انطلق مؤخرا شعار: لا للقمع وذلك احتجاجا على الاستدعاءات المتكررة لناشطين على خلفية ما صرحوا به على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد استدعي هؤلاء عموما بناء على إشارة النيابة العامة، للتحقيق في مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية.

في موازاة ذلك، صدرت عدد من البيانات عن منظمات حقوقية تضمنت جردة لعدد الأشخاص الذين تمت ملاحقتهم على خلفية تصريحات مماثلة. وقد أرسى هذا الأمر انطباعا مفاده أن القمع يستهدف بشكل خاص ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي، مع ما استتبع ذلك من تركيز على الأساليب "القمعية" للمكتب المذكور. ومن دون التقليل من أهمية هذا المعطى، فإن التدقيق في مآل هذه الاستدعاءات يظهر أنها لا تعدو كونها وسيلة إضافية لتمكين "النظام السائد" من تدعيم دعائمه (ربما ترميمها)، وهي وسيلة يفرضها التطور التقني الذي مكّن العامة من التعبير عن الرأي بعدما كانت هذه وسائل التعبير محصورة من قبل في أيادٍ معينة، يسهل إخضاع أعضائها طوعا أو قسرا لمقتضيات النظام السياسي. فما هو هذا النظام الذي ما فتئ يتهدد الديمقراطية اللبنانية، وبخاصة حرية التعبير فيها؟ وما هي أبرز الوسائل التي يعتمد عليها؟

ما نحاول فعله في هذا العدد هو إعادة رسم صورة كاملة أكثر موضوعية، الأهم التصويب على أساليب القمع التي لا تقل خطورة عن الاستدعاءات المذكورة وإن كانت أقل ظهورا أو حتى مغيبة عن النقاش العام أو الأخطر موضع تطبيع بمنأى عن أي تشكيك. وخير دليل على هذا الأمر، هو أن التعرض لحرية الموظفين أو القضاة ومنعهم شبه المطلق من التعبير عن آرائهم، لا يلقى أي ردود فعل هامة بل يتم مقاربته وكأنه أمر طبيعي لا يستدعي أي استهجان أو احتجاج. وعليه، ظهر كأنما استدعاء ناشط لمساءلته عن قول معين أخطر من الناحية الاجتماعية من إخراس جميع القضاة وموظفي الدولة. أو كأنه أكثر خطورة من الكشف عن تدخل المعلنين للتأثير على حرية وسائل الإعلام في تغطية الأخبار أو من رسوخ منطق الامتياز في توزيع وسائل الإعلام التقليدية.

ومسعانا إلى ذلك ليس فقط نظريا. إنما هو ضروري لإنجاز تشخيص جيد، تمهيدا لاستشراف الخطوات الأكثر نجاعة.

هذا ما سنناقشه في هذا العدد تحت عنوان" "القمع ليس حيث تنظر"، بمعنى أن القمع لا يقتصر على ظاهر الأمور إنما له جذور أعمق غالبا ما تبقى بمنأى عن الرقابة العامة، فلا نرى منها إلا بعض أثمارها.

 

نشر هذا المقال في العدد | 57 |  تشرين الثاني 2018، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القمع ليس حيث تنظر: نظام المقامات