مقدّمة

"لا يجوز التكلم بحق لا نفاذ له".هذه القاعدة الأصولية التي تضمنتها الرسالة العمرية[1] تختزل مرامي العدل والإنصاف والتي لا تقف عند إقرار الحق نطقا به وانما تتعدّاه إلى ترتيب النتائج والآثار الواقعية الكفيلة بردّ الحقّ لصاحبه فعلا. فالحق يحتاج قولا وفعلا. ودون ذلك يكون قول الحق مجرّد شهادة لا تغني في ردّ المظالم عن أصحابها.

لذلك كانت جميع الأعمال القانونية الصادرة عن سلطات الدولة سواء التشريعية (من خلال القوانين) أو  التنفيذية (من خلال الأوامر والقرارات الإدارية) باعتبارها أمتان حاملة  للحقوق متضمنة لصيغة تنفيذية تؤكد تعديلها وتأثيرها في المراكز والوضعيات القانونية للأفراد والجماعات[2].

ولا تشذّ الأحكام باعتبارها من فئة الأعمال القانونية الصادرة عن السلطة القضائية عن هذه القاعدة بتمتعها وإكسائها بالصيغة التنفيذية (الفصل 55 من قانون المحكمة الإدارية + الفصول 285 وما بعده من مجلة المرافعات المدنية والتجارية).

وغالبا ما يتناسى المهتمون بهذا الشأن أنّ الصبغة التنفيذية للأعمال القانونية لمختلف سلطات الدولة (التشريعية والتنفيذية والقضائية (القوانين + القرارات الإدارية + الأحكام) إنما تنصهر في صميم الوظيفة التنفيذية للدولة والمسندة للحكومة (الإدارة) والمحتكرة لهذا الاختصاص الدستوري.

ففي العديد من الأحكام  الصادرة عن المحكمة الإدارية  التونسية ذكّر القاضي الإداري السلطة التنفيذية بهذا الواجب الدستوري العام المحمول على السلطة التنفيذية: فقد ورد في القضيّة عدد 712246 بتاريخ 24 جويلية 2013: "وحيث أنّ السلطة التنفيذية مكلفة بتنفيذ الأحكام الصادرة عن السلطة القضائية (في عمومها) وليس لها أن تمتنع عن تسخير القوة العامة للقيام بذلك". كما جاء في القضية عدد 18171/1 بتاريخ 14 نوفمبر 2012: "وحيث يعدّ امتلاك وسائل القوة العامة واحتكارها أبرز تجليات السلطة العمومية التي تستأثر بها الإدارة وأنّ استعمالها إنما يندرج في نطاق الوظيفة التنفيذية للدولة لضمان سلطانها على الكافة. ... وحيث أن تسخير القوة العامة لتنفيذ الأحكام  المدنية إنما الغرض منه المحافظة على النظام العام...".

إنّ ارتباط القضاء بحكم وظيفته الدستورية بالفصل في النزاعات المرتبطة بالحقوق تجعل من مسالة تنفيذ الأحكام من أهمّ مرتكزات دولة الحق والقانون والتي بها يتأكد الأمان القانوني للمتقاضين واحترام حجية أحكام السلطة القضائية.

لذلك، فإن المحاكمة العادلة ترتكز على ثنائية حقوقية متلازمة وهي الحق في التقاضي من جهة والحق في تنفيذ الأحكام القضائية من جهة أخرى.

وقد ارتقى واجب تنفيذ الأحكام في تونس بعد سنة 2014 إلى منزلة دستورية، مثلما نصت عليه أحكام الفصل 111. ورغم أن المسودة كانت تتضمّن تجريم عدم التنفيذ إلا أنه تم إسقاط هذا النصّ بدعوى أن أحكام  الدستور على خلاف التشريع لا ينبغي أن تتضمن تجريما للأفعال.

كما أنّ أحكام الفصل 2 من القانون عدد 10 لسنة 2017 المؤرخ في 7 مارس 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد تدرج ضمن أوجه الفساد تعطيل قرارات السلطة القضائية. إلا أنّه على خلاف ما عليه الأمر بالنسبة لأحكام القضاء المدني، فإن النظام القانوني لتنفيذ أحكام القضاء الإداري في تونس بقي حتى اليوم غير واضح. ذلك أن ما يلاحظ هو غياب إطار قانوني وترتيبي صريح ينظم شروط وإجراءات وآليات تنفيذ أحكام  القضاء الإداري. ولعلّ ذلك مثّل أحد أسباب تفاقم ظاهرة عدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري (حتى اصبح ينعت بالقضاء الذي لا تنفذ أحكامه) خاصة في غياب  التنصيص على جزاء عن عدم التنفيذ.

إلا أن ذلك لم يمنع وجود جملة من القواعد التي أرساها فقه قضاء المحكمة الإدارية وبعض النصوص التشريعية والترتيبية والتي تمكن من تحديد الشروط اللازمة لتنفيذ أحكام القضاء الإداري (1). كما تخوّل إعمال ما أتيح من آليات لضمان تنفيذ أحكام القضاء الإداري (2).

