بتاريخ 7/11/2018، ردّت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت هالة نجا الاستدعاء الذي كانت قدمته الإعلامية ريما كركي بوجه زياد عيتاني، على خلفية تهيؤ هذا الأخير لعرض مسرحية في نهاية الأسبوع الحالي، تحت اسم "وما طلت كوليت". ويذكّر أن المسرحية المذكورة هي اقتباس عن المظلمة الهائلة التي تعرض لها المسرحي عيتاني طوال أربعة أشهر من جرّاء اجراءات التوقيف والتحقيق والمحاكمة والتسريب الإعلامي على خلفية اتهامه زورا بالعمالة مع اسرائيل. وقد انتهت هذه المظلمة التي أدى فيها أدوارا سلبية جهاز أمن الدولة وقضاة وإعلاميون (من أبرزهم الإعلامية ريما كركي)، من دون أي محاسبة.

وبالعودة إلى استدعاء كركي، يسجل أنه تضمن مطلبين:

  • الأول، مطلبها بإلزام عيتاني بتعديل الإعلان الترويجي للمسرحية بحيث لا يتضمن أي إشارة أو صورة إليها. وإذ ينص القرار على أن الصور التي تظهر فيها كركي هي بالواقع مقتطفات من حلقة كانت خصصتها لقضيته وهي حلقة ما تزال متاحة للجمهور من دون إضافة أو تحوير، نفهم أن هذا المطلب هدف بالواقع إلى منع عيتاني من تذكيرها بما كانت فعلته، وبكلمة أخرى من إشهار المرآة بوجهها. فكأنها تعلن من خلال طلبها أن مجرد تذكيرها بما فعلته أو ارتكبته بحقه، إنما يشكل إساءة إليها. وهذا ما استند إليه القرار لينتهي إلى القول بأن الإساءة المدعى بها لا تشكل إساءة وشيكة أو غير مشروعة، وأنه ليس للقضاء المستعجل بغياب هذا الإساءة تقييد حرية سامية يضمنها الدستور والشرعة الدولية للحقوق المدنية والسياسية، كحرية التعبير والإبداع المسرحي.
  • أما مطلب كركي الثاني، فقد تمثل في إلزام عيتاني بتسليمها نسخة عن سيناريو المسرحية أو الأجزاء التي تناولتها. وإذ أجاب عيتاني أنه ليس للمستدعية أي صفة للمطالبة بذلك وخصوصا أن المسرحية حصلت على رخصة من رقابة الأمن العام وأن طلبا كهذا يتعارض مع حق الملكية، انتهى القرار إلى ردّه أيضا على أساس أنه يشكل شكلا من أشكال الرقابة المسبقة وتقييدا غير مبرر لحرية التعبير المسرحي.

هذا القرار يستدعي الملاحظات الآتية:

 

أولا، تغليب حرية التعبير والمساءلة على الحق بالشرف

عند التدقيق في حيثيات القرار، نتبين أنه يشكل نموذجا جديدا عن توجه القضاة إلى الموازنة بين حرية التعبير والمساءلة وحق الأفراد بالشرف، عند النظر في طلبات مماثلة. ولغاية هذه الموازنة، عمد القاضي إلى قياس الحريات والحقوق المتنازعة في كفتي الميزان:

فمن جهة أولى، أكّد على القيمة القانونية لحرية التعبير والمتمثلة في المادتين 13 من الدستور و19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وقد اعتبر في هذا المجال التعبير المسرحي، بما فيه الكوميدي، مشمولا بحرية التعبير. ولدى استعراض حيثيات القرار، يظهر أن القرار أضاف ولو ضمنا إلى كفة الميزان وظيفة حرية التعبير في المساءلة والمحاسبة. وهذا ما نتبينه بوضوح من خلال تأكيده بأن الصور المنشورة في الإعلان الترويجي هي مجرد مقتطفات من حلقة قدمتها المستدعية ولا تزال متاحة للجمهور. فحيثية القرار هذه إنما تؤشر إلى أن القاضية اعتبرت أن أي إساءة قد تكون قد استشعرتها المستدعية، إنما تكون نتجت عن تذكيرها بما فعلته، وتاليا عن مساءلتها عما فعلته. وكان بإمكان القاضية أن تضيف إلى كل ما تقدم وجود مصلحة عامة في إجراء هذه المحاسبة، بالنظر إلى الضرر الكبير الذي تسببت به أفعال المستدعية.

