يُعد الإتجار بالبشر إحدى الظواهر العالمية التي انتشرت إنتشاراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وغالبًا ما يقترن نشاط تلك الظاهرة بالأزمات الناشئة عن النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية، وكذلك في المجتمعات التي تعاني من الفقر والتدهور الحاد في الخدمات الضرورية[1]. وهو ما يؤدي بالضرورة لوقوع أعداد كبيرة من البشر تحت خطر الاستغلال من قبل عصابات إجرامية منظمة تعمل على تجنيدهم للعمل في مجال الخدمات الجنسية، والتسول، والممارسات الشبيهة بالرق والاستعباد. بل يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى استغلالهم بالمتاجرة في الأعضاء البشرية والأنسجة وإجراء الاختبارات الطبية.

كما يُعدّ إكتشاف هذا النوع من الجرائم والتعرّف على ضحاياها أحد التحديات الصعبة في مجال مكافحته، نظرًا لما يحيطه من السرية والكتمان حتى من جانب الضحايا أنفسهم خوفاً من التهديدات التي قد يواجهونها من قبل الجناة، أو خشية توقيع العقوبات عليهم من قبل السلطات في حال اكتشاف هذه الجريمة. وهي الأمور التي دفعت المجتمع الدولي إلى تكثيف جهوده المختلفة لمحاولة التصدي لتلك النوعية من الجرائم عن طريق عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات[2]، وكذلك حث كافة الدول على إصدار تشريعات وطنية[3] تهدف إلى الحدّ من جريمة الإتجار بالبشر، وجبر ضرر ضحاياها وإعادة تأهيلهم.

وتعتبر مصر إحدى تلك الدول التي تبنّت إصدار قانون خاص يجرم الإتجار بالبشر بكافة أشكاله وهو القانون رقم 64 لسنة 2010، الذي جاء وفاءً للالتزامات الدولية التي سبق وتم التصديق عليها[4]. في الوقت نفسه، يأتي هذا القانون في ظل غياب أي وعي مجتمعي بتلك الظاهرة أو المشكلات الناتجة عنها والذي يجعل الكثيرين ينفون انتشار تلك الظاهرة في المجتمع المصري.

فنجد أن الإتجار بالبشر في مصر يأخذ أشكالا مختلفة وتحت مسميات عدة، أكثرها شيوعًا هي "الزيجات الموسمية" أو"الزواج السياحي" وهي التي تتم من خلال تزويج  فتيات، دون السن القانوني في أغلب الأحيان، لرجال غير مصريين، وغالباً يكونون من دول الخليج وأكبر من الفتاة بفارق عمري كبير‏[5].‏ بالإضافة إلى ظاهرة أطفال الشوارع التي تؤدي إلى استغلال آلاف الأطفال في الدعارة والخدمات الجنسية، وغيرها من أشكال الاستغلال كالعمالة القسرية في المنازل. ذلك إلى جانب  التنظيمات الإجرامية الخاصة بتجارة الأعضاء البشرية التي نشطت في مصر في السنوات الأخيرة، حيث ضبطت مباحث القاهرة في عام 2016 فقط نحو 12 قضية تجارة أعضاء بشرية فى العاصمة وحدها[6].

لذا نحاول في هذا المقال، الذي صادف تحريره في اليوم العالمي لمكافحة الإتجار بالبشر[7]، تسليط الضوء على الإطار القانوني لمكافحة هذه الظاهرة في مصر وكيفية تعامل المحاكم معها. وماهية الإشكاليات التي تقف حائلًا دون المضي قُدمًا نحو تحسين آليات مكافحة الإتجار بالبشر.

 

قانون مستوحى من الاتفاقيات الدولية

يعتبر قانون مكافحة الإتجار بالبشر الصادر في مايو 2010 من أكثر القوانين المصرية إتساقًا وتناغُمًا مع الآليات والمعايير الدولية. ويظهر ذلك بداية من تعريف القانون[8] لجريمة الإتجار بالبشر الذي جاء مُستلهمًا إلى حد كبير من التعريف الوارد في بروتوكول "باليرمو"[9]. فيعتبر القانون أن تلك الجريمة لا تتحقق إلا بتوافر ثلاثة عناصر، (الإتجار) وهو التعامل بأیة صورة في شخص طبیعي بما في ذلك البیع أو العرض للبیع أو الشراء أو النقل أو التسلیم أو الإیواء. و(استخدام وسائل معينة) مثل استعمال القوة أو العنف أو التھدید بھما، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتیال أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة. و(قصد الاستغلال)[10] أیاً كانت صوره بما في ذلك الاستغلال في أعمال الدعارة وسائر أشكال الاستغلال الجنسي، واستغلال الأطفال في الخدمة قسراً أو التسول، أو استئصال الأعضاء البشرية.[11]

