في عددها رقم 57 الصادر في تشرين الثاني 2018، رأت "المفكرة" أن العائق الأكبر أمام حرية التعبير هو نظام المقامات. وقد عرفت المفكرة هذا النظام بأنه النظام الذي يكون فيه الاعتبار الأول للمقام المفروض احترامه وقد يكون سياسيا أو دينيا. وعليه، يعتبر أيّ تعرّض لأيّ من هذه المقامات عملا مدانا، يصعب تبريره. وعليه، وبدل أن يميل النظام اللبناني إلى ضمان المساءلة والمحاسبة للمسؤولين فيه كما يفترض بأي نظام ديمقراطي، تراه يميل إلى ضمان تبجيل هؤلاء وإعلاء شأنهم.

في هذا المقال، سنورد عددا من الأفكار التي استخدمها وطورها عدد من القضاة بهدف تعزيز حرية التعبير في مواجهة هذا النظام. نعدّ هذه الأفكار بمثابة ومضات يجدر التوقف عندها والعمل على تعزيزها وتوسيع نطاق تطبيقها، من دون أن ندّعي بأيّة حال الشمولية في التوثيق في هذا الشأن (المحرر).

 

  1. مبدآ الضرورة والتناسب في تقييد حرية التعبير:

يفترض تطبيق مبدأي الضرورة والتناسب في مجال الحريات العامة والحقوق الأساسية أنه لا توضع ضوابط عليها إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، وذلك مع احترام التناسب بين النتيجة المرجوة من هذه الضوابط وأثرها على الحقوق التي تم المس بها. بالمقابل، فإن الضوابط الموضوعة على هذه الحرية أو الحق تكون غير مشروعة، في حال عدم تحقق شروط هذين المبدأين. ورغم أهمية هذين المبدأين في المنظومة الحقوقية، قلما نجد لهما أثراً في القانون أو القرارات القضائية في لبنان. وما سهل من ذلك هو خلوّ الدستور من أي إحالة صريحة إليهما، وإطلاقه يد المشرع في وضع القيود التي يرتئيها على الحريات المكرسة فيه. وهذا ما نقرؤه في عدد من المواد الدستورية، كالمادة 13 حيث جاء أن "حریة إبداء الرأي قولاً وكتابة وحریة الطباعة وحریة الاجتماع وحریة تألیف الجمعیات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون".

بالمقابل، فإن هذين المبدأين يجدان طريقا للتطبيق من خلال إحالة مقدمة الدستور إلى المواثيق الدولية.

على هذا المنوال، نقرأ في المادة 19 من الدستور أنه "يجوز إخضاعها (أي حرية التعبير) لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية: (أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، (أو) (ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

وهذه المبادئ تكون بالواقع ملزمة ليس فقط للمشرع، بل أيضا للقاضي أقله كلما وجد نفسه أمام مطلب أو تدبير إداري بتقييد حرية أو حق أساسي صونا لحق آخر، من دون أن يكون هنالك أي قانون يشرع هذا القيد.

وقد شكلت ظاهرة اللجوء إلى القضاء المستعجل للمطالبة بتقييد حرية التعبير مناسبة هامة لتطبيق هذين المبدأين. فما هو القرار الذي يتعين على قاضي الأمور المستعجلة اتخاذه في حال لجأ إليه مواطن طالبا منه تقييد حرية شخص بالتعبير حماية لشرفه؟ أيهما الحق الغالب؟ حرية التعبير أم الحق بالكرامة والشرف، علما أن لكلاهما قيمة دستورية؟ فيما ذهب بعض القضاة إلى تغليب الحق بالشرف من دون أي تبرير، فإن قضاة آخرين ذهبوا إلى إعمال مبدأي الضرورة والتناسب في أحكامهم بهدف بتّ هذه المعضلة.

وفق هذين المبدأين، لا يصح اتخاذ قرارات مقيدة للحرية إلا بعد التثبت من توفر شروط أربعة: أولا، أن يكون الهدف المنشود مشروعا ومبررا في نظام ديمقراطي. ثانيا، أن يشكل التدبير المطلوب أو المتخذ وسيلة ناجعة لبلوغ الهدف المنشود (إثبات الرابط بين الوسيلة والغاية). ثالثا أن تكون الوسيلة الأقل مساسا بالحق أو تعارضا مع حق آخر (إثبات الرابط الضروري) ورابعا أن يكون الهدف المنشود أسمى وأهم من الأثر السلبي على الحقوق التي تم المس بها.

من أبرز القرارات التي كرست هذين المبدأين القرار الصادر بتاريخ 29-10-2011 عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف والذي انتهى إلى رد طلب مغنّية بمنع برنامج تلفزيوني من التطرق إلى أية أخبار خاصة بها من شأنها التشهير بها وبسمعتها وخاصة ما يتعلق بالمسائل العائلية والعاطفية والمالية. ففي هذا القرار أكد القاضي على وجوب "الموازنة بين هذه النتيجة السلبية (اثر التدبير المطلوب على حرية التعبير) والضرر الذي قد ينشأ في حال عدم اتخاذ التدبير المطلوب[1]".

وبنتيجة هذه الموازنة، رأى أن لا مجال للتدخل متى لم يثبت جدية التعرض أو احتمال وقوعه أو خطورته وعدم امكانية التعويض عن الأضرار التي من شأنه التسبب بها، لكيلا يمسي تدخله "رقابة مسبقة تشكل قيدا غير مقبول على حرية التعبير والاعلام ومحاسبة على النوايا". وتاليا، من دون إغلاق الباب أمام التدخل منعا لأفعال مستقبلية خطرة ومحدقة، عمد القرار إلى حصره في "حالات استثنائية جدا" تاركا للقاضي تحديد مدى هذا المفهوم على ضوء مبدأ التناسب.

