نجح أساتذة الجامعة اللبنانية من الخروج من الدائرة الضيقة التي يكرسها نظام الموظفين عام 1964، في مطالعة قدمها عميد كلية الحقوق الأسبق إدمون نعيم في ذلك العام إلى مجلس الجامعة. وجاء في المطالعة اجتهاد قانوني يُخرج المادة 15 من التطبيق على الأساتذة الجامعيين، بحسب الأستاذ المتقاعد في الجامعة اللبنانية عصام خليفة. يقول خليفة، أن "ذلك يكرس حق الأساتذة بنشر الأبحاث العلمية والكتب والتعبير عن الرأي في كافة الشؤون، بما فيها من جوانب تغييرية وتطويرية للمجتمعات". ويرى خليفة، أن "حق الأستاذ بالتعبير عن الرأي قد تعزز بفضل توقيع لبنان على توصية "منظمة العمل الدولية" و"اليونسكو" بشأن أوضاع المدرسين الصادرة عام 1966، وتوصية "اليونسكو" بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي الصادرة عام 1997، وبهاتين الوثيقتين يكون الأستاذ الجامعي غير خاضع لنص المادة 15 من نظام الموظفين". يضيف خليفة أنه "للأسف فإن إدارة الجامعة اللبنانية لا تزال تتعامل مع الأستاذ من منطق ذهنية الموظف". ويعطي مثالاً على ذلك المذكرة التي أصدرها رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد أيوب في 20 شباط 2018 إلى عمداء الوحدات والفروع والمراكز الجامعية، لفت فيها إلى أن أساتذة الجامعة هم من الموظفين العامين ويخضعون لقانون الوظيفة العامة[1]. يلفت خليفة إلى أن "القطاع التعليمي الجامعي هو القطاع الأكثر مرونة في تكريس حق حرية الرأي والتعبير انطلاقا من الاجتهاد الذي كرسته مطالعة الدكتور ادمون نعيم، وإلى جانبها المواثيق الدولية".

 مع كل ما تقدم، فإن أي احتجاج يخرج به أستاذ جامعي على الوضع الذي ترسخ تحته الجامعة اللبنانية يتم مجابهته بدعوى قضائية، منها تلك المرفوعة ضد خليفة على خلفية تصريح له حول الادعاء الذي قدمه الدكتور عماد الحسيني ضد أيوب في قضية "تزوير شهادة الدكتوراه". ودعوى أخرى واجهتها الأستاذة في كلية العلوم وفاء نون من قبل المدير الأسبق لكلية العلوم في زحلة د. إبراهيم أبو ملهم، أمام محكمة المطبوعات، إثر مقال نشرته في جريدة "الأخبار" (مسرحية التعاقد في "اللبنانية") لفتت فيه إلى التدخلات السياسية في قرارات مجالس الأقسام الأكاديمية، من حيث إدخال أساتذة من دون المرور بلجان علمية وفق نظام الجامعة، وكيف يؤدي ذلك إلى تدهور الجامعة اللبنانية وضرب مستواها العلمي.

نون التي لا تنكفئ عن أداء دورها في الكشف عن ممارسات التضييق على الأساتذة رغم التضييق الذي تواجهه، تقدم أمثلة على ذهنية الإدارة المتمثلة بالنظرة إلى الأستاذ الجامعي كموظف، وذلك "عبر التضييق على الأساتذة المستقلين والمعترضين على سياسات الإدارة أو على من قاموا بلفت النظر إلى قضية فساد أو خطأ إداري في الجامعة". مثال، "إنقاص ساعات تدريس الأساتذة المتعاقدين دون المرور بالآلية المتعارف عليها وذلك بهدف حشر أساتذة محظيين جدد، الامتناع عن إدراج أسمائهم في اللجان العلمية والرقابية، التمنع عن تأمين التمويل لأبحاثهم، عدم إعطائهم الإذن للمشاركة في مؤتمرات خارجية باسم الجامعة وغيرها من الأمور".

 تلفت نون إلى أن "دور الأستاذ الجامعي يختلف عن سائر الموظفين في القطاع العام، وذلك من ناحية الدور الذي يجب أن يلعبه في التطوير الاقتصادي والاجتماعي والعلمي...". ومن هذا المنطلق تؤكد نون أنه "لا يمكن للأستاذ الجامعي أن يلعب هذا الدور إلا إذا كان يتمتع بالحرية الكاملة، وعلى إدارة الجامعة ورابطة الأساتذة أن يسيروا في خط مواز دفاعاً عن هذه الحريات". إلا أنه وبحسب نون، فإنه "في أكثر من مناسبة يسعى الأساتذة إلى مواجهة أخطاء وقضايا فساد تحصل في الجامعة اللبنانية بكافة السبل أمامهم، من التواصل المباشر مع الإدارات المعنية، إلى توقيع العرائض، إلى رفع كتب رسمية إلى رابطة الأساتذة المتفرغين وإلى الإدارات بالتسلسل الإداري، إلى رفع شكاوى إلى مجلس شورى الدولة... لكن الإدارات المعنية في أغلب الأحيان لا تستجيب للمطالب وكأنها غير معنية بعملية الإصلاح التي أصبحت جد ملحة، وذلك لأنها أتت وفق توزيع للحصص من قبل أحزاب السلطة". لذا بحسب نون "يلجأ من له الجرأة إلى إيصال صوته عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الإعلام، والذي هو حق مكرس لهم بفضل توصيات اليونيسكو والإعلان العالمي للتعليم العالي التي وقع عليها لبنان". تُكمل نون حديثها مؤكدة أن "اللجوء للإعلام ليس بهدف التشهير، إنما هو السبيل الوحيد بعدما استنزفنا جميع الوسائل المتاحة في العمل النقابي". وعليه برأي نون، فإن "إبداء الرأي في الإعلام هو وجه من أوجه العمل النقابي، وفي نفس الوقت هو حرية فردية، وأنا كأستاذة جامعية لي كامل الحق بإبداء رأيي في أي قضية، فماذا لو كانت تتعلق بالمؤسسة العامة التي أعمل فيها". بالتالي فإن نون تعتبر أن "المسألة تتعدى حرية التعبير عن الرأي إلى الواجب المهني في فضح الفساد والمساءلة، وعلى كل أستاذ يعاني من تصدع في ظروف العمل ويبحث عن طرائق لتحسينها أن يقوم بدور المراقبة والمساءلة".

وختاماً تلفت نون إلى أن "من يفترض أن يدافعوا عن الجامعة وعن حقوق الأساتذة، أي ممثلي الأساتذة في مجلس الجامعة ورابطة الأساتذة المتفرغين، يتماهون مع أسلوب السلطة في الوقوف حائلاً أمام وصول الأساتذة لحقوقهم". 

 

نشر هذا المقال في العدد | 57 |  تشرين الثاني 2018، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القمع ليس حيث تنظر: نظام المقامات

 

 


[1] فاتن الحاج. "اللبنانية" الأمر لمن؟ جريدة الأخبار، 26 شباط 2018 https://bit.ly/2Jemvh4