في قرارها الصادر بتاريخ 9 أيار 2018 باتهام شخصين بالإتجار بالبشر، تميزت الهيئة الإتهامية في بيروت ليس فقط بأنها طبقت قانون معاقبة الإتجار بالبشر على العمل القسري بحق عامل سوري، ولكن أيضا أنها مضت في اتهامها رغم تراجع هذا الأخير عن شكواه. فماذا في التفاصيل؟

 

عام ونصف العام، تحمّل السوري "م.س.ي"، يعمل كسنكري، ممارسات "ع.ح.س" خلال عمله لديه في بناء منزله في بلدة البرجين في الإقليم. كان "م.س.ي" يشتغل كل شيء لدى صاحب عمله: في أعمال "البيتون"، السمكرية والتنظيفات و"العتالة". عمل عنده أيضاً في إيصال إشتراكات المياه في مشروعه الخاص في مخيم شاتيلا في بيروت. عام ونصف العام كان "ع.ح.س" يعامل "م.س.ي" معاملة سيئة ويستعبده ويبقيه للعمل بعد انتهاء دوامه، ويعامله بشدة، كما كان يحجز جواز سفره. في إحدى المرات أقدم صاحب العمل هذا على حجز جواز سفر العامل "م.س.ي" بحجة أن أشقاء الأخير لم يكملوا الأعمال المتفق عليها لديه. لم يسترجع العامل السوري جوازه إلا بعد أن دفع ل"ع.ح.س" مبلغ 400 دولار أميركي.

كل هذا لم يكفِ صاحب العمل، بل عمد إلى ملاحقة "م.س.ي" عندما قرر التوقف عن العمل عنده، بهدف إعادته وإن بالقوة. وعليه، عمد وبمساعدة صديق له يدعى "ب.م.خ" على اعتراض طريق "م.س.ي" في منطقة الروشة، خلال عودته من الورشة التي يعمل بها في شارع بليس، وأرغماه عنوة على الصعود معهما على متن دراجتهما النارية. ومن الروشة، اختطفاه وتوجها به إلى منزل صاحب عمله الأول "ع.ح.س" في طريق الجديدة، حيث وجها له كلاماً بذيئاً وقدحا وذما وهدداه بوجوب العودة إلى العمل لدى الأخير.

وبعد احتجازه نحو ساعتين، احتجز الخاطفان جواز سفر العامل، ونقلاه على متن الدراجة النارية عينها إلى منزله في محلة الأوزاعي. وقبل إنزاله، أعلماه أنه في حال لم يعمل لدى "ع.ح.س" مجدداً، سوف يخبرون مؤجريه من آل عساف في الأوزاعي أنه ينتمي إلى جبهة النصرة، وهو تنظيم إرهابي، ليقوموا بذبحه. وأمهل الخاطف العامل السابق لديه مدة أسبوع لترك عمله والعودة إلى العمل لديه، واعداً إياه بإعادة جوز سفره عند مباشرته العمل من جديد، ثم أطلقا سراحه. 

لكن السوري "م.س.ي" لم يسكت. توجه في اليوم التالي وأعلم دورية لمعلومات بيروت الأولى بما تعرض له، فاصطحبته إلى مركز فصيلة الروشة، حيث أكد كل ما رواه، وادعى على "ع.ح.س" وصديقه "ب.م.خ".

ولدى استماع محقق الفصيلة إلى المدعى عليه "ع.ح.س"، صرح أنه كان وصديقه المدعى عليه أيضاً "ب.م.خ" قرب مقهى "الباي روك"، عندما شاهد المدعيّ يمر من أمامه على متن دراجة نارية، فطلب من صديقه (من "ب.م.خ") أن يتبعه على متن دراجته النارية، ففعل، وتمكنا من إيقاف "م.س.ي" أمام مقهى "الغراند كافيه". وبعدما طلبا من صديق المدعي الذي كان برفقته على متن الدراجة النارية متابعة طريقه، أمسك ب "م.س.ي" وطلب منه الصعود معه على متن الدراجة النارية، لافتا إلى أن المدعي رفض الصعود على الدراجة، وأنه ألحّ عليه فإنصاع وامتطى الدراجة. وأفاد "ع.ح.س" أن "م.س.ي" وعده بالعودة للعمل معه، خاصة أيام السبت والأحد لإنهاء العمل في "فيلته" في البرجين. وردّ احتجازه لجواز سفره "لكي لا يخلف المدعي بوعده"، خاتماً بأنه أوصله بعد ذلك إلى منزله في محلة الأوزاعي لكي يتعرف الى مكان سكنه".

أما شريك صاحب العمل "ب.م.خ" وبرغم اتصال القائم بالتحقيق به مرات عدة، طالباً منه الحضور لاستماعه، ووعده له بالحضور، إلاّ أنه تخلف عن المثول. 

هذه الوقائع وردت في قرار الهيئة الإتهامية في بيروت المؤلفة من القضاة. وعلى أساسها، رأت الهيئة الاتهامية أنه من البيّن إقدام المدعى عليهما "ع.ح.س" و"ب.م.خ" على اختطاف المدعي "م.س.ي" بالقوة وتهديده واحتجازه لمدة من الوقت وحجز جواز سفره، بهدف استغلاله من خلال إجباره على العمل القسري لدى المدعى عليه "ع.ح.س". ولذلك قررت الهيئة بالإتفاق إتهام المدعى عليهما بجرم الإتجار بالبشر، وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحق كل منهما، وإحالتهما إلى محكمة الجنايات في بيروت لأجل محاكمتهما بما اتهما به، وإحضارهما إلى محل التوقيف الكائن لديها. 

 

  • نشر هذا المقال في عدد | 56 | تموز 2018،  من مجلة المفكرة القانونية. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

         هل حقا نريد ردع الإتجار بالبشر؟ هل حقا نريد حماية ضحاياه؟