 

شروط تنفيذ أحكام القضاء الإداري: بين ذرائع الإدارة وضوابط فقه القضاء الإداري

في غياب إطار تشريعي وترتيبي لتنفيذ الأحكام، تسعى الإدارة كمحكوم ضدها وجهة معنية بالتنفيذ إلى إثارة الدفوعات والحيل لجعل عدم تنفيذها للحكم مبررا "بموجبات القانونية" (مثلما يعفيها بها الفصل 111 من الدستور). في المقابل سعى القاضي الإداري من خلال ضبط شروط تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عنه إلى سدّ الذرائع الممكنة أمام الإدارة لعدم التنفيذ.

وفي هذا الخصوص، بلور فقه القضاء الإداري جملة من الشروط الواجب توفرها للتنفيذ وتتعلق من جهة بالحكم أو القرار سند التنفيذ ومن جهة ثانية بالوضعيّة المعنيّة بالتنفيذ.

 

في ضوابط الحكم أو القرار سند التنفيذ:

حتى يستقيم الحكم أو القرار الصادر عن القاضي الإداري سندا تنفيذيا على جهة الإدارة ينبغي أن يكون محرزا على قوة الأمر المقضي به وباتا من جهة، ومن جهة أخرى ينبغي أن يكون واضحا وصريحا في مضمونه ولا يعتريه أيّ لبس في صياغته.

 

أن يكون الحكم محرزا لقوة الأمر المقضي به وباتا:

المقصود بذلك الفصل في موضوع المنازعة المعروضة بشكل قطعي وبات: إما لفوات أجل الطعن فيه أو لاستنفاذه جميع طرق الطعن أو لأنه أحرز وصف الحكم الذي لا يقبل أي وجه من أوجه الطعن بحكم القانون (وهو ما استقر على تطبيقه فقه قضاء المحكمة الإدارية  في العديد من القضايا).

فالحجية المقصودة لها مضامين ثلاثة:

  •  أولا، أنها تنسحب على السواء على القضاء الموضوعي وعلى القضاء الاستعجالي.

للتفصي من واجب تنفيذها للأحكام القضائية، دفعت جهة الإدارة في بعض الحالات بأن الحكم القابل للتنفيذ ينبغي أن يكون حكما صادرا في الأصل على اعتبار أنّ الأحكام الموضوعية وحدها تنهي المنازعة وبالتالي نفت على قرارات توقيف التنفيذ والأذون الاستعجالية أن تكون محرزة على حجية الأمر المقضي به. وعلى خلاف ما تدفع به جهة الإدارة، فإنّ قضاء الاذون الاستعجالية طبق أحكام  الفصلين 81 و82 هو صنف من القضاء المستقلّ بدعاويه التي تندرج ضمن ضوابط تشريعية تمنع بطبعها من المساس باختصاص قاضي الموضوع. وبالتالي، فإنّ للقاضي الاستعجالي اختصاص بطلبات مستقلة عن طلبات الدعاوى الموضوعية. وترتيبا عليه، فإن معيار الحسم في الطلبات متوفر في هذا الصنف من القضاء ولا يتوقف على انتظار مآل القضية الأصلية.

فضلا عن ذلك، فقد نصّت أحكام  الفصل 86 من قانون المحكمة الإدارية صراحة على تنفيذيّة الأحكام الاستعجالية بمجرّد صدورها عن القاضي الابتدائي ما لم يقدم في خصوصها مطلب توقيف تنفيذ لدى رئيس الدائرة الاستئنافية المتعهدة (وذلك على خلاف الأحكام الصادرة في الدعاوى الموضوعية).

بالنسبة لقضاء توقيف التنفيذ، ففضلا عن التنصيص التشريعي بأن القرارات الصادرة في المادة المذكورة هي قرارات باتة لا تقبل أي وجه من أوجه الطعن، فقد تدخّل المشرع أيضا لضبط الأثر التنفيذي للقرارات الصادرة بخصوصه وإلزام جهة الإدارة به. فقد نصّت أحكام الفصل 41 من قانون المحكمة الإدارية: "وعلى الجهة الإدارية المصدرة للمقرر المطعون فيه أن تعطل العمل به فور اتصالها بالقرار القاضي بتأجيل التنفيذ وتوقيفه. "فعبارة القانون واضحة في تعليق تنفيذ القرار الإداري وبالتالي جعل القرارات المعنية غير منتجة لأي أثر قانوني على المراكز القانونية المستهدفة بها وبالتالي ترجع تلك الوضعيات إلى حالتها العادية قبل صدور القرارات المقضي في شأنها[3].

وتأكيدا لهذا التمشي التشريعي في سحب حجية الحكم المقضي به على قرارات توقيف التنفيذ فقد أكّدت المحكمة الإدارية هذه القاعدة التشريعية في العديد من أحكامها:

ففي الحكم الاستئنافي عدد 27218 بتاريخ 20 فيفري 2010 والذي تعلقت وقائعه بأن الإدارة أصدرت قرارا بإنهاء مهام عون متربص من وزارة التربية بادر حال صدور القرار المذكور باستصدار إذنا من الرئيس الأول للمحكمة الإدارية بتوقيف تنفيذه. إلا أن جهة الإدارة لم تلتزم به. فقام بدعوى تعويض عن عدم تنفيذ الإذن القضائي المذكور. وقد جاء في مستندات الإدارة أن أصل الحقّ يبقى محتملا وغير ثابت في نطاق الأحكام التحفظية. على ذلك جاء في حيثيات المحكمة: "وحيث أنّه من المستقرّ فقها وقضاء أن تنفيذ الأحكام القضائية من الواجبات الأساسية المحمولة على الإدارة والتي تفرض عليها التقيد بمنطوقها وإجراء العمل بمقتضياتها بمجرد صيرورتها باتة والتي لا تعفى منها إلا في صورة الاستحالة القانونية أو المادية لما في ذلك من اتصال بمكانة القضاء ونجاعته من خلال إيصال الحقوق لأصحابها. وحيث أن واجب التنفيذ على النحو السالف بيانه ينسحب على سائر الأحكام والقرارات القضائية بمختلف أصنافها بما في ذلك الأذون والقرارات التحفظية كما هو الحال بالنسبة إلى الأذون بتوقيف تنفيذ القرارات".

وفي القضية عدد 418515 بتاريخ 5 أوت 2015 (توقيف تنفيذ)، كان التعليل القضائي مؤكدا على حجية قرارات توقيف التنفيذ. إذ ورد فيه: "إنّ توقيف التنفيذ إجراء تحفظّي تكمن الغاية منه في حماية الحقوق المتنازع في شأنها إلى أن يتمّ البتّ في القضيّة الأصلية وأنّه على الإدارة الإذعان للقرارات القاضية بتوقيف التنفيذ والتقيّد بمنطوقها وإجراء العمل بمقتضاها لما لها من حجية الشيء المقضي به لا سيما في ظلّ ما تقترن به من استعجال و تأكد اعتبارا على الشروط التي تقوم عليها...".

ونعتقد أن هنالك حالة خطيرة تمسكت بها جهة الإدارة رغما عن كل هذه الأسانيد التشريعية والفقهية والقضائية، بنفي مبدأ حجية الحكم المقضي به عن قرارات توقيف التنفيذ الصادرة عن المحكمة الإدارية  ليس فقط بعدم تنفيذها بل باللجوء إلى التصحيح التشريعي لتسوية وضعية غير شرعية عاينتها تلك القرارات. وقد مثّل الأشكال الذي واكب تركيز المجلس الأعلى للقضاء في ربيع 2017 أبرز تجلّ لاستعمال هذه الآلية لتجاوز تنفيذية القرارات الصادرة في مادّة توقيف التنفيذ. فعلى أثر صدور أذون بتوقيف تنفيذ (في 27 مارس 2017) لجملة من قرارات تمّ اتخاذها من مجموعة أعضاء للمجلس الأعلى للقضاء في تعيين رئيس مؤقت ونائب له وناطق رسمي وفتح ترشحات لشغورات في مجلس القضاء العدلي وفي القضاء المالي بالاستناد إلى عدم توفر الشروط القانونية لانعقاد أولى جلسات المجلس بالنظر لعدم استكمال التركيبة التي تقتضي إتمامها بترشيح من الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي، تولت الحكومة في نفس اليوم تقديم مبادرة تشريعية في تغيير النصاب القانوني لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء لتجاوز حالة التعطيل في تركيزه والحال أنّ المحكمة الإدارية أرجعت عدم توفّر شروط تركيز المجلس بالاضافة إلى النصاب إلى عدم سدّ الشغور.

ورغم أنّ فقه القضاء الإداري درج على أنّ من بين شروط التصحيح التشريعي أن لا ينال من حجية الأحكام  القضائية (يراجع الحكم الصادر عن الجلسة العامة القضائية: عدد 134866 بتاريخ 7 نوفمبر 2013) إلا أن دفاع الحكومة آنذاك عن المبادرة تمسكت فيه بأن قرارات توقيف التنفيذ لا تحرز قوة اتصال القضاء (وهو نفس الموقف الذي دفع به شق من النواب أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين)[4].

  • ثانيا، أن مضمون الحجية المقصودة في الأحكام لا تتعلق فقط بالمنطوق وإنّما تنسحب كذلك على أسبابه الجوهرية.

وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية في العديد من الأحكام على غرار مثلا القضية عدد 125675 بتاريخ 3 جويلية 2015. فالإدارة في سبيل التفصّي من التنفيذ الكلي للأحكام أو القرارات قد تتمسك بتطبيق منطوق الحكم دون التقيد بأسانيده الجوهريّة: مثال القرارات الصادرة في توقيف التنفيذ المتعلقة بالمجلس الأعلى للقضاء المشار إليها سلفا (فعلى الرغم من أن الأسانيد الواردة بقرارات توقيف التنفيذ تؤكد بأنّ من أسباب عدم قانونية انعقاد المجلس هو أن تتمّ الترشيحات للشغورات الحاصلة في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء من الهيئة الوقتية للقضاء العدلي، إلا أنّه تمّ الاكتفاء بالقول بأنّ تنفيذ تلك الأذون يقتضي فقط عدم عقد جلسة لأعضاء المجلس حتى تغيير النصاب القانوني بالتصحيح التشريعي).

