زينة جلاد
أجرت زينة جلاد مسحا وتقييما لممارسات المحامين في استخدام القانون وتسخيره في خدمة المصلحة العامة في مصر وفلسطين، وفصلت الأدوات والوسائل المتاحة والأساليب الرائج اتباعهافي مجال خدمة المصلحة العامة في هذين البلدين، بما في ذلك الاستراتيجيات والنهج القانونية المستخدمة من قبلهم لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز حقوق الإنسان (الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية). في هذا العدد، ننشر ملخصا عن هذه الدراسة (المحرر).
منهجية البحث:
اعتمدت الدراسة التي تعتبر الأولى من نوعها، على جملة من الأساليب البحثية والتي من ضمنها البحث الميداني، حيث عُقد ما يزيد على العشرين لقاء مع محامين وحقوقيين في مصر وخمسة وعشرين لقاء مع محامين وحقوقيين في فلسطين، بالإضافة إلى مراجعات لأدبيات وأبحاث ودراسات قانونية في مجال تعزيز حقوق الإنسان وتقديم المساعدة القانونية والمسؤولية المهنية والاجتماعية للمحامين، ودراسة مجموعة من التقارير والدراسات الصادرة عن مؤسسات محلية وإقليمية ودولية تعنى بسيادة القانون وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها في العالم العربي.
نتائج البحث:
بينت الدراسة أن هنالك نمطين متعلقين بأساليب استخدام القانون في خدمة المصلحة العامة يسودان في البلدين المذكورين. النمط الأول وهو التمثيل القانوني المباشر Direct Legal Representationوهو أسلوبيقوده أساساً المحامون Lawyers’ Lead Approach، ويعتبرمن أبرز أوجه التمثيل القانوني المباشر كل من: التقاضي الاستراتيجي Strategic Litigationودعاوى للمصلحة العامة Public Interest Litigationوالتقاضي في سبيل المناصرة والدفاع عن قضايا ذات طابع عام Cause Lawyering. أما النمط الثاني فهو الاحتجاج الجماهيري Mass Protesting، حيث يتعاون المحامون مع غيرهم من الناشطين والمدافعين عن الحقوق والحريات بهدف تحقيق المساواة والتغيير الاجتماعي. وتشمل تكتيكات الاحتجاجات الجماهيرية استخدام وسائل الضغط والمناصرة والحشد الإعلامي، وتنظيم الحملات، واستخدام أساليب الاحتجاج والتظاهر.
هذا وأوضحت الدراسة أن هنالك عددا من العوامل المترابطة والمتداخلة والتي تؤثر على طبيعة ممارسات المحامين في مجال الدفاع عن المصلحة العامة. وبينت تأثير كل من العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية على الدور الذي يضطلع به المحامون وكذلك على نمط القضايا التي يتم تبنيها وتناولها. وبينت أن الموروث الثقافي الاجتماعي العربي يحمل قيما تعزز من ثقافة القانوني في خدمة المصلحة العامة، وعلى الأخص ثقافة غوث المحتاج ومناصرة الضعيف وإجابة السؤال والتي تسهم في صقل تجربة المحامين في المنطقة العربية.
مصر:
بعد الإشارة الى أطر تقديم المساعدة القانونية لفئات معينة من المهمشين والمستضعفين في ظل غياب قانون خاص أو نظام مفصل لتوفيرها، تم إلقاء الضوء على نمطين سائدين في مجال استغلال القانون في خدمة المصلحة العامة، الأول التمثيل القانوني المباشر والثاني الاحتجاج والحشد الجماهيري. وتم بحث الوسائل التي يسخرها المحامون للدفاع عن قضايا المصلحة العامة، وعرضت استراتيجيات وتكتيكات استخدمها هؤلاء المحامون داخل نطاق المحكمة وخارجها بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية.
