"نعيش اليوم في عالم لا يستطيع فيه القاضي الفرد مهما اوتي من شجاعة وعزيمة ان يدافع عن استقلاله وان يصمد في مواجهة محاولات التأثير عليه في قضائه. ومن هنا، كان تجمع القضاة هو حصنهم ومنطلقهم لرد اي عدوان على استقلال القضاء.. واني آمل في تحقيق امرين بالغي الأهمية: اولهما ان يقيم القضاة في كل بلد عربي –بمحض ارادتهم ومبادرتهم- تجمعهم تحت اي اسم كان: اتحاد/ نادي/ جمعية/ ودادية، ليوثقوا من خلاله عرى الاخاء والتضامن بينهم على اساس الانتماء الى القضاء وحده دون غيره من الوان الانتماء. والثاني، ان يرى النور مشروع القاضي هشام البسطويسي لاقامة اتحاد القضاة العرب... لعلنا بحاجة لندوة قادمة لنتدارس فيها ونتواصى بالعمل ونتواصى بالحق، ونتواصى بالصبر.."
هذه الكلمات وردت في مقدمة حسام الغرياني لكتاب "حين تجمع القضاة: دراسة مقارنة لبنان، مصر، تونس، المغرب، الجزائر، العراق" (المنشورات الحقوقية، صادر، 2009) الذي جمع اعمال المؤتمر الذي انعقد في تشرين الأول 2008 تحت العنوان نفسه. وكان المؤتمر قد خصص لاستعراض التجمعات القضائية الحاصلة في العالم العربي، وذلك على خلفية "الوقفة الاحتجاجية" التي بادر اليها اعضاء نادي القضاة في مصر في 2005. وبالطبع، لهذه الامنيات اليوم حظوظ اكبر بالتحول الى واقع بعدما اصبح الغرياني رئيس مجلس القضاء الاعلى في تموز 2011 اي بعد اشهر من انطلاقة الثورة المصرية. وهكذا انتقل معه الخطاب الاصلاحي المنبثق من القضاء من موقع المطالبة والاحتجاج الى مواقع القرار. وقد تجلى ذلك من خلال مبادرة المجلس الى تعيين لجنة لوضع مسودة اولى لتعديل قانون السلطة القضائية، استعادت ابرز التعديلات التي كان نادي القضاة طالب فيها في مشروعه المؤرخ في 2004 ورفضت وزارة العدل الأخذ بها في التعديل الحاصل في 2006 (عن هذا الامر، يراجع فتوح الشاذلي، التحرك الجماعي للقضاة في مصر، في "حين تجمع القضاة").
ومن ابرز التعديلات المقترحة تضمين القانون بابا خاصا بنادي القضاة. ومن ابرز احكامه ليس فقط الاعتراف به كمؤسسة مهنية، انما بالاخص بدوره في ضمان استقلالية القضاء. وكانت وزارة العدل قد رفضت الأخذ بهذا المطلب في 2006 بحجة ان القانون ينظم السلطة القضائية وليس نادي القضاة من تشكيلات هذه السلطة التي تقتصر على المحاكم انما هو كأي تنظيم مهني يخضع لرقابة وزارة الشؤون الاجتماعية (الشاذلي)، وذلك على خلاف موقف القيمين على النادي آنذاك والذين رأوا انه "شأن من شؤون القضاة، يعبر عنهم ويدعم استقلالهم ويراعي مصالحهم" و"ان استقلاله هو جزء من استقلال القضاء". وقد طالب هؤلاء تبعا لذلك بضمان استقلاليته فلا يخضع لا للوزارة ولا لمجلس القضاء الأعلى انما فقط لجمعيته العمومية اي اعضائه من قضاة عاملين ومتقاعدين (الشاذلي).