  • ثالثا، أنّ مضمون الحجّية يقتضي تنفيذ الأحكام دون أن يكون لجهة الإدارة أن تثير أو أن تبرر عدم تنفيذها بوجود مخالفة للقانون من الحكم المطلوب تنفيذه حتى وإن كانت على صواب.

ففي بعض الحالات، تتذرّع الإدارة في عدم تنفيذها بعدم اقتناعها بالأسانيد القانونية للحكم الصادر ضدها والتي تصرّ على أنّ موقفها القانوني الذي كانت تدافع عنه أمام القاضي في إطار المحاكمة الإدارية هو السليم. في الحقيقة، يعكس هذا الدفع عقلية الانطباعية التي لم تتخلص منها الإدارة والتي تقوم على عدم فصل الإدارة بين وضعها كمتقاضٍ ووضعها كجهة معنية بتنفيذ الحكم. وأنّ الإدارة تستعمل وضعها الأخير لفرض موقفها السابق عن صدور الحكم في شكل تجاهل لقول القضاء. كما تعكس هذه الوضعية عدم ثقة تجاه المؤسسات القضائية ومساسا بمبدأ الفصل بين السلطات وتدخّلا في شأن القضاء على اعتبار أنّها باثارة مثل هذا الدفع فهي تنزل نفسها منزلة الخصم والحكم.

إنّ هذه الوضعيّة الغريبة الأقرب لمزاجية الأشخاص منها لعقلية الدولة تجعل جهة الإدارة تنفّذ الأحكام التي تريد وتمتنع عن تنفيذ الأحكام التي تكره وهي وضعية بعيدة كل البعد عن مبادئ دولة القانون والمؤسسات التي تحترم حجية حكم القضاء. فوظيفة القضاء تبقى وظيفة دولة من المفروض أن لا يكون من هو تحت حكمها في حرج مما قضت به.[5]

 

أن يكون الحكم واضحا في مضامينه:

المقصود بوضوح مضمون الحكم أن لا تحول صياغته اللغوية والمعاني التي تحملها عباراته دون بيان الطريقة الملاءمة لتنفيذه أو أن يكون ذلك سببا لتذرّع جهة الإدارة للتلكؤ في تنفيذ الأحكام الصادرة في حقها. إنّ هذا الشرط يقتضي من القاضي الإداري عند صياغة أحكامه أن يستحضر طور تنفيذها مما يحمله مسؤولية إيضاح العناصر اللازمة في أسانيد الحكم حتى يتيسّر تنفيذه. فليست العبرة بالفصل في القضية وإنّما أن يكون الحكم قابلا في بنيته اللوجستية للتنفيذ:

فالغلط المادي المتسرّب للحكم قد يكون سببا في تعطيل تنفيذه. لذلك، قد يلتجئ أطراف النزاع للدائرة المصدرة للحكم بطلب الإصلاح طبق أحكام الفصل 56 من قانون المحكمة حتى يتيسر لهم تنفيذه. ففي الحكم الاستئنافي عدد82320 الصادر بتاريخ 4 جويلية 2013 لاحظت المحكمة أن الغلط المتسرب إلى الحكم الاستئنافي حال دون مواصلة الورثة إجراءات تنفيذ ذلك الحكم ودون حصولهم على الغرامة المحكوم بها لفائدتهم.

كما أنّ عدم وضوح أسانيد الحكم وعباراته وإن كان يمثّل دفعا لدى الإدارة لعدم التنفيذ، فإن القاضي الإداري ومن باب سدّ الذرائع التي تحول دون تفصي الإدارة عن واجب التنفيذ توسّع في آليّة شرح الأحكام المنصوص عليها صلب الفصل 57 بأن تدخّل بموجبها لرفع اللبس الذي يحول دون تنفيذ الحكم:

ففي الحكم عدد91117 الصادر بتاريخ 27 مارس 2013، اعتبرت المحكمة أن:"تعذر تنفيذ الحكم على الإدارة بسبب عدم تمييزها للقرار المطعون فيه واختلاط الأمر عليها لأنها لم تعرف هل أن القرار المعني بالحكم هو قرار عزل العارض أو القرار المتعلق برفض إدماجه ضمن أعوان البلدية يجعل مطلب الشرح حريا بالقبول واعتبار المحكمة أن القرار المقصود من الحكم المراد شرحه هو الثاني في الذكر."

كذلك الشان بالنسبة للحكم عدد 91119 الصادر بتاريخ 28 اكتوبر 2013 حيث اعتبرت المحكمة أن: "الطلب الرامي إلى شرح منطوق الحكم ببيان إن كان الحكم بالإلغاء يتعلق برفت الطالبة لمدة سنة وبتعويض الإعداد المتحصّل عليها في الثلاث مواد المشار إليها بأصفار أو أنّه يتعلّق بالرفت فقط دون تعويض الإعداد بأصفار في المواد المذكورة حريّ بالقبول. والمقصود من منطوق الحكم المراد شرحه وهو إلغاء القرار الصادر عن رئيس جامعة تونس القاضي بالمصادقة على رفت المدعية من المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية بتونس لمدة سنة."

