تطول الحكاية ما بين الإعلان الأول المصّور الذي نُشر في جريدة "لسان الحال" التي أصدرها خليل سركيس في القرن التاسع عشر وتحديداً في العام 1877، والصراع الحاصل على حصص الإعلانات بين الإنترنت والمؤسسات الإعلامية المرئية والمكتوبة. حكاية تتداخل فيها التجارة والسياسة وحرية التعبير والدور النقدي الذي تنطحت له الصحافة بداية انطلاقها، وسلطة الإعلان في ضبط جرعة النقد ودوزنته، مع المال السياسي الذي يسدّ العجز ما بين مداخيل الإعلانات وكلفة المحتوى الإعلاني، من جهة، والسلطة المعطاة لبعض الأجهزة الأمنية من جهة ثانية، وعلى رأسها الأمن العام.

ألم يشتكِ بعض القيّمين على صحف أقفلت أو ما زالت صامدة، من "شحّ المال السياسي أو انعدامه"؟ بما يؤكد أنه اللاعب المالي الرئيس في استمرارية أي مؤسسة إعلامية. المال السياسي الذي طالما تخطى في لبنان "الداخل" ليشكل "الخارجي" منه "بيضة القبان" في ملعب الصحافة اللبنانية. هذه الصحافة التي كانت تقض مضاجع الأنظمة العربية، وتشكل منبراً للمعارضين الذين كانت تعج بهم بيروت عبر التاريخ.

يروي نقيب الصحافة عوني الكعكي لـ"المفكرة القانونية" ما حدث في القمة العربية في الجزائر عام 1973، حين كان للصحافة اللبنانية كلمتها. يومها، وقف الرئيس سليمان فرنجية موجهاً كلامه للرؤساء العرب الذين صبوا جام غضبهم على الصحافة في بلاده قائلاً بما معناه: "كلّ منكم يدعم صحيفة من هذه الصحافة. أوقفوا الدعم يتوقفون".

وفي عهد الرئيس فرنجية بالذات، يوّثق رئيس تحرير جريدة "النهار" الصحافي الراحل غسان تويني في مذكراته ما يكفي ليعكس جانبا آخر من التدخل السياسي في المجال الإعلامي، وهو التدخل الآيل إلى تضييق مجال الإعلان التجاري على هذه الوسائل أو تلك. وهو يروي في هذا الإطار ما وصفته "النهار" بالحملة "الشعواء الظالمة" التي قادها فرنجية عليها، وقد شملت الضغط على المعلنين التجاريين لوقف إعلاناتهم في "النهار". وقد بدأت هذه الحملة في إثر تسريب أحد صحافيي "النهار" (توفيق رمضان) ملفاً سريا حول قرارات القمة العربية مما استدعى زجه بمعية تويني في السجن لمدة أسبوع. ويروي تويني أن الحملة "لم تقتصر على المضايقات الصحافية، بل طاولت الإعلانات وهي المصدر الرئيسي لتمويل الجريدة ولدفع مصاريفها ومرتبات صحافييها وموظفيها". وقد مارس الأمن العام، وفق ما وصفته "النهار" "حملة ترهيب ضد المعلنين وشركات الإعلان التي تنشر إعلاناتها في الصحيفة بضعة أشهر".

وهذا ما تؤكده جلسة المجلس النيابي الحاصلة في 28 أيار 1974 لمناقشة هذه الحادثة. النقاشات مذيلة بين السطور بما كان يحكي عن "الحلف" بين تويني ورئيس "الكتلة الدستورية" النائب ريمون إده في وجه الرئيس فرنجية، وكذلك "المكتب الثاني" الذي أشارت إليه نقاشات النواب كمتداخل في ما حصل. والأهم استعمال السياسيين ومن ورائهم الأمنيين للسلطة في التأثير على حرية التعبير.