في المرحلة الأولى الممتدة من 2000 -2010، تولت مجموعة من المحامين المصريين الدفاع عن مجموعة من القضايا ذات الطابع العام بهدف دعم فئات مهمشة ومستضعفة ومناصرتها، مثال ذلك الدفاع عن الأطفال والنساء والأحداث الجانحين والفقراء والعمال والمهاجرين واللاجئين، هذا وتناولوا كذلك قضايا تتعلق بحقوق العامل وبيئة العمل وأهمها قضية عمال النسيج في منطقة المحلة، والاتجار بالبشر والتشرد والعنف ضد المرأة والاستغلال والانتهاكات الجسدية والجنسية الواقعة عليها، والتمييز سواء العنصري أو على أساس الجنس، والدفاع عن حقوق الأقليات الدينية أو العرقية، فضلا عن قضايا أخرى تتعلق بالسجناء السياسيين وبالتعذيب.
ومن أهم الخلاصات على صعيد استخدام القنوات القانونية المباشرة عن طريق اللجوء للمحاكم والجهاز القضائي الرسمي، الآتية:
أولا: لجوء المحامين للمحاكم ليس فقط للدفاع عن حقوق الفرد محل الانتهاك بل سعيا كذلك لإحداث تغيير في الواقع القانوني والمجتمعي، مثال ذلك رفع قضايا فرديةImpact Litigation  بهدفإلقاء الضوء على قضايا ذات تأثير على الشأن العام، كقضايا الدفاع عن السجناء السياسيين. وقد قادت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان دعاوى عدة ضد ممارسات الحكومة بخصوص التوقيفات الجماعية واحتجاز الناشطين من الطلبة الإسلاميين أو الأقباط.
ثانيا: رفع قضية جماعية Class Actionحيث يرفع المحامون قضية واحدة جماعية نيابة عن مجموعة من الموكلين المتضررين من انتهاك لحقوقهم وحرياتهم، وبالتالي يكون هدف التقاضي الدفاع عن حقوق الموكلين من جهة وإلقاء الضوء على قضايا ذات تأثير على شريحة واسعة من شرائح المجتمع، وفي هذا السياق تم التطرق لقضايا الدفاع عن ضحايا التعذيب.
ثالثا: رفع عدد ضخم من القضايا المشابهة في فترة زمنية واحدة. ويهدف هذا الأسلوب الى إشغال المحاكم في الوقت عينه بعدد من القضايا ذات الطابع القانوني نفسه، وبالتالي يؤثر توافد هذا الزخم من القضايا في إثارة الرأي العام وتسليط الضوء على انتهاكات وممارسات غير قانونية، وكان أبرز مثال على ذلك رفع 137 قضية لتعويض ضحايا التعذيب في مصر أمام المحاكم المدنية. وقد سعى المحامون الى انتزاع أحكام برفع قيمة التعويضات المطالب بإلزام الدولة بتسديدها.
كما يسجل أن المحامين استخدموا استراتيجيات أخرى من التقاضي لأجل المصلحة العامة ومنها استخدام القانون الإداري كأداة للطعن في القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية، حيث يتم الطعن بعدم دستورية القرار الإداري وطلب الإلغاء أو يتم طلب تأكيده. كما تناولت التقاضي الاستراتيجي وهو وسيلة لتحريك الرأي العام تجاه قضايا معينة ووسيلة ضغط على الجهات صانعة السياسات والقرارات. ومن أهم الأمثلة على ذلك هي قضية ختان الإناث والتي دفعت وزير الصحة الى اتخاذ قرار بحظر الختان في 2007 كما أدت الى تضمين قانون العقوبات تجريما للختان. كما نسجل القضية التي قادها المركز العربي لاستقلال القضاء بهدف إلزام الحكومة في تعزيز أطر الرقابة على العملية الانتخابية، من خلال وضع كاميرات في مراكز فرز الأصوات[1]
أما النمط الثاني فهو الحشد الجماهيري، حيث من الاستحالة بمكان الحديث عن إحداث تغيير وتحقيق عدالة اجتماعية فقط عن طريق استخدام اللجوء للمحاكم والحصول على قرارات قضائية، فالتغيير القانوني الناجع يعتمد على إدماج وسائل أخرى من تعبئة ومناصرة. هذا ويسعى الحشد الجماهيري لتحقيق المصلحة العامة عن طريق اتباع وسائل خارج نطاق قاعة المحكمة والتي من الممكن التعبير عنها بتكتيكات التعبئة والمناصرة، وتنظيم الحملات والمسيرات والتظاهرات والاحتجاج ونشر التوعية العامة واستغلال وسائل الإعلام من أجل كسب التأييد لإحداث التغيير للمصلحة العامة.
