البيوت البلاستيكية التي تبعد نحو خمس كيلومترات عن المخيم. جلست الفتاة في صندوق السيارة مع فتاتين اثنتين. في المزرعة يستقبل وكيل الأرض العاملات: يبدأ بعدهن ثم التأكد من عدم اصطحاب من رفض قدومهن، ويطلب من سيدة ثلاثينية توزيعهن على البيوت البلاستيكية العامرة بالملوخية.

كانت حرارة الطقس تقارب 35 درجة في الهواء الطلق. تبدأ الفتاة بنزع عروق الملوخية ووضعها على شكل أغمار، بعضها جنب بعض. خمس دقائق وتعلو صرخة إحداهن: "في سخونة كتير هون"، وتقصد ارتفاع درجات الحرارة. وفعلاً، ربما تفوق درجة الحرارة داخل البيوت البلاستيكية الأربعين درجة مع الإنحباس الحاصل داخل بيوت النايلون. يقوم وكيل الأرض بفتح مدخل البيت البلاستيكي لكي يسمح بتشكل تيارات هوائية. تخف الوطأة على الفتيات العاملات من دون أن تتأكد إذا ما سكتن خوفاً من تهديد الوكيل أم فعلاً نتيجة انتعاشهن من نسمة خفيفة عبرت من المداخل. يقول الوكيل مستنفراً: "ل بدها تتدلل ما تجي ع الشغل"، فيختنق أي صوت احتجاجي.

 

صغار العريضة

يبتسم سميح، إبن بلدة العريضة الحدودية في سهل عكار، إبتسامة صفراء مقهورة، عندما يسمع قصص الأطفال السوريين العاملين في الزراعة، ليقول: "بتعرفوا إنه في نازحين سوريين بيعطوا من مساعداتهم أوقات للفقراء من أبناء العريضة".

صحيح أن سكان العريضة، التي تقع على الحدود الساحلية مع سوريا، لا يسكنون في الخيم كما اللاجئين السوريين. لكن فقرهم يبدو مدقعا في ظل عدم تلقيهم أي مساعدة أو إعانة غذائية أو مرضية. أطفال هؤلاء أيضاً لا يذهبون إلى المدرسة في المواسم الزراعية وعندما يخرج نحو 150 صيادا من أبنائها إلى البحر، وكذلك عندما يبدأ موسم الصيد البري. تقول مريم أن أولادها الأربعة، وكبيرهم في الثالثة عشرة من عمره، يخرجون إلى العمل مع الصيادين في مواسم الصيد: "وبس يرجعوا بيروحوا ع المدرسة يلحقوا كم ساعة".

أما حين يتعطل الصيادون عن الخروج إلى البحر بسبب تراكم الأتربة والنفايات والرمول عند مصب النهر الجنوبي الكبير في البحر (يركنون مراكبهم عند مصب النهر في البحر)، فتتفاقم الأوضاع الاقتصادية في العريضة ولا يخرج الرجال فقط للعمل في لململة طرائد الصيادين القادمين إلى سهل عكار، بل الأطفال أيضاً. يقبض هؤلاء من خمسة إلى عشرة آلاف لقاء عمل نحو ثلاث إلى أربع ساعات في جمع الطرائد التي يصطادها الصيادون القادمون من جبل لبنان وبيروت والكورة وطرابلس. مديرة مدرسة العريضة الرسمية نفسها قالت للأهالي: "ارجعوا ابعتوهن ع المدرسة حتى لو رجعوا ع الساعة 11"، وفق ما تؤكد مريم. بكر مريم البالغ 13 سنة من العمر قرر التوقف عن التعليم: "نحن كتير فقرا وبده يساعدنا"، تبرر والدته.

 

الجهات الرسمية والدولية

في الوقت الذي تتفاقم فيه عمالة الأطفال عامة في لبنان وفي الزراعة خاصة، تقول رئيسة وحدة مكافحة عمالة الأطفال في وزارة العدل نزهة شليطا ل "المفكرة" أن "الوزارة أقفلت في آذار الماضي (2018) ثلاثة مراكز إجتماعية  كانت مخصصة لاستقبال الأطفال نهاراً وتنظيم أنشطة تعليمية وتدريبية لهم للحد من خطر العمالة والتعرض لها". وتم إقفال المراكز الثلاثة التابعة للوزارة "بسبب نقص في التمويل"، كما أكدت شليطا ل "المفكرة". بالنسبة إليها "إقفال المركز أفضل من استقبال الطفل من دون القدرة على حمايته". تؤكد شليطا أن هناك 35 ألف طفل لبناني عامل من أصل أكثر من مئة ألف طفل تحدثت عنهم الخطة الوطنية للحد من عمالة الأطفال في العام 2014. رقم المئة ألف طفل عامل تصفه المستشارة في وحدة مكافحة عمالة الأطفال في منظمة العمل الدولية حياة عسيران بأنه قديم، مؤكدة ل"المفكرة" أن "الرقم ارتفع بعد الأزمة السورية".