ومن هذا المنطلق، شكل هذا القرار نموذجا لتطبيق القضاء اللبناني لـ"مبدأ التناسب". وبذلك أعلن القاضي أن وظيفته تفرض عليه، ليس فقط تقويم الاجراء بحد ذاته (قانوني أو غير قانوني)، إنما أيضا تقويمه من حيث انعكاساته على ممارسة الحقوق الأخرى.

 

  1. إعلاء وظيفة حرية التعبير والحق بالمعرفة أو الذمّ المندوب

في سياق تطبيق مبدأي الضرورة والتناسب، توجّه عدد من القضاة إلى إعلاء شأن حرية التعبير والحقّ بالاطلاع على المعلومات، وتاليا إلى تعزيز مكانتها في الموازنة التي يزمعون القيام بها.

وفي هذا الإطار، نجد نوعين من الحجج الداعمة لهذه الحرية:

أولا، الحجج المستمدة من النصوص:

هنا، غالبا ما يستند القضاة إلى المادتين 13 من الدستور المشار إليها أعلاه، و19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الخاصة بحرية التعبير. ويلحظ أن العديد من هذه القرارات أقرت القوة الدستورية لهذه المادة، من خلال الإحالة إلى الفقرة ب من مقدمة الدستور التي نصت على التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (آخر الأمثلة على ذلك، القرار الصادر عن قاضية الأمور المستعجلة في بيروت هالة نجا، 7/11/2018).

اللافت في هذا المجال هو الاتجاه الحديث لقضاة الأمور المستعجلة في إبراز المادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد التي فرضت على الدول المنضمة إليها "أخذ التدابير المناسبة لتشجيع أفراد وجماعات لا ينتمون إلى القطاع العام على المشاركة النشطة في منع الفساد ومحاربته، ولإذكاء وعي الناس في ما يتعلق بوجود الفساد وأسبابه، عبر تدابير عديدة، ومنها خاصة ما يضمن تيسّر حصول الناس فعلياً على "المعلومات" واحترام وتعزيز وحماية التماس المعلومات المتعلقة بالفساد وتلقيها ونشرها وتعميمه".

وقد أمكن ذلك، بعدما اعتبر القضاة صراحة أو ضمنا أن الحرية الإعلامية وسيلة مجدية لمكافحة الفساد.

وفيما كان القاضي جاد معلوف سباقا في هذا الإطار كما نستدل من حكمه الصادر في 26/11/2014، فإن الإشارة إلى هذه المادة عادت وتكررت في العديد من الأحكام الصادرة عنه (19/11/2016) أو عن زملاء له في دائرة القضاء المستعجل في بيروت، في طليعتهم هالة نجا (18/4/2018) وكارلا شواح (31/7/2018).

أما الفئة الثانية من الحجج المستخدمة لإعلاء شأن حرية التعبير، فقد تمثلت في إبراز وظائفها الاجتماعية. ومن أبرز الشواهد على ذلك هي الأحكام التي أكدت على أهمية هذه الحرية في مكافحة الفساد. وهنا أيضا نستحضر الحكم الصادر في 26/11/2014 والذي نص بشكل لافت على أن هذه الحرية الاعلامية قد تتحول في ظروف معينة الوسيلة الوحيدة لفضح المرتكبين أو لإرغام هذه الأجهزة على تحريك الملاحقات ضدهم، وهو الأمر الذي يحصل في حال تعطّل دور أجهزة الرقابة والمحاسبة الرسمية. وبهذا المعنى، تشكل هذه العبارة رداً أنيقاً وبليغاً على الخطابات التي تدعو إلى تجنب الفضح الإعلامي (الذي غالباً ما يُصوَّر على أنه أعمال إثارة وصحافة صفراء) وانتهاج الوسائل الرسمية وحدها للاقتصاص من الفساد، وذلك صوناً لكرامة الأشخاص أو هيبة المؤسسات التي ينتمون إليها.
في السياق نفسه، ذهب الحكم نفسه إلى الإشارة إلى تأثيرات الفساد الخطيرة على الاقتصاد، من منطلق أنه يشكل "أحد العوائق الرئيسية للتطور والنمو". وبذلك، أعاد القاضي معلوف شروط الموازنة بين حرية التعبير والحقوق الشخصية بالسمعة: فكفة حرية التعبير لا تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية بل تشمل أيضاً اعتبارات التنمية وما يستتبعها من حقوق اجتماعية واقتصادية.

إلى ذلك، أصدرت محكمة المطبوعات في بيروت بتاريخ 4/12/2018 حكما متميزا في هذا الخصوص. وقد ذهبت إلى حد التصريح بوضوح كلي: أنه "لا يستقيم عدالة وقانونا إدانة من يصوّب ويدلّ على الفساد بشكل موضوعي".

 

  1. الحق بالشرف لأصحاب المسؤولية نسبي

هذه الفكرة هي نقيض نظام المقامات تماما. فنظام المقامات يفترض أن سمعة الشخص تكون محمية بقدر ما يعلو مقامه، بحيث يصبح التعرّض له أمرا غير محتمل. بالمقابل، فإن مبادئ الديمقراطية بما تفترضه من شفافية ومساءلة، