القضية التي احتلت الاضواء لفترة... لم تنته فصولا. ففي 12 آب 2010، قدمت سميرة سويدان واولادها استدعاء امام محكمة التمييز المدنية، ضد القرار الاستئنافي الآيل الى فسخ الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في المتن برئاسة القاضي جون القزي. وكانت ضجة اعلامية قد اثيرت عندما اقرت المحكمة الابتدائية المذكورة حق السيدة سويدان بمنح جنسيتها اللبنانية لاولادها القصر عند وفاة والدهم المصري. وقد بلغت هذه الضجة اوجها بفعل اجتماع امرين: الاول الظروف السائدة وتحديدا الخشية من توسع المحاكم في منح النساء هذا الحق مما قد يؤدي وفق البعض الى تعميق الاختلال في التوازن الديمغرافي بين الطوائف، والثاني تصاعد الحراك المجتمعي قبيل صدور الحكم وفي اثره بهدف المطالبة بتكريس حق المرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لاولادها (كما ولزوجها الأجنبي حسب بعض المطالب) على نحو من شأنه ان يضاعف هذه المخاوف. والدليل على ذلك هو انه سبق للاجتهاد اللبناني ان كرس حق المرأة اللبنانية، في حالات مماثلة لحالة سويدان، بمنح جنسيتها لاولادها القاصرين من دون ان يستتبع ذلك اي نقاش عام[1]. وهكذا، لم يهدأ النقاش المرتبط بقضية سويدان الا مع فسخ الحكم الابتدائي الصادر بشأنها.
والواقع ان الدعوى امام محكمة التمييز قد تخللتها من خلال اللوائح المتبادلة مسائل جديدة غير تلك المتعلقة بشروط منح الجنسية اللبنانية، وعلى رأسها المسألة المتصلة بصلاحية هيئة القضايا. فما هي طبيعة عمل هذه الهيئة، التي تتولى تمثيل ادارات الدولة والدفاع عنها امام المحاكم؟ وهل هي تخضع للتعليمات التي تتلقاها من الادارة المختصة فتكون علاقتها بها مشابهة تماما لعلاقة اي وكيل (محام) بموكله ام ان لها استقلالية معينة في تحديد مصلحة الدولة وتاليا في التحرك في اتجاه او في آخر؟
وقد فرضت هذه الاسئلة نفسها بفعل وقائع القضية: فالهيئة طعنت بالحكم الابتدائي من دون مراجعة الوزارة المختصة (وزارة الداخلية والبلديات) بل خلافا لارادة الوزير الذي عبر مرارا وعلى الملأ ليس فقط عن رضوخه للحكم بل عن تهنئته لرئيس المحكمة التي اصدرته[2]. وتاليا يطرح تساؤل مشروع عما اذا كانت الهيئة قد تجاوزت فيما قامت به صلاحيتها بهذا الشأن وتاليا عما اذا كان الطعن (الاستئناف) الذي تقدمت به ضد الحكم الابتدائي صحيحا. فاذا كان الطعن غير صحيح، تبطل محكمة التمييز القرار الصادر عن محكمة الاستئناف ويصبح الحكم الابتدائي مبرما، اما اذا كان الطعن صحيحا، فان صحة القرار المطعون فيه تصبح وقفا على مدى احقية الام بمنح جنسيتها في القضية المذكورة.