في مواجهة إصرار إده للتحقيق مع الأمن العام لناحية تعميمه على معلنين أجانب ومحليين إيقاف إعلاناتهم في جريدة النهار، رد وزير الداخلية آنذاك بهيج تقي الدين بجواب الأمن العام على سؤاله بأنه يمارس صلاحياته التي يمنحه إياها المرسوم الإشتراعي 139/1959. وكان عدد من النواب (من بينهم مخايل الضاهر وفؤاد لحود وغيرهما) أطلعوا الرأي العام على كتب وردت من معلنين عدة في الوقت نفسه تشير إلى وقف إعلاناتها في "النهار"، من بينها كتاب ذكر أنه يلبي طلب الأمن العام. تحدث هؤلاء عن معلومات تفيد "أن موظفا أو موظفين من جهاز الأمن العام طلبوا إلى بعض وكلاء الشركات وممثليها من أجانب ولبنانيين، أن يمتنعوا عن الإعلان في جريدة معينة، جريدة النهار، وهددوهم بأن إقامتهم، بالنسبة إلى أجانب)، يعاد النظر فيها ويطردون إذا استمروا على الإعلان في جريدة النهار. واستعملوا بحق اللبنانيين وسائل ضغط أشار إليها الأستاذ ريمون اده كما ذكرتها بعض الصحف"، وفق تسجيلات المجلس النيابي.

ولكن ماذا عن تمويل الإعلام والتدخلات التي يسمح بها حاضراً؟

تقول مصادر عليمة في سوق الإعلان لـ"المفكرة" أن كلفة الإنتاج التلفزيوني في المحطات اللبنانية يلامس 120 مليون دولار في السنة، بينما لا يتخطى ناتج السوق الإعلاني 60 مليون دولار. وعليه، من أين تأتي التلفزيونات بـ50 في المئة من كلفتها؟

الحال أسوأ في الإعلام المطبوع، كما يقول الكعكي، والدليل أفول نجم صحف كبيرة لها باع طويل في الصحافة اللبنانية من "السفير" إلى "الحياة" ومؤخراً "الأنوار". يقول نقيب الصحافة "يلي بقلكم أنه الصحافة بتربح بيكون عم يكذب، فإذا أخدنا اليوم الجرائد التي ما زالت تصدر وأحصينا عدد إعلاناتها سنجد أنه حتى الصحيفة التي تحظى بأعلى نسبة إعلانات لا تربح ولا ترد مصاريفها حتى، نسبة الإعلانات في الصحف اليوم مخزية جداً". 

بالنسبة للكعكي، فإن "الشاطر" الذي يسد الفرق بين كلفة الإنتاج ومردود الإعلان، هو "المحظوظ في علاقاته بالدولة العربية". يذكر الكعكي أسماء لرؤساء تحرير وصحافيين نجحوا سابقا في استقطاب المال الخليجي "حتى من دون محتوى إعلامي مهني وغني". نعود هنا إلى المال السياسي كلاعب أساسي في التمويل "تلفزيونيا وكصحافة مطبوعة"، وفق ما يقول، مضيفاً "حتى بيع هذه المؤسسة الإعلامية أو تلك أسهماً لهذا المتمول الخليجي أو لرئيس وزراء أو سياسي لبناني هو وجه من وجوه المال السياسي أيضاً". و"الشاطر" أيضاً بالنسبة لنقيب الصحافة هو من يجيد المواءمة بين تمويل مؤسسته الإعلامية والحفاظ على حرية التعبير فيها "يعني بيقدر ينتقد بس مش لازم يوصل إلى اللارجعة".

"الإنتقاد ضمن حدود مقبولة" هو السقف الذي يحدده أيضاً صحافيون ومسؤولون في حديثهم لـ"المفكرة" عن تجاربهم الطويلة في عالم الصحافة، يخوضون غمار التحدي اليومي بين الحفاظ على المعلن التجاري ومتطلباته من جهة، وعلى التمويل السياسي واستمراريته من جهة ثانية، بينما يتأرجح سقف الحرية في المؤسسة الإعلامية التي يعملون لصالحها إلى حد الإهتزاز في محطات كثيرة كرمى لعين أصحاب المال.

هذا الإهتزاز ليس وليد الإعلان فقط، "هناك الإتفاقات تحت الطاولة مع شخصيات وشركات تجارية ومصارف ومؤثرين في طول البلاد وعرضها". يقول صحافي كان معروفاً في البلد أنه امتهن التعليم بعدما خسر وظيفته بسبب ارتهان مؤسسته للمال التجاري-السياسي. أنجز مادة تدافع عن المال العام في وجه أحد حيتان المال التي يتعاطى بالقطاع نفسه. وضع مدير تحريره تحقيقه في الدرج ليتفاجأ بعد مرور بعض الوقت بتحقيق ومقالات تبرز "الدور الوطني" لهذا الرجل الذي يأكل من المال العام. فقدم استقالته ومضى إلى مؤسسة أخرى. بعد فترة، ومع اختلاف نوع الوظيفة بين إعلام مكتوب ومن ثم مرئي، صادف الصحافي نفسه الحسابات عينها. استقال وغادر مهنة المتاعب إلى غير رجعة. 

إعلامي شاب "هرب" كما يعبّر عن وضعه من الإعلام المحلي إلى الإعلام الخارجي. "كنت قضيها قص بتقرير من هون وآخر من هونيك، ما تقرب ع فلان، خفف الدوز عن فلان، هيدا بيحط عنا إعلان، هيدا بيدعمنا هون". انتقل الإعلامي نفسه إلى محطة خارج لبنان "هون المعاش أعلى هيك هيك سلام ع الحرية".

يحدد رئيس تحرير سابق مكامن التأثير على أي مؤسسة إعلامية بمصادر عدة: الإعلان التجاري، المال السياسي، الإتفاقات من "تحت الطاولة"، وكذلك إرتباط بعض الصحافيين بسياسيين وممولين. وبالتالي هناك سقوف متدرجة ضابطة لحرية التعبير ومعها معايير تناول الموضوعات. سقوف تبدأ من المراسل في منطقة ما إلى الصحافي في المركز إلى رئيس القسم ثم مدير التحرير وصولاً إلى رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة "يعني فيك تقولي الحرية معصورة عصر"، يقول ضاحكاً.

يروي هذا الصحافي عن حادثة تتعلق بارتباط سياسيين بالكتلة الاقتصادية الأكثر تأثيراً في لبنان: المصارف. يقول أن معظم كبار السياسيين ممثلين في مجالس إدارات المصارف الكبرى في البلاد. في إحدى المرات كان وزير معروف وتابع لقطب سياسي كبير يشارك في قمة عربية وراء رئيس الجمهورية، وكان الإعلام ينقل القمة مباشرة على الهواء. خلال النقل، رفع هذا الوزير هاتفه وطلب رقماً ليرن هاتف أحد الصحافيين المسؤولين في مؤسسة إعلامية. "كان المشهد كاريكاتورياً" يقول الصحافي، "الوزير في القمة وهاتفه بيده ويتصل بصحافي في بيروت ليطلب عدم نشر موضوع يتناول أحد المصارف. كيف علم الوزير بوجود موضوع ناقد لهذا المصرف؟ "طبعا من صحافي يقبض من المصرفي، ويعمل في المؤسسة نفسها، اتصل وأعلمه بوجود مقال يتناوله".

يقول متابع لشؤون الإعلام وشجونه أن المصارف، كإحدى القوى الاقتصادية المهمة، لا تؤثر على الإعلان فقط، أو عبر الإتفاقات غير المعلنة لتخفيض سقف الإنتقاد، بل صارت تتدخل بشكل فاضح في البرمجة حيث عمل رئيس مجلس إدارة أحد المصارف مؤخراً على تمويل نقل إعلامي "كبير" من محطة إلى أخرى تنافسها مع باقة إعلانية وستوديو خاص وراتب هائل. كلفة وصلت إلى ملايين الدولارات.

أحد المستشارين الذين عملوا لفترة مع سياسيين يتحدث عن عقلية تعاطي هؤلاء مع الإعلام "استشارني أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية عن جدوى إطلاق تلفزيون تابع له، وعندما علم بالكلفة الفعلية للتشغيل والإستمرارية، وجد أن دفع ثلاثة إلى خمسة ملايين دولار للمحطات الموجودة أفضل وأوفر بكثير".

مستشار آخر لدى رئيس حكومة متموّل أقنع صاحب عمله أن إطلالته على ثلاثة إلى خمسة تلفزيونات وعلى صفحات ثلاث إلى أربع صحف أهم بكثير من إنشائه محطة خاصة به أو إصدار جريدة تكون عبئاً دائماً عليه.

تقول مسؤولة أحد الأقسام في جريدة معروفة أنها كانت تبذل جهداً إضافياً لضبط المال الذي يظهر بين سطور الصحافيين الذين يعملون معها. "مرة سألني صحافي يعمل معي إن كنت أريد أن يأتيني بظرف أبيض من مؤتمر صحافي يعقده أحد السياسيين". "سألته عن ماهية هذا الظرف"، تقول "ليتبين لي أن كل صحافي ينال 500 دولاراً عن تغطيته لهذا المؤتمر، عدا عما يدفعه هذا الشخص للجريدة نفسها".  بعض الصحافيين يعتاش ليس من راتبه الذي يتقاضاه مقابل عمله الصحافي، "بل من كونه صلة الوصل بين مؤثرين في الإعلانات وداعمين سياسيين وبين المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها"، وفق ما تقول موظفة سابقة في مؤسسة إعلامية كانت مسؤولة عن قسم الإعلانات.

 

حق القارئ

ولكن أين حق القارئ وسط كل هذه العلاقة الشائكة للمال بحرية التعبير والإعلام؟

يرى وزير الإعلام ملحم رياشي في حديث لـ"المفكرة" أن المنافسة هي التي تضبط هذا الموضوع كما هو الحال في وكالات الأنباء الدولية التي تحترم نفسها. ويرى في قانون "من أين لك هذا" إطاراً قانونيا فعّالاً". بالنسبة له هناك أيضاً "تنشئة الإعلاميين في الجامعات والأخلاق الإعلامية"، مضيفاً إليها "حماية الصحافي وتحريره من القيود الاقتصادية وتفعيل نقابة المحررين بطريقة تؤمن حقوق الإعلاميين من شأنها تحصين الصحافيين أيضاً".

ولكن هل من ضوابط جديدة يمكن لاقتراح قانون الإعلام أن يؤمنها حرصا على حق القراء بإعلام حر وشفاف؟ 

يشير الرئيس السابق للجنة الاتصالات والإعلام النيابية النائب حسن فضل الله أن اقتراح قانون تنظيم الإعلام الذي صار في لجنة الإدارة والعدل النيابية "عالج مصادر التمويل في النصوص القانونية بما يسهم إلى حد كبير بحماية وسائل الإعلام والمواطن من تأثيرها على حرية التعبير. لكن النصوص شيء والتطبيق شيء آخر". ويتوقف فضل الله أن ممارسة الحرية المتاحة في لبنان هي المشكلة "إذ ليس هناك ضوابط لكل الإبتذال الحاصل لرفع نسبة المشاهدين في بعض البرامج، بينما المطلوب تمسك المؤسسات الإعلامية بطرح القضايا التي تهم المواطنين".

وقال أن اقتراح القانون وضع نصوصا جديدة تمنح المجلس الوطني للإعلام صلاحيات "لكننا نعرف أن تعيين أعضائه يتم في مجلسي النواب والوزراء، وحاولنا تخطي تأثير ذلك عبر وضع ضوابط في اختيار المرشحين على أمل أن يتم اختيار الكفوئين وليس المحسوبين على هذا الطرف السياسي أو ذاك".

يذكر أن ولاية المجلس الحالي الذي تم تعيينه في 2005 قد انتهت منذ العام 2008، ولم يتم تعيين مجلس جديد حتى الآن، "ربما بانتظار إقرار قانون الإعلام الجديد الذي يمنح المجلس صلاحيات تنفيذية مهمة، وينص على انتخاب أعضائه العشرة، خمسة منهم في مجلس النواب وخمسة في مجلس الوزراء".

ورأى فضل الله أنه من الصعب وضع ضوابط تحد من تأثير الإعلان والمال السياسي على المؤسسات الإعلامية "كيف لي أن أجعلهم لا يردون على متطلبات هذا المعلن أو ذاك؟ هناك نص مثلاً يمنع المال السياسي وكذلك هناك آليات مراقبة ومنحنا المجلس الوطني صلاحية التأكد من عدم تقاضي أي مؤسسة إعلامية أموالا تخرج عن طبيعة عملها وطلب الوثائق اللازمة وإحالتها إلى القضاء. ولكن من يطبق؟"

 

نشر هذا المقال في العدد | 57 |  تشرين الثاني 2018، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القمع ليس حيث تنظر: نظام المقامات