 

في الوضعية المعنيّة بالتنفيذ:

المقصود أن لا يكون الصادر لفائدته الحكم في وضعية استحالة عن تنفيذه.

وقد أكّد فقه قضاء هذه المحكمة الإعفاء من واجب التنفيذ في صورتي الاستحالة المادية والاستحالة القانونية (الحكم الاستئنافي عدد 27218 بتاريخ 20 فيفري 2010).

ينبغي أن تكون حالات وصور الاستحالة عن تنفيذ الحكم خاضعة لضوابط حتى لا تكون وسيلة لدى الإدارة للتفصي من واجب التنفيذ. كما أنه ينبغي أن تمثّل استثناءات ضيقة على مبدأ وجوبية التنفيذ ولايمكن أن تتعداه إلى حالات وصور أخرى.

الاستحالة المادية:

قد تتخذ الاستحالة المادية عدة صور:

  • انقراض الوضعية المعنية بالتنفيذ:

فإلغاء قرار عزل موظف بموجب حكم يقتضي تنفيذا للحكم المذكور أن يتمّ ارجاعه إلى عمله. عند التنفيذ، يتبيّن أنّ العون المعني قد بلغ السن القانوني للتقاعد. فهذه وضعية استحالة مادية عن تنفيذ الحكم.

إلا أنّه ينبغي التأكيد أنّ الإدارة المعنيّة بالتنفيذ ينبغي أن لا تكون المتسببة في إنشاء وضعيّة الاستحالة المادّية حتى تتفصى من واجب التنفيذ.

فعلى سبيل المثال، بهدف إعاقة إرجاع عون إلى سابق وظيفه بموجب حكم قضائي، تولت جهة الإدارة إحداث تعديل على الهيكل التنظيمي بحذف المركز الوظيفي الذي كان يشغله العون المعني وتتمسك تجاهه بالاستحالة المادية لتنفيذ الحكم.

  • حصول طارئ يهدد النظام العام:

في هذا الاطار، قبل القاضي الإداري الدفع المعروض من جهة الإدارة المكلفة بتنفيذ الأحكام القضائية عموما (بما فيها أحكام  القضاء العدلي) وذلك بحصول ظروف استثنائية تهدد النظام العام. إلا أنّ القاضي الإداري اعتبر أنّ هذه الاستحالة هي ظرفية تزول بزوال أسبابها ولا يجوز للإدارة الاعتصام بهذا الدفع لتبرير عدم تنفيذ الحكم.

ففي القضية عدد712221 بتاريخ 13 جويلية 2013، اعتبرت المحكمة:ؤ"وحيث أنّ السلطة التنفيذية مكلفة بتنفيذ الأحكام ... وليس لها أن تمتنع عن تسخير القوة العامة للقيام بذلك إلاّ لمدّة زمنية محدّدة متى ثبت توفّر ظروف استثنائية تهدّد النظام العام  وتحول دون التنفيذ...." .

الاستحالة القانونية:

تتعلق بالحماية القانونية المسندة بموجب القانون أو بموجب القضاء لمصالح معينة بالنظر لوضعها الخاصّ والتي تحول دون أن تنتج الأحكام القضائية جميع آثارها. ويمكن ذكر صورتين على الأقلّ، وهما: حصانة المنشآت العمومية وحصانة الأموال العمومية.

  • الوضع القانوني للمنشآت العموميّة:

فقد درج فقه القضاء على إسنادها حماية قانونية بالنظر إلى قيامها على عنصر المصلحة العامة والتي تعلو في جميع الأحوال المصلحة الخاصة (الفصل557 من مجلة الالتزامات والعقود).

وقد تجسّمت هذه الحماية في الحدّ من الآثار التنفيذية للحكم بالتنصيص صلبه كلما تعلّق الأمر بمنشأة عمومية إلى عدم قابليتها للإزالة أو الاسترجاع: فقد ورد بالحكم عدد 121330 بتاريخ 26 جانفي 2015 أنّه :"استقرّ الفقه والقضاء الإداريان على اعتبار أنّ اقتران منظومة المنشآت العموميّة بتجسيد رهانات المصلحة العامة يحول بالضرورة دون الإذن بإزالتها". كما ذهب قضاء المحكمة الإدارية إلى أنّه على نفس الأساس المذكور فإنّ ثبوت تخصيص العقار المستولى عليه لإقامة مدرسة يحول دون الإذن بإلزام الإدارة بالخروج أو القضاء بإزالة المرفق العمومي (الحكم عدد 125225 بتاريخ 28 ماي 2014).

  • الحصانة التشريعية ضد التنفيذ:

وتتعلقّ هذه الصورة بما نصّت عليه أحكام الفصل 37 من مجلة المحاسبة العمومية من فرض حصانة على أموال وممتلكات الدولة أو المؤسسات العمومية الإدارية  أو الجماعات العمومية المحلّية[6].

إلا أن هذه الحصانة وإن كان هنالك ما يبرّرها بخصوص الأموال والأملاك العمومية الراجعة للإدارات المنصوص عليها بالفصل 37 لارتباطها بالمصلحة العمومية وبحسن سير المرفق العام، فإنّ هذا المعيار لا ينبغي أن ينطبق بخصوص الأموال والأملاك الخاصة الراجعة للإدارات المذكورة والتي تتساوى في وضعها بالنسبة لذمتها المالية مع الأفراد العاديين والتي يمكن أن تمتدّ إليها طرق التنفيذ الجبري المعمول بها تجاه الأفراد العاديين.