أما في فترة ما بعد الثورة، فقد قامت منظمات حقوق الإنسان بدعم مصابي الثورة وعائلات الشهداء. وفي هذا الإطار، تم تقديم حوالي 550 دعوى ضد الحكومة للحصول على تعويضات مدنية لهؤلاء. كما يسجل خاصة انخراط هذه المنظمات في الدفاع عن النساء، ضحايا التحرش الجنسي والاغتصاب الحاصلين خلال مشاركتهن في تظاهرات ميدان التحرير. وفي شباط/فبراير 2013، دعا عدد من هذه المنظمات، وفي مقدمتها مركز النديم، الى تظاهرة للتعبير عن مشاعر السخط من جراء استمرار هذه الممارسات ولمطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لوقفها. كما قدم المركز المذكور مساعدات شتى لهذه الضحايا، من علاج نفسي الى دعم قانوني للاستحصال على تقارير طبية مثبتة للانتهاكات أو أيضا لتقديم شكاوى في أقسام الشرطة أو في المحاكم. كما تم إطلاق مبادرة أخرى في نوفمبر 2012 بهدف تأمين الحراسة للنساء المشاركات في التظاهرات العامة وتدريبهن على الحماية الذاتية. كما تمثل العمل الحقوقي في إقناع الضحايا بوجوب الخروج عن الصمت التقليدي في حالات مماثلة ومشاركة الضحايا الأخريات في المطالبة بالعدالة. وقد أولى المحامون في دعوى ندين أحمد ضد الدولة أهمية خاصة لتوثيق الاغتصاب الجماعي المنظم، وذلك بهدف إثبات إهمال الدولة في حماية المتظاهرات. كما استخدم محامو مركز هشام مبارك للقانون لهذه الغاية طريق المحاكم الإدارية، وذلك للحصول على أحكام بمنع إجراء فحوص العذرية على أساس تعارضها مع الإعلان الدستوري ومع المواثيق الدولية التي أقرتها مصر. 
فلسطين:
تعتبر التجربة الفلسطينية في مجال استغلال القانون لخدمة المصلحة العامة تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي، حيث تشكلت بطريقة مغايرة لتجارب الدول العربية الأخرى بسبب الواقع السياسي المعيش والمتمثل بالاحتلال الإسرائيلي المستمر لأكثر من ستة عقود. وقد تناولت الدراسة البحثية ممارسات واستراتيجيات طوّرها المحامون خلال معاركهم للبحث عن العدالة الاجتماعية والتغيير المجتمعي.
ومن أبرز تجارب المحامين الفلسطينيين داخل نطاق المحاكم الفلسطينية في هذا المجال، الآتية:
-دعوى الجمعيات الخيرية ضد وزارة الداخلية. وقد تطوع فيها محاميان عن هذه الجمعيات للطعن في قرار وزير الداخلية الصادر في 2007 بإغلاق 103 جمعيات خيرية وحلها من دون أي مراجعة قضائية بل من دون أي إنذار مسبق. وقد بررت الوزارة قرارها بوجوب حماية الأمن على خلفية ارتباط هذه الجمعيات بحركة حماس. وعرض المحاميان أن من شأن القرار الصادر على هذا الوجه أن يولد سابقة من شأنها المس بحريات أساسية للمواطنين، وخاصة حرياتهم في التجمع وإنشاء الجمعيات، وقد أسندوا دعواهم على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وقد تكللت هذه الدعوى بقرار صدر عن محكمة العدل العليا في 27/8/2007 بإبطال القرار المطعون فيه.
-دعوى تقدمت بها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ضد القرارات الإدارية الآيلة الى صرف موظفين فلسطينيين (أساتذة) على خلفية انتماءاتهم السياسية. وقد بيّنت الهيئة أن هذه القرارات غير قانونية وأنها تنتهك الحريات السياسية للمواطنين والتي يقتضي أن تبقى خطا أحمر ليس بإمكان أي سلطة أن تتجاوزه. وقد أصدرت محكمة العدل العليا في 27/3/2010 قرارا بإبطال هذه القرارات مع إلزام الإدارة العامة بإعادة الأساتذة المصروفين الى أعمالهم.
-دعوى ثالثة كان لها وقع هام في فلسطين، تقدم بها محام فلسطيني (علي شقيرات) أمام المحكمة الشرعية في رام الله. وقد هدف شقيرات من خلال دعواه الى تمكين المرأة من المطالبة بنفقة أكثر تناسبا مع غلاء المعيشة مما كانت المحاكم الشرعية تقرره سابقا. وقد نجح بالفعل في انتزاع حكم بنفقة 700 دينار أردني (أي ما يعادل 1000 د.أ). وهذه السابقة فتحت وفق شكيرات الباب أمام زملاء آخرين لرفع قيمة مطالبهم، ما يؤدي طبعا الى تحسين أوضاع النساء.     
فضلا عن ذلك، امتازت التجربة الفلسطينية باستخدام نمط التمثيل القانوني المباشر بأساليبه كافة أمام المحاكم الإسرائيلية، للدفاع عن حقوق المواطن الفلسطيني في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية. ومن ضمن هذه الانتهاكات مصادرة الأراضي، وسحب حق الإقامة في القدس من الفلسطينيين المقدسيين، ومنع المزارعين من استغلال أراضيهم الزراعية، واعتقالات المواطنين الفلسطينيين سواء أكانوا أطفالا أو نساء، والخطف والتعذيب وسوء معاملة الأسرى وحرمانهم من الحقوق الأساسية كالتعليم والحصول على الخدمات الصحية. وعرضت الورقة أيضا التجربة الفلسطينية في الحشد الجماهيري والمناصرة، حيث تم تقديم عدد من الأمثلة لحملات ضغط ومناصرة لقضايا ذات تأثير على المصلحة العامة.
كما يسجل لجوء الحقوقيين الفلسطينيين الى قنوات التقاضي الدولي كوسائل لقانون المصلحة العامة، حيث ضُرب مثال التوجه للأمم المتحدة لطلب حصولها على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية في لاهاي، يتعلق بمدى قانونية بناء جدار فصل عنصري أحادي الجانب على أراض فلسطينية بشكل مخالف للقانون الدولي. وبالرغم من تيقن القيادة الفلسطينية بأن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية هو رأي غير ملزم، إلا أن الهدف من وراء ذلك هو التأكيد على حقوق أساسية للشعب الفلسطيني ككل والحصول على ورقة ضغط تستخدمها السلطة الفلسطينية في معركتها لإنهاء الاحتلال.
أستاذ زائر في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا- نيويورك
نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية

[1] كما نسجل قضايا هامة أخرى من التقاضي الاستراتيجي مثل قضية إلزام الحكومة بإنشاء لجنة لوضع الحد الأدنى للأجور، فضلا عن الدعاوى الآيلة الى ابطال قرارات التخصيص ومن أبرزها التخصيص في مجال الصحة (يراجع نصائح خالد علي المنشورة في هذا العدد)، المحرر.