وبالطبع، تترافق هذه الاشكالية مع اخرى اكثر عمقا تنشأ عن الوظيفة المرتقبة من الهيئة ومفادها معرفة من يحدد مصلحة الدولة: أهو الوزير الحائز على ثقة ممثلي الشعب (بموجب قرينة قانونية بالطبع) بحيث يقتصر دور الهيئة على تعليل موقفه ودعمه قانونا، ام الهيئة التي تتمتع في هذه الحالة بوظيفة اكثر اهمية في تحديد مواقف الدولة من المسائل او الحقوق المتنازع عليها؟ وما هي الإنعكاسات الإجتماعية والسياسية المترتّبة على كل من الأمرين؟
وفي هذا السياق، طلب مستدعو التمييز ابطال القرار الاستئنافي على اساس ان الهيئة قد تجاوزت ارادة الادارة المختصة التي يتعين عليها تمثيلها، اي وزارة الداخلية والبلديات. واثباتا لذلك، ادلت بان الملف القضائي يفتقر الى اي مؤشر من شأنه الدلالة على ان الهيئة قد استطلعت رأي تلك الوزارة، على الرغم من وجود مواقف صريحة للوزير بتأييد القرار كما سبقت الاشارة اليه.
بالمقابل، اعتمدت هيئة القضايا في دفاعها موقفا مناقضا تماما، فأدلت من ناحية اولى بأن وزارة الداخلية والبلديات لم تزوّدها رسميا بما يفيد رضوخها للحكم الابتدائي، ومن ناحية ثانية، بأن هيئة القضايا (ممثلة بشخص رئيسها) تختص بأية حال وحدها بتمثيل الدولة اللبنانية وبالدفاع عن مصالحها امام القضاء، مشيرةً إلى أن "التمثيل يتخطى لا بل يختلف تماماً عن مفهوم الوكالة" ف"الوكيل مقيد بصلاحياته المحددة في متن الوكالة، في حين ان الممثل يقوم بجميع الأعمال التي يتطلبها الدفاع عن مصالح ممثله".
وانطلاقا من ذلك، اعتبرت الهيئة ان القانون اللبناني قد منح رئيسها "اوسع الصلاحيات بما فيها حق التقدير المطلق باتخاذ الاجراءات التي يرتئيها ضرورية لصيانة حقوق الدولة والدفاع عنها" بما في ذلك "اقامة الدعاوى"، وان "هيئة القضايا ليست تابعة اطلاقا للوزارات وبالتالي للإدارات المعنية، لا بل لها، وفقا للقانون الذي يرعى صلاحياتها، حصرية واستنسابية التقدير في اتخاذ الإجراءات المناسبة حفاظاً على حقوق الدولة، سواء كانت مدعية أو مدعى عليها"، مما يسطّر تخويل الهيئة ذاتها غض النظر عن مواقف الادارة سواء أكانت هذه الأخيرة إعلامية (كما في القضية الراهنة) أم حتى رسمية. ووفق الجهة المميز بوجهها، ان جميع ما تقدم من مبادئ ملحوظ في المرسوم رقم 151 تاريخ 16-9-1983 المتعلق بتنظيم وزارة العدل وتحديدا في المواد 16 و18 و20.
والواقع، ان هذه الحجة تبقى ضعيفة اذ لا نتبيّن منطقيا الفارق بين التمثيل والتوكيل. فالهيئة بصفتها وكيلة وزارة الداخلية والبلديات لا تستطيع منح ممثلها رئيس هيئة القضايا حقوقا لا تتمتّع بها هي بذاتها، بحيث يقتصر مدى صلاحية هذا الاخير في اطار تمثيله الدولة على حدود الوكالة التي تربط اصلا الهيئة بموكلتها وزارة الداخلية والبلديات. ولا تتضمن المواد المذكورة اعلاه والنصوص القانونية ذات الصلة اي استثناء على هذه القاعدة.
