تعرض "المفكرة القانونية" شهادة شاب لبناني كان من أوائل الذين خبروا معاملة لجنة مكافحة المخدرات، على إثر توقيفه لحيازته لمادة مخدرة مع رفيقين له. وأهمية الشهادة أنها تبرز على طولها أوجها عديدة للباطن غير الرسمي أو العرفي أو الشخصي للمولجين بتنفيذ عملية التأهيل المنتظرة منذ أكثر من 15 سنة، باطنٍ قد يحجب الغاية المرجوة من قبل المشرِّعين. فيحير القارئ أمام تصور ما قد تكون نتيجة "الهمروجة" التي تتسم بها ماكينة التنفيذ، وهي حقاً "همروجة" وبالمعنى الموضوعي إذ أن احدى القنوات التلفزيونية اعتمدت عملية التوقيف مادةً لبرنامج خاص بها. توقيف خارج عن الأصول، تعذيب، رشوة، اعتباطية، "واسطة"، طول احتجاز بما لا يجيزه القانون، ويضاف إلى ذلك ما يبدو أنه انتظام طفيلي جديد على ظهر الدولة.  قد يطرف القارئ أن يرى في هذا المشهد أن صاحب الشهادة ممن صنفتهم الدولة بالمحتاجين للعناية يظهر قدرة إدراك لما يجري من حوله تنبع من وعي لا شك أنه يفوق وعي المعنيين بمعالجة ملف الإدمان. قد يقرفه بالمقابل حقيقة أن هذا الوعي ليس هو إلا ضمير ألفه وغيره من اللبنانيين أمام مصائبهم، وأن هذه المصائب لن تتراجع عما قريب، إن لم تنبعث من حيث وجب أن تنتهي (المحرر).
SHOWأمني
كنت أتمشى في الجميزة ليلا مع صديقين ذوَي مظهر غير اعتيادي (شوي جيبسي)، حين انقض علينا 5 أشخاص بثياب مدنية، وكانت معهم كاميرا تسجيل شبيهة بكاميرات التلفزيون، علمنا لاحقاً أنها تابعة لمحطة الـMTV التي كانت في صدد تسجيل برنامج بشأن عمل الشرطة. قالوا إنهم من دورية الاستقصاء وكانوا يتصرفون وكأنهم في استعراض SHOW، وكأنهم أبطال يعملون على إنقاذ البلد. حين عمدوا الى تفتيشنا، أخرجوا من جيوبنا قطعة حشيش لا أذكر أني رأيتها بحياتي. وقد صرحت مرارا أمام المحققين أنها لم تكن معي، لكن لا أحد يريد أن يسمع. كنت مستسلما لهم فيما كان صديقي غاضبا، ما سبّب له الكثير من العنف، وذلك بعد وضع "كلبشات" في أيدينا في طريقة جد استعراضية. واقتادونا من ثم الى المخفر. وهنالك، زاد "الخبيط" كثيرا. يعني في الشارع، كان في تدفيش وعنف لغوي، أما في المخفر، فقد اشتد الضرب، ما أدى الى إدماء وجهه. وكان يقع ثم يقف ويصرخ فيعاد ضربه فيقع مجددا. وربما وقع ثم وقف أكثر من 15 مرة. وقد استمر الضرب على ما أعتقد حوالي الساعة، كل ذلك على مسمعنا، إذ كنا مكلبشين وكان صراخه يملأ المكان. بعد ذلك، احتُجزنا في مخفر الجميزة لليلتين ثم نُقلنا الى حبيش حيث مكثنا ثلاث ليال.
خلال الاحتجاز، قابلنا ثلاثة شباب، أحدهم قاصر، من برج حمود أخبروني القصة نفسها أي أنهم كانوا يصورون واقعة القبض عليهم.
التحقيق
قد حقّق معنا على ما أذكر في الجميزة أشخاص جاؤوا من مكتب المخدرات، لكني لست متأكدا. وقد ثبت تعاطيّ للحشيشة فور إجراء فحص للبول. ورغم ذلك، كان التحقيق معنا مهينا. فهم يريدون أن يعرفوا مع من أتعاطى ومن زودني بالمادة. يطرحون الأسئلة نفسها مرارا ويوحون لي بأن أصدقائي قد أدلوا بتصريحات ضدي لأدلي بما لدي ضدهم. ومنذ ذلك الحين، ينظر إليّ أصدقائي وكأني خائن أو جبان. ثم يبحثون في الأرقام على هاتفي. وقد وجدوا رسالة نصية موجهة الى أحد أصدقائي أطلب منه فيها تسهيل الاتصال بالمروج. وفي حبيش، جلبوا صديقي فانضم الينا بعدما ثبت أنه يتعاطى من خلال فحص البول. بالمقابل، لم يتم القبض على المروج وأظن أنه من الأشخاص الذين يتمتعون بحصانة معينة.
الخروج من حبيش
قبل يوم من خروجنا، أعادوا فتح المحضر، وقالوا لنا: إذا كنتم تريدون الخروج، فعليكم الخضوع لعلاج في ضهر الباشق، فوافقنا. إلا أنهم عادوا وردونا الى الزنزانة، وأخبرنا صديقي الذي وجدوا رقمه على هاتفي، أنها قربت. وعرفنا منه أن والده قد دفع مبلغ 2500 دولار أميركي لإخراجنا. والمبلغ سدد ليس لإغلاق الملف إنما لأخذنا الى قصر العدل. فهنالك عشرات المحتجزين وهم لا ينقلون إلا عددا قليلا منهم يوميا.
لجنة مكافحة الإدمان: إجراءات جديدة
وهكذا، بعد خمسة أيام احتجاز، أقلتنا حافلة والقيود في أيدينا الى وزارة العدل (الطابق الخامس)[1]. استقبلتنا هنالك سيدة وكان معها دركي وشخص آخر لا أعرف صفته. وقعت على ورقة وعليها كل التفاصيل عن اسمي ومتى ولدت ومنذ متى بدأت التدخين، وكم مرة كنت أدخن أسبوعيا؟ ثم سألت إذا كنت أرغب بأن أخضع لعلاج. فقلت نعم، مع علمي الكامل بأنه "ما بدها هلأد".. فأنا لست بحاجة الى علاج، وقد وقعت ويداي في القيود. وكنت فهمت أثناء سوقنا من أقارب أصحابنا أن هناك إجراءات جديدة. بعد ذلك، أطلقوا سراحنا وأعلمونا أن علينا التوجه فورا الى ضهر الباشق. كنا هنالك عند الساعة الثانية بعد الظهر، إلا أنه تعين علينا الانتظار هنالك حتى الساعة الثامنة والنصف ليلا حين وصول الطبيب المختص (طبيب اللجنة). كنا حوالي 12 شخصا ومن بينهم حوالي 5 شباب تحت 18 سنة من تلاميذ الليسه (GLFL). وكنا ندخل للخضوع لمعاينة الطبيب الواحد تلو الآخر، وكنت من أواخر الذين تم استقبالهم. وكانت المعاينة تستغرق ما بين خمس وعشر دقائق. ومعي، لم تستغرق الزيارة أكثر من 5 دقائق. وسألني الأسئلة نفسها (منذ متى أتعاطى؟ وما هو المخدر الذي أتعاطاه؟ ومتى كانت آخر مرة تعاطيت المخدرات؟) كما أخذ عينة من البول لإجراء فحص. وقد سدد كل واحد منا مبلغ 80 دولارا أميركيا، بدلا للمعاينة. بعد ذلك، جرى الاستماع اليّ مجددا من قبل اللجنة التي اتخذت على ضوء تقرير طبيب ضهر الباشق قرارا خطيا بأني لا أحتاج الى علاج من الارتهان الجسدي، إنما فقط لعلاج من الارتهان النفسي، طالبين مني التردد مرة كل أسبوعين الى طبيب نفسي اجتماعي، على أن يكون الخيار محصورا بين الطبيب الذي عاينني في ضهر الباشق نفسه وطبيب آخر. وقد اخترت الذهاب لدى الطبيب الآخر، فترددت عليه مرات عدة. وبعد أول زيارة لدى هذا الأخير، طلب مني أن أسدد له مبلغ 100 دولار أميركي بالرغم من أنني أبرزت له ورقة من اللجنة تفيد بأنني محال اليه منها، ومن ثم سددت له مبلغ 50 دولارا أميركيا عن كل زيارة إضافية، وقد قال لي إن ما أدفعه لديه يعوضه لي الضمان الاجتماعي لاحقا، وبالطبع هذا الأمر غير صحيح.
كما تم استدعائي للمثول أمام قاضي التحقيق. في أول مرة، انتظرنا أمام بابه من الساعة 9 حتى الساعة الواحدة بعد الظهر. ثم كان هناك جلستان أخريان انتظرنا فيهما المدة نفسها تقريبا. لم يتم سؤالنا خلالها بتاتا عن العلاج الذي كنا نخضع له. ولست متأكدا مما إذا كان قد أصدر القاضي قراراً بوقف التعقبات أم لا. أيام تذهب عالفاضي.
نُشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية

[1]مكتب لجنة مكافحة الإدمان الذي تم تخصيصه لها في كانون الثاني 2013.
الصور مأخوذة من موقع جريدة الأخبار