أما الكفة الثانية من الميزان، والتي تمثلت بالحق بالشرف، فإنها خرجت شبه خالية. فإذ أكد القرار أن الصور المشكو منها هي مقتطفات من عمل المستدعية، فإنه سارع إلى استخلاص غياب أي إساءة لحقوق المستدعية من جراء ذلك. ونلحظ أنه انتهى إلى هذه النتيجة بمعزل عما تضمنته هذه الحلقة أو بينته هذه الصور. ويفهم من ذلك أنه اعتبر أن تذرع المستدعية بأن مجرّد تذكيرها بما فعلته أو إشهار مرآة بوجهها إساءة، إنما يشكل حجة غير مشروعة، تماما كما يكون من غير المشروع التذرع بالشرف لمنع الحديث عن وقائع ثابتة من الماضي أو منع المحاسبة أو الملاحقة.

فربما تكره الإعلامية التذكير بما فعلته بحقّ عيتاني (وهو أمر طبيعي أن يكره الشخص التذكير بما ارتكبه من أخطاء أو بكل ما ليس في صالحه)، ولكن كرهها هذا إنما ينم عن كره لمساءلتها حول نشاطها الإعلامي وهو كره شخصي، غير مشروع لا يمكن أن يترتب عليه أي نتيجة قانونية. فعلى فرض أن ثمة إساءة تستشعرها المستدعية من جراء ذلك، فإنها إساءة تسببت هي بها لنفسها ومن الطبيعي إذ ذاك أن تتحمل وزرها.

الموازنة المعتمدة من المحكمة لردّ المطلب الثاني أدت إلى نتيجة مشابهة. ففي هذه الحالة، جلّ ما أثارته المستدعية هو مخاوف من تضمين المسرحية مقاطع مسيئة لها، فيما أن التدبير المطلوب هو تمكينها من الاطلاع على سيناريو المسرحية وتاليا إعطاءها ما وصفته المحكمة بحق الرقابة المسبقة، تمهيدا لرده.

 

ثانيا، التعاطف مع الضحية يوليها حرية تعبير أوسع

عطفا على ما سبق، اعتمد القرار اتجاها مماثلا لقرار الرقيب الأمني بمنح رخصة عرض المسرحية، بحيث شكل دليلا آخر على التعاطف الرسمي مع ما تعرّض له عيتاني من جراء الأخطاء الأمنية/ الإعلامية/ القضائية المرتكبة بحقه. ويعكس هذان القراران اتجاها إلى تعزيز حرية الضحية بالتعبير أو على الأقل حرجا إزاء أي تعرض إضافي لها يضاف إلى ما كانت تعرضت له.

وما يزيد من قابلية موقف المستدعية للنقد هو أنها أتت تطالب عيتاني بالصمت، من دون أن تضمّن استدعاءها أي اعتذار من جرّاء الإساءة التي ارتكبتها بحقه. وموقفها يتلاقى في هذا الإطار مع مواقف وسائل إعلامية أخرى، ذهبت إلى حدّ انتقاد قرار الأمن العام بإعطاء رخصة عرض المسرحية، معتبرة إياه بمثابة سعي إلى إضعاف جهاز أمن الدولة.

 

ثالثا، انقلاب الأدوار النمطية بين الإعلام والقضاء

ختاما، تجدر الإشارة إلى أن القرار أتى بمثابة شاهد على انقلاب الأدوار النمطية بين الإعلام والقضاء والتي غالبا ما صورت الإعلام على أنه حصن لحرية التعبير، والقضاء على أنه عائق أمامها.

فخلافا لهذه النظرة النمطية، شهدنا في هذه القضية إعلامية تطالب بفرض خطوط حمراء على العمل المسرحي، وبمنع التداول بكل ما يخصها، وصولا إلى منع إحدى ضحاياها من توجيه أي ملامة أو انتقاد إليها. بالمقابل، بدا دور القضاء مناقضا لذلك تماما كما سبق بيانه، بحيث أعلن تمسكه بسمو حرية التعبير إلى جانب تمسكه بحق الضحية بالمحاسبة. من هذه الزاوية، تمنحنا تفرعات قضية زياد عيتاني مناسبة جديدة للتفكّر في أخلاقيات الإعلاميين ووسائل الإعلام.