ورغم أنّه لم يسبق نشر نزاعات من هذا القبيل أمام القضاء الإداري التونسي، فقد أقرّ القضاء الإداري المغربي هذا الاستثناء بإعمال معيار انتفاء الصبغة العمومية في مال الإدارة وخضوعه لاجراء الحجز (يراجع قرار الغرفة الإدارية  بالمجلس الأعلى الصادر بتاريخ 22 ماي 1997 تحت عدد 556). فلقد استجابت المحاكم الإدارية بالمغرب لطلبات الحجز على أموال الجماعات العمومية القابلة للحجز والتي لا يتعارض الحجز عليها مع سير المرفق العمومي، كالسيارات المخصصة للتنقلات الشخصية لرؤساء تلك الجماعات (الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بفاس في 10 ديسمبر 2002: مذكور في مقال للأستاذ محمد محجوبي المستشار بالغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى: دور المحاكم الإدارية في تنفيذ الأحكام الصادرة عنها).

 

خلاصة

ما يمكن استخلاصه من خلال هذا الجزء، الأمور الآتية:

  • أنّ ضبط الشروط المتعلقة بتنفيذ الحكم هو في الآن نفسه ضمان لتيسير تنفيذها وسدّ لذرائع جهة الإدارة في التفصي من عدم تنفيذها،
  • أن القضاء الإداري من خلال النزاعات المعروضة عليه ورغم غياب إطار قانوني وترتيبي منظم لمسألة تنفيذ الأحكام تمكّن من صياغة جملة من الضوابط التي يمكن الاستئناس بها عند وضع وتقنين إطار لتنفيذ الأحكام وقرارات القضاء الإداري في تونس،

أنّ ضبط شروط تنفيذ الأحكام يظلّ غير كاف ما لم يتمّ اعتماد آليات تضمن تنفيذ الأحكام.

الآليات المتاحة لتنفيذ أحكام وقرارات القضاء الإداري في تونس

لقد استغلت جهة الإدارة غياب إطار قانوني صريح لتنفيذ الأحكام للتفصي من واجب تنفيذها. كما أنها استغلت في العديد من الحالات وضعها كسلطة عمومية للدفع به كحصانة على التنفيذ. وما فاقم من ذلك هو غياب عقلية الانصياع لأحكام القضاء، بحيث أصبح التعامل معها انطباعيا، من شأنه أن يغذّي سلوك تجاهلها وعدم تنفيذها ضد الإدارة.

ويسعى هذا المقال إلى تبيان الوضع الحالي للخلل الحاصل في تنفيذ الأحكام من خلال الإضاءة على آليات التنفيذ المتاحة والتي تبقى قاصرة عن معالجة هذا الخلل. وبالإمكان تصنيف آليات تنفيذ الأحكام  ضمن فئتين وفق طابعها القضائي أو غير القضائي.

 

الآليات القضائية لتنفيذ أحكام وقرارات القضاء الإداري:

من خلال أحكام  النصوص المتعلقة بالمحكمة الإدارية، يتبيّن أن القاضي الإداري يبقى المتتبّع لتنفيذ الأحكام  الصادرة عنه عبر وظيفته الحكمية، وكذلك عبر إسناده دور وسيط في التنفيذ من خلال وظيفة تحكيمية.

 

الوظيفة الحكمية:

يبقى القاضي الإداري الرقيب على مدى انصياع جهة الإدارة للأحكام الصادرة في حقها وذلك عبر قيام صاحب المصلحة برفع قضايا في إلغاء قرارات عدم التنفيذ أو في التعويض له عن عدم التنفيذ طبق أحكام الفصول 9 و10 من قانون المحكمة الإدارية.

ولمساءلة جهة الإدارة عن عدم التنفيذ المقصود، سواء بالغاء قرارات عدم التنفيذ أو بتعمير ذمتها المالية بالغرامات، وسّع فقه القضاء في مجال رقابته في محلات عدة، أبرزها الآتية:

- أنه اعتبر أن عدم التنفيذ المقصود يجعل من الدعاوى المرتبطة بحقوق متعلقة بالأحكام المعنية غير قابلة للسقوط. فعن الدفع المتعلق بسقوط الدعوى بمرور الزمن بخصوص عدم تنفيذ حكم في أوانه، أجابت المحكمة في القضية عدد 120221 بتاريخ 26 ديسمبر 2012 بما يلي: "وحيث متى كان عدم التنفيذ المقصود للأحكام القضائية الصادرة عن هذه المحكمة من قبل الإدارة جزئيا أو كلّيا موصوفا من المشرّع بالخطأ الفاحش وسببا لإلغاء القرارات الإدارية المعتصمة به دون التقيّد في خصوصها بآجال التقاضي، فإنّ من توابع ذلك أن لا تنتفع الإدارة بتحصين خطئها ذاك بفعل الزمن المسقط لتنفيذية الأحكام  عموما، خاصة وهي المستفيدة من غياب آليات التنفيذ الجبري عليها".

كما أعمل القاضي الإداري بخصوص القرارات المتخذة للتفصي من أحكام القضاء الإداري نظرية "القرار المعدوم".

إلا أنّ آليات التقاضي من عدم التنفيذ أمام القضاء الإداري تبقى محدودة الفاعلية وهي تدرج المتقاضي في دائرة مفرغة، بحكم أنّ الأحكام  الصادرة في خصوصها قد تكون هي نفسها عرضة لعدم التنفيذ.

 

الوظيفة التحكيمية

وهي الوظيفة التي يقوم بها القضاء الإداري للسعي لتنفيذ الأحكام والقرارات وذلك من خلال جملة من الوسائل المتاحة بموجب الأحكام  التشريعية والترتيبية وهي:

  • تحسيس السلط السياسية بالصعوبات التي تعترض تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء الإداري:

وهي الآلية المنصوص عليها بأحكام  الفصل 87 مكرر من قانون المحكمة الإدارية المتعلقة بالتقرير السنوي الذي تعدّه المحكمة الإدارية. فقد اقتضى المشرع أن يتضمّن التقرير السنوي: "الصعوبات التي قد يتعرض لها تنفيذ قرارات المحكمة". وتجدر الإشارة هنا إلى أنه تمّ وضع هذا النصّ التشريعي في زمن كان النظام السياسي فيه رئاسيا على نحو يجعل من رئيس الجمهورية مركز السلطات وهو في الآن نفسه رئيس الإدارة والمتحكم في دواليبها. وبالتالي، فهو المسؤول الأول عن الوظيفة التنفيذية التي تشمل إلى جانب القوانين، الأحكام خاصة من قبل الإدارة المنصاعة لأوامره. إلا أن هذا النص يبقى هاما رغم تغير النظام السياسي حيث تبقى مسألة تنفيذ الأحكام هامة لتقييم مسؤولية الدولة التي ينبغي أن توفّر الآليات الكفيلة بضمانها.

إلا أنّ دور المرصد في ضبط الصعوبات المرتبطة بالتنفيذ يبقى محدودا، باعتبار أنّه يرتبط بالمعلوم فقط بتلك الصعوبات من قبل المحكمة من خلال وظيفتها القضائية والاستشارية. ومن المرجح جدا أن يبقى المعلوم من حالات عدم التنفيذ أقل بكثير مما هو غير معلوم.

  • تقديم استشارات التنفيذ:

ترتبط هذه الآلية بالوظيفة الاستشارية التي يقوم بها القضاء الإداري لفائدة الإدارة طبق ما نصّ عليه الفصل 4 من قانون المحكمة الإدارية لجهة أنّه يمكن استشارة المحكمة الإدارية "بوجه عام حول كافة المواضيع التي تعرضها عليها الحكومة لإبداء رأيها فيها".

وقد استخدمت الإدارة هذه الآلية للاستفسار عن سبل تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية. وهو ما يعكس من جانب الإدارة احتراما لحجية الأحكام وتعبيرا عن سعيها لتنفيذها وإظهارا من جانبها للصعوبات الناتجة عن التنفيذ. ومنذ بداية عملها، تتلقى المحكمة الإدارية فعليا، وسنويا طلب استشارات تنفيذ من مختلف الإدارات.

  • التوسط في تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عنه:

تم إقرار هذه الوظيفة بمناسبة إحداث الدائرة الاستشارية الثانية بالمحكمة الإدارية بموجب الأمر عدد 431 لسنة 2008 وإسنادها المهام المنصوص عليها بأحكام الفصل 87 مكرر من قانون المحكمة الإدارية والمتعلقة بإعداد التقرير السنوي ومتابعة الصعوبات الناشئة عن تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء الإداري.

ومنذ إصدار الأمر عدد 431 لسنة 2008، أصبح التقرير السنوي للمحكمة الإدارية يحتوي على عنوان عاشر وهو: "متابعة تنفيذ أحكام وقرارات المحكمة الإدارية"، وعلى إحصائيات تعهدّ الدائرة الاستشارية الثانية بالمطالب المتعلقة بتنفيذ الأحكام، سواء المقدمة من المتقاضين أو من الادارات المعنيّة.

ما يلاحظ هو:

- غياب إشهار لدى عموم المتقاضين والإدارات المعنية بهذه الدائرة، على نحو يجعل العلم بها يتمّ عرضا في مقر المحكمة عند التظلم من عدم التنفيذ،

- غياب تراتيب تحدّد كيفية التعهد وسير إجراءات النّظر في هذه المطالب: إلا أنّ ذلك لم يمنع من بلورة جملة من القواعد المتعلقة بعرض مطالب المساعدة على تنفيذ الأحكام والقرارات على الإدارات المعنيّة وتلقي ردوده بخصوص أسباب عدم التنفيذ ومتابعة تسوية الملف بتحديد مآله النهائي،

وقد تمّ إدراج مطالب الاستفسار عن سبل تنفيذ الأحكام والقرارات المعروضة من مختلف الإدارات ضمن مرجع نظر الدائرة الاستشارية الثانية.