وبمعزل عن الموقف القانوني الذي ستتخذه محكمة التمييز، فان سياق القضية يبرز ابعادها السياسية والاجتماعية وذلك من زاويتين:
-       ان هيئة القضايا زعمت ان بمقدورها تخطّي مواقف السلطة الحائزة على المشروعية (وزارة الداخلية)، وذلك في موضوع قانوني ذات أبعاد اجتماعية وسياسية. وهي بذلك سنحت للوزراء –وهم المسؤولون سياسيا- المجال بالابتعاد عن المواقف التي قد تظهرهم مظهرا سيئا لدى الرأي العام أو على الأقل لدى شريحة منه او أيضاً أمام المجتمع الدولي، بل سنحت لهم الفرصة لاتخاذ مواقف اعلامية قد تظهرهم مظهرا جميلا لدى هؤلاء على ان تتكفل هي –غير المسؤولة سياسيا- باتخاذ الموقف الاكثر تماشيا مع توجهات النظام السياسي او ضروراته التي ربما تحدد في مكان آخر بمنأى عن اية شفافية. وهكذا، يظهر الموقف وكأنه تقني صادر عن جهاز متخصص وبأية حال مجرد من أية تبعات سياسية.  
-       ان وزير الداخلية بدا، من خلال لزومه الصمت بعد تقديم الاستئناف، وكأنه يحيد بنفسه عن ذلك رغم مواقفه الاعلامية الداعمة للحكم المطعون فيه، وبكلام آخر، كأنه يتلقّف العرض الذي قدمته الهيئة له أقلّه ضمنياً بأن تتولى هي التعاطي مع المسألة من زاوية تقنية. وهكذا، تمكّن من الظهور مظهرا حسنا من دون ان يعيق ذلك امكانية فسخ الحكم. فألم يكن حريا به فيما لو أراد حقيقة عكس ذلك، أن يترجم مواقفه الإعلامية ويستكملها عمليا بتوجيه كتاب الى الهيئة يرفض فيه تحركها دون اي تعليمات خلافا لرأيه المعلن، ويطالبها بالعدول عن الاستئناف؟
والا نرى تشابها بين القضية المطروحة هنا والآليات الادارية المتبعة والتي باتت راسخة في اكثر من قضية حساسة؟ وكأمثلة على ذلك، أكتفي بالتذكير بصلاحيات المديرية العامة للامن العام التي تتولى وحدها الرقابة المسبقة على الاعمال السينمائية والمسرح، وتنظيم قطاع الفنانات وما يستتبعه واقعيا من اتجار بهن، وعلى نحو ينأى به السياسيون بأنفسهم هنا ايضا عن اتخاذ مواقف قد تنعكس سلبا على صورهم في قضايا اجتماعية كبرى ويجنبهم هذا "العبء". .


[1] كرست محكمة التمييز هذا الحل في قرار الغرفة المدنية الثالثة رقم 10 تاريخ 10-1-1972، قضية رباب بيضون ورفاقها-الدولة اللبنانية، مجلة "العدل"، ص. 189 وما يليها. ثم اعادت الغرفة ذاتها العمل بهذا الحل في سلسلة قرارات: القرار النهائي تاريخ 17-2-1972، قضية عبد العزيز-الدولة اللبنانية، باز 1972- القرار رقم 126 تاريخ 28-11-1973، قضية ايانيان-الدولة اللبنانية، باز 1973، ص.248. كما كرس هذا الحل في حكم لمحكمة بداية بيروت المدنية رقم 119 تاريخ 4-5-1972، قضية ميريام سلوم ورفاقها-الدولة اللبنانية، مجلة "العدل" 1974، ص.111 وما يليها. ولقد اعتمد هذا الحل ايضا في قرار محكمة لبنان الجنوبي تاريخ 27-2-1990، قضية كريم-الدولة اللبنانية، حاتم، جزء 202، ص.729. اخيرا، طبقت محكمة بداية لبنان الشمالي هذا الحل في حكمها رقم 158 تاريخ 27-2-1995، قضية الهام حلمي ياسين-الدولة اللبنانية والنيابة العامة في الشمال، مجلة الحقوق اللبنانية والعربية، جزء 10-60.
[2] انظر مثلا: جريدة "السفير"، عدد 24-6-2009، مقالة علي الموسوي بعنوان "في خطوة نوعية تكمل الحكم القضائي، بارود للسفير: لن اطعن بحكم الجنسية... ليصبح نافذا".