وقد انحازت المسودة بشكل كامل الى هذه القراءة الأخيرة. فاهدافه تشمل ليس فقط توثيق رابطة الاخاء والتضامن بين القضاة واعضاء النيابة العامة العاملين والمتقاعدين وتيسير سبل التعارف والاجتماع فيما بينهم ورعاية مصالحهم، انما ايضا وبشكل خاص دعم استقلاليتهم. لا بل ان المسودة ذهبت ابعد من ذلك، بحيث منحت نادي القضاة صلاحية اساسية مفادها دعوة مجلس القضاء الأعلى للانعقاد للنظر في مسائل معينة، وهي صلاحية ذات رمزية عالية: فان يكون له حق مماثل، يؤشر الى الاهمية المعقودة عليه في توجيه اعمال مجلس القضاء الاعلى وتصويبها عند الاقتضاء. ولهذه الغاية، نصت المسودة على ضمان استقلالية النادي من الناحية الادارية، فهو يتمتع بشخصية ادارية عامة ولا يخضع لأي جهاز اداري او قضائي، انما فقط لجمعيته العمومية وفق اقتراح 2004، وهي الجمعية التي تتولى اقرار نظامه الاساسي. كما نصت على ضمان استقلاليته المالية، وهي تتحقق من خلال تخصيصه بموارد مالية من الموازنة المخصصة للسلطة القضائية، فضلا عن منحه اعفاءات ضريبية. واهم من ذلك كله هو إلزام النادي "بتقديم تقرير سنوي يبين فيه ما قام به في سبيل دعم استقلال القضاء وتمكين القضاة من اداء رسالتهم في حماية حقوق المواطنين وحرياتهم"، على نحو ينبه القيمين عليه الى مهامهم الاساسية التي هي دعم استقلال القضاء حماية لحقوق المواطنين وحرياتهم ويحتاط ازاء انصرافهم عنها او تنكرهم لها.
ومن خلال هذه الجوانب من المسودة، يظهر بوضوح تمايز الخطاب القضائي المصري في هذا المجال: فهذا النادي الذي وقف في وجه مذبحة القضاء (1969) وفي وجه التزوير الانتخابي في 2005، فشكل في مراحل عدة من تاريخه احد ابرز اشكال مقاومة القضاة ازاء النظام الديكتاتوري، يبقى اداة اساسية لضمان استقلالية القضاء في جمهورية ما بعد الثورة. انها ذاكرة الماضي، ذاكرة حبلى بالتدخلات والمقاومات، تترك بصمات واضحة في نصوص هذه المسودة وتوجهاتها، وسط آمال لا يخفيها واضعوها في تردد اصدائها على طول العالم العربي، تماما كالثورة.    
 
مقترحات اخرى
1- إلزام مجلس القضاء الأعلى بأن يصدر قرارا ينشر في الجريدة الرسمية يبين فيه إجراءات تعيين المعاونين و ضوابط اختيارهم، على نحو يحقق المساواة بين المتقدمين و يضمن تثيبت الثقة العامة في جدية وسلامة إجراءات اختيارهم ولا يجوز تخطي صاحب الدرجات الأعلى لغيره في الكلية ذاتها إلا لمبرر واضح يسجل بملف طلبات التعيين، باعتبار أن أهم ضمانات استقلال القاضي تبدأ من سلامة اختياره،
2- تفعيل دور الجمعيات العمومية للمحاكم، والتي تضم مجمل القضاة العاملين فيها، وذلك من خلال تضييق امكانية منح تفويض لرؤسائها. فاختصاص توزيع العمل تمارسه هذه الجمعيات العمومية دون امكانية تفويض رئيسها بذلك، فلا يسند لقاض بعينه النظر بقضية بعينها. كما لا يعين قاض في منصب نائب عام او في منصب رئيس محكمة ابتدائية الا اذا وافقت الجمعية العمومية لمحكمته او لآخر محكمة جلس فيها على ترشيحه بالتصويت السري، 
3- توسيع اختصاص مجلس القضاء الأعلى ليشمل الدفاع عن استقلال القضاء وتيسير إجراءات التقاضي وكفالة حق المواطنين في اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي، وإلزامه بكتابة تقرير عن معوقات العدالة وانتهاك حريات المواطنين وحقوقهم يرسل إلى مجلس الشعب ومجلس الوزراء والمحاكم ونادي القضاة،
4- إلغاء سلطة وزير العدل في شأن دعوى التأديب و دعوى الصلاحية لمنع تدخل السلطة التنفيذية سواء لحماية البعض أو تهديد آخرين ونقل تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى بدلا من وزير العدل، فضلا عن تقليض صلاحياته في مسائل اخرى عدة،
5- إدارة خاصة للإشراف على تأمين المحاكم و المعاونة في تنفيذ الأحكام وفقا لتوجيهات رئيس المحكمة المختص على نحو يصون حقوق المتقاضين،
6- ضمان حق المساعدين القضائيين في انشاء نقابات وجمعيات تتولى توثيق رابطة الاخاء والتضامن بينهم ورعاية مصالحهم وسائر شؤونهم الوظيفية والاجتماعية وفقا لأحكام القانون وتحفيزهم على ممارسته برعاية مجلس القضاء الأعلى.