وبرغم صعوبة الوضع، تسجل شليطا بعض الإختراقات الإيجابية كاللجنة المشتركة التي تألفت من وزارة العمل والأمن العام ومنظمة العمل الدولية واتحاد الفلاحين، والتي عدل الأمن العام على إثرها مذكرته الداخلية تجاه دخول العمال الموسميين، رافعاً سن العمل لدى الأطفال في الزراعة إلى 16 سنة. وأكد بهجت حاراتي، مسؤول العلاقات العامة في اتحاد الفلاحين ل"المفكرة" أن دور الإتحاد كان توضيح صورة المزارعين من ملاك الأراضي على حقيقتها "نحن متضررون من عمالة الأطفال، ندفع للشاويش أجرة عمال راشدين، فيرسل لنا أطفالا بعمر عشر سنوات يقومون بتخريب مزارعنا ومواسمنا أكثر مما يشتغلون معنا". وعليه تعاون الاتحاد مع الوزارة والأمن العام ومنظمة العمل الدولية لتعديل المذكرة الداخلية التي رفع فيها الأمن العام سن الأطفال إلى 16 سنة. وأوضح حاراتي أن الإنتهاك الأساسي على الأطفال يأتي من الشاويش الذي يقبض من المزارع ثمانية آلاف ليرة لبنانية عن يوم عمل لعامل بالغ، فيأتي بطفل يدفع له أربعة آلاف ويأخذ أربعة". وأشار إلى أن المزارع لم يكن بإمكانه رفض الأطفال، لأن الشاويش سيمتنع عندها عن تزويده بالعمال "وبيضرب لنا الموسم". ويضيف حاراتي أن الانتهاكات في تشغيل الأطفال تم ضبطها في مزارع كبار ملاكي الأراضي الذين يأتون بعمال موسميين، "أما الإنتهاكات الأخرى فتحصل في مخيمات اللاجئين وليس مع الذين ما زالوا يأتون من سوريا للعمل الموسمي فقط لا غير".

هذه الجهود ساهمت فيها منظمة العمل الدولية أيضاً: "تفاجأنا بأن الأمن العام يسمح للعمال الموسميين السوريين في الزراعة بإدخال أبنائهم إلى لبنان من عمر 10 سنوات، ظنا منه أنهم يرافقون عائلاتهم وليس لتشغيلهم"، تقول عسيران. "يأخذ الأمن العام على عاتقه مراقبة عمل الأطفال، خاصة أنه لدينا نقص في عديد المراقبين برغم أن المرسوم 8987/2012 قد منح الوزارة غطاء قانونيا لحماية الأطفال من العمل الزراعي بتصنيفه بين الأعمال الخطيرة"، وفق شليطا نفسها.

وفي هذا المجال، لفتت عسيران إلى أن الأمن العام حرر محاضر في السنوات الثلاث الأخيرة ب 36 طفلاً يعملون بطريقة غير قانونية في الزراعة وتمت إحالتهم إلى وزارة العمل، وسجلتهم منظمة العمل الدولية. قامت الوزارة بإرسال الأطفال إلى مراكز خاصة بحمايتهم.

تربط عسيران بين التعليم الإلزامي وسن العمل: "تنص إتفاقية منظمة العمل الدولية الرقم 138 على عدم العمل حتى في أعمال خفيفة قبل سن 15 سنة، أي بعد إنهاء التعليم الإلزامي". هذا النص تتجاوزه بعض الدول التي تعاني من ظروف صعبة ومن بينها لبنان، "إذ سمحوا بالعمل في سن ال 14 في ظروف إستثنائية"، ولكن شرط أن يعمل الأطفال بالأعمال الخفيفة لساعات عمل قليلة (يساعد والده في دكانه مثلا ويقبض المال). لكن بعض البلدان، ومنها لبنان، "لم تصنف الأعمال الخفيفة، ومع ذلك ممنوع العمل تحت سن 14 سنة ومنها الزراعة التي نعتبرها من الأعمال الخطرة ووزارة العمل تعتبرها كذلك". 

ترصد شليطا وعسيران تغير طبيعة عمل الأطفال في الزراعة مع "النزوح السوري حيث تكثفت ظاهرة عمالة الأطفال في الزراعة، والتي كانت في لبنان قبل الأزمة السورية ذات طابع عائلي وبعض العمل المأجور بنسبة قليلة"، وفق شليطا.

وتتحدث عسيران عن الإستغلال الذي يتعرض له الأطفال السوريون في الزراعة اليوم: "يستفيد الشاويش -السمسار من عمالة الأطفال، يكدسونهم بالبيك آب فوق بعضهم البعض، خصوصا أولئك الذين يسكنون في الخيم كون الشاويش هو من يؤمن الأرض ويقبض منهم إيجارها، كما يقوم بتشغيلهم مع أولادهم". وتلفت إلى أن "نحو 70% من الأطفال السوريين يعملون، 60% منهم في الزراعة". هذا العمل يترك آثارا صحية كبيرة على الأطفال تعددها عسيران بالتالي: "المبيدات والأسمدة الكيميائة تؤثر على جلدهم وبشرتهم الرقيقة فتدخل إلى أجسامهم. كما تتسبب بمرض سرطان وقلة التركيز، وهناك التعرض لأشعة الشمس الحادة والحمولة الثقيلة والغبار وحشرات الحقول وغيرها".

ترى ريتا كفوكيان من وحدة الحماية المجتمعية في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن الجهود المبذولة تؤدي أحياناً إلى إنقاذ نحو ثلاثمئة طفل من أصل ألف طفل عامل. وتعبر عن أسفها كون الأطفال يعملون من عمر تسع سنوات وما فوق، معتبرة أن المشكلة قديمة بدأت مع العائلات السورية التي كانت تقصد لبنان للعمل الزراعي، ثم تفاقمت مع الأزمة. وتوقفت عند دور المدارس المكتظة في تسرب الأطفال إلى العمل.

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟


[1] اتفاقية حقوق الطفل المادة 32 والإتفاقيتين 138 (2003) و182 (1999) الخاصتين بالقضاء على أسوأ اشكال عمل الأطفال.