وتشير المعطيات الإحصائية لسنة 2013 مثلا أنّه تعهدت الدائرة ب31 ملف يقسمون بين 27 ملف مساعدة على تنفيذ أحكام وقرارات صادرة لفائدة مواطنين، و4 طلبات استفسار حول تنفيذ الأحكام من قبل إدارات. وبخصوص مآلات المطالب المتعلقة بالمساعدة على تنفيذ الأحكام، فقد استجابت جهة الإدارة في حدود 25% منها وبقيت بالتالي نسبة الإحجام عن التنفيذ مرتفعة.

 

الآليات غير القضائية في تنفيذ الأحكام والقرارات:

تتعلق هذه الآلية بالخصوص بمؤسسة الموفّق الإداري المحدث بموجب القانون عدد51 لسنة 1993 والذي تمّ إسناده بموجب الأمر عدد 1126 لسنة 1996 دورا توفيقيا بين جهة الإدارة والصادر لفائدته الحكم للبحث عن حلول لرفع العراقيل التي تحول دون تنفيذ الحكم.

ولتيسير مهمة الموفق الإداري، أوجب المشرع تعيين منسقين عن الوزراء ومختلف السلط الإدارية قصد دراسة مختلف الشكاوى والردّ على استفسارات الموفق الإداري.

إلا أنّ دور الموفق الإداري يبقى محدوداً بعدم إعطائه الوسائل اللازمة لحمل جهة الإدارة على تنفيذ الأحكام.

تبعا لنقص الآليات المتاحة لتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية، يجدر التفكير في آليات تؤول إلى فرض التنفيذ بقوّة التشريع من خلال مقترحات ستة:

  1. أن تتضمن الأحكام المتعلقة بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية والأنظمة الأساسية الخاصة لبقية الأعوان العموميين تنصيصا صريحا على واجب تنفيذ الأحكام عموما، وأن الامتناع أو عرقلة تنفيذها يعدّ خطا تأديبيا جسيما موجبا للعزل.
  2. أن يقع تعديل أحكام المجلة الجزائية المتعلقة بعدم تنفيذ أحكام القضاء وإدراج أحكام خاصة تنسحب على الأعوان العموميين المعنيين بالتنفيذ والترفيع في العقوبات الخاصة بهذه الجريمة.
  3. أن يقع إحداث خطة قضائية صلب هيكل القضاء الإداري وهي "قاضي تنفيذ الأحكام" يعهد إليه تلقي تشكيات المتقاضين المتعلقة بعدم التنفيذ والنظر في آليات تنفيذ الأحكام والبت في الصعوبات المتعلقة بها.
  4. إحداث هيكل إداري خاص يجمع ممثلين عن مختلف القيادات الإدارية في جميع الوزارات ومن قضاة إداريين وممثلين عن المتقاضين لإبداء الرأي بخصوص آليات تنفيذ الأحكام .
  5. إحداث مرصد لدى المجلس الأعلى للقضاء يعنى بتجميع الإحصائيات حول عدم تنفيذ الأحكام  ويوفر قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها.

أن يكون تنفيذ الأحكام وخاصة أحكام  القضاء الإداري من جملة مقاييس تقييم العمل الحكومي للوزراء من قبل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومن مجلس النواب وسبيلا لإثارة المسؤولية السياسية للوزير.

 

 

 


1- وهي الرسالة المشهورة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابي موسى الاشعري عندما ولاه قضاء الكوفة.

2- في بعض الوضعيات الغريبة: تعهد القاضي الإداري بطلب من الادارة في الاذن لها بتنفيذ قرار إداري (القضية عدد712961 بتاريخ 30 سبتمبر 2015 : للتدخل لتنفيذ قرار اعفاء امام جامع الزيتونة في تاريخه : رغم ان من خصائص القرار الإداري صبغته التنفيذية التي لا تحتاج اذنا لانفاذه :فقه قضاء مستقرّ:القضية 712703 بتاريخ 13 جانفي 2015).

3- هذا الدفع بعدم ثبوت الفصل في أصل المنازعة غير الموجب لتنفيذ القرارات الصادرة في توقيف التنفيذ تمسكت به رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة بمناسبة صدور العديد من قرارات توقيف تنفيذ اعفاء أعضاء من الهيئة.

4- يراجع القرار 1/2017 الصادر عن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين  بتاريخ 11 افريل 2017 والمنشور يالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 18 أفريل 2017.

-تصديقا لقوله تعالى:"فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا ممذا قضيت ويسلّموا تسليما." الآية 65 من سورة النساء.[5]

6-(الفصل 37: - لا يجوز إجراء أية عقلة ولو كانت بمقتضى أحكام أو بطاقات تنفيذية على الأموال ولا على الديون المنجرة عن ضرائب أو غيرها ولا على السندات والقيم والمكاسب المنقولة وغير المنقولة بدون أي استثناء التي تملكها الدولة أو المؤسسات العامة الإدارية أو الجماعات العمومية المحلية.

وكل ما يقع من عقل وأعمال تنفيذية وغيرها خلافا للأحكام المقررة أعلاه يعتبر باطلا بطلانا مطلقا.)