كما يمكن القول أن القانون راعى كل المعايير التي تضمنتها المواثيق الدولية التي تناولت تلك الظاهرة، حيث جرم القانون كافة أشكال وصور الإتجار بالبشر، مع فرض عقوبات رادعة على مرتكبيها تصل إلى السجن المؤبد[12]. كما اهتمّ بتوفير الرعاية الكاملة لضحايا تلك الجرائم، بدءاً من إعفائهم من أي مسؤولية قانونية من جراء الأفعال التي قد تكون أُرتكبت أو نشأت من كونهم مجنى عليهم[13]، مرورًا بتوفير كافة سبل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، وبحث فرص إعادة التأهيل ودمجهم في المجتمع مرة أخرى. وكذلك ضمان عودتهم إلى وطنهم على نحو سريع وآمن إذا كان هؤلاء الضحايا من الأجانب غير المقيمين في مصر[14]. نهاية بتوفير كامل الحماية القانونية والنص صراحة على الحق في تبصیرهم بالإجراءات الإداریة والقانونیة والقضائیة ذات الصلة، وحصولهم على المعلومات المتعلقة بھا[15].

 

إشكاليات تطبيق القانون أمام المحاكم المصرية

كما سبق وأشرنا في الفقرة السابقة، فإن إثبات جريمة الإتجار بالبشر لا يتحقق إلا بتوافر العناصر الثلاثة سالفة الذكر "مجتمعة". مما يعني أنه في حال غياب أي من تلك العناصر لا يمكن اعتبار الفعل المجرم "إتجارًا بالبشر" بل يمكن اعتباره جريمة تخضع لأحكام واردة بقوانين جنائية أخرى. وهو أمر في غاية الأهمية حيث يترتب عليه اختلاف العقوبات الموقعة على المُدانين، وذلك بإختلاف الوصف القانوني الذي يتم إصباغه على الجريمة.

فعلى سبيل المثال، قانون مكافحة الدعارة[16] ينص على عقوبة الحبس لمدة أقصاها سبع سنوات لجريمة استغلال أحد الأشخاص في البغاء[17]، بينما في ظل أحكام قانون مكافحة الإتجار بالبشر إذا تاجر الجاني بالضحية بهدف الإستغلال الجنسي يعاقب بالحبس لمدة قد تصل إلى خمسة عشر عامًا[18]. وجدير بالذكر، أنه في أحيان أخرى قد يُحاكم الجناة ويُدانون بموجب مواد القانونين معًا. وهو ما ظهر في أحد أحكام محكمة النقض، حيث أُدين الجناة بجريمة الإتجار في البشر وجريمة إدارة مسكن لأعمال الدعارة، بعدما أجبروا واستخدموا عددا من الفتيات على تلك الأعمال مستغلين حالة ضعفهم وحاجتهم، بالإضافة إلى تزويجهم بموجب عقود زواج عرفي لعدد من رجال الخليج أكثر من مرة[19]. لتتوافر بذلك كافة عناصر جريمة الإتجار بالبشر بالإضافة إلى جريمة تسهيل الدعارة أيضًا.

كما تجدر الإشارة إلى أنه كان يجب مراعاة تفسير كافة المصطلحات والعبارات التي تضمنها القانون من خلال لائحته التنفيذية[20]. ومحاولة التفرقة بينها وبين المصطلحات الواردة بالقوانين الجنائية الأخرى. وهو الأمر الذي لم يحدث، حيث جاءت اللائحة خالية من أي شروحات لعبارات مثل "الاستغلال الجنسي" أو "العمل القسري" أو "الرق والإستعباد" أو حتى أن توضح ما هو المقصود "بالأعضاء البشرية" التي لا يجوز الإتجار فيها على سبيل الحصر، مما يهدد أن تظلّ تلك النصوص حبرًا على ورق، لسهولة التهرب من إصباغ تلك الأوصاف نظرًا لعدم تعريفها بشكل يقطع الشك عن أي تفسيرات أخرى.

وقد ظهرت تلك الإشكالية في أحد أحكام محكمة النقض، بعدما أُدين مجموعة من المتهمين "بالإتجار والتعامل مع أشخاص طبيعيين بقصد استغلالهم في الحصول على دمائهم وبيعها". وقد ارتكز دفاع المتهمين في هذه القضية على "أن الدم سائل ولا يقطع من الجسم ومن ثم عدم انطباق أحكام القانون رقم 64 لسنة 2010 بشأن مكافحة الإتجار بالبشر". تبعا لذلك،  أرتأت المحكمة إحالة الموضوع إلى لجنة فنية لبحث الموضوع[21].

 

خاتمة

تعتبر ظاهرة الإتجار بالبشر هي إحدى الظواهر العالمية التي يحاول المجتمع الدولي مكافحتها بقدر الإمكان كما أشرنا في صدر هذا المقال. كما يجب الإلتفات إلى أن وجود قانون جيد يحاول الحد من ظاهرة بعينها ليس هو الحل السحري والوحيد الذي من خلاله سيتم القضاء على مثل هذا النوع من الجرائم، بل يتطلب الأمر الكثير من خطط العمل والاستراتيجيات الوطنية والدولية لتحقيق مزيد من النتائج. بالإضافة إلى تكثيف الجهود مع الدول التي تنشط فيها تلك الظاهرة أكثر من غيرها. وفي مصر، يتضح لنا من الإطار القانوني المذكور إلى جانب تعامل المحاكم مع هذه الجرائم؛ أن الأمر يقتصر فقط على محاولة الوفاء بالالتزمات الدولية التي تم التوقيع عليها وذلك من خلال  إصدار قانون بمعايير مقبولة دوليًا، وإنشاء ما يسمى ب "اللجنة الوطنیة لمكافحة الإتجار بالبشر" والتي يفترض أنها تختص بالتنسیق على المستوى الوطني بین السیاسات والخطط والبرامج الموضوعة لمكافحة الإتجار بالبشر[22]. ولكن هذه الكيانات هي مجرد كيانات شكلية من أجل التمثيل الدولي وتلقي مزيد من المنح، بينما في حقيقة الأمر لا يوجد أي دور حقيقي لها.

ولمكافحة هذه الظاهرة بشكل جدي، يجب أن تتوافر الإرادة السياسية والتشريعية للإعتراف أولًا بوجود بل وتفشي هذه الظاهرة في صور عدة كما سبق وأن أشرنا إليه. ومن ثم البدء في حملة قومية تهتم برفع الوعي العام لدى المصريين بهذه الظاهرة ومخاطرها، وفي الوقت نفسه وضع خطط حقيقية طويلة المدى لإحتواء مشاكل تفجرت منذ عقود مثل ظاهرة أطفال الشوارع وظاهرة الزواج الموسمي التي انتشرت في أماكن ريفية كثيرة.  

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟

 


[2] اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية / وبروتوكول منع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، المكمل للاتفاقية.- ويعرف أيضًا بأسم "بروتوكول باليرمو" - تم التصديق عليهم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 25 الدورة الخامسة والخمسون المؤرخ في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000.

[3] قانون نموذجي لمكافحة الإتجار بالبشر، أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في عام 2010 ليكون دليل إسترشادي للدول الأعضاء عند كتابة تشريعاتها الوطنية فيما يتعلق بذات الموضوع.

[4]  قرار رئيس الجمهورية رقم 295 لسنة 2003 بشأن الموافقة على بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص – الجريدة الرسمية – 9/9/20041.

[5] يراجع/ سعدية شعيب - الإقتراب منهم ممنوع.. عائلات الزواج الموسمي – موقع جريدة الأهرام – 131/1/2014.

[7]  أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار يوم 30 تموز/ يوليه اليوم العالمي لمكافحة الإتجار بالأشخاص في قرارها رقم A/RES/68/192.

[8] يراجع نص المادة (2) من القانون رقم 64 لسنة 2010.

[9]  يراجع المرجع رقم (2) ورقم (4) / المادة (3/أ) من البروتوكول التي تعرف جريمة الإتجار بالبشر.

[10]  يراجع/ ورقة مناقشة عن مفهوم "الاستغلال" في بروتوكول الإتجار بالأشخاص – مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (فيينا) – 2015.

[12] يراجع نص المادة (6) من القانون رقم 64 لسنة 2010.

[15] يراجع نص المادة (23) من القانون رقم 64 لسنة 2010.

[16] قانون رقم 10 لسنة 1961.

[17]  مادة (7) من قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961.

[18] يراجع/ المرجع رقم (11) – ص9.

[19] راجع حكم رقم 6772 لسنة 82 قضائية – الصادر في 14/11/2013 – محكمة النقض المصرية.

[20] صدرت اللائحة التنفيذية للقانون بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3028 لسنة 2010 الصادر في 30/11/2010.

[21]  أحكام غير منشورة - محكمة النقض - جنائي - الطعن رقم 14764 - لسنة 83 قضائية - تاريخ الجلسة 5-6-2014.

[22] يراجع نص المادة (28) من القانون رقم 64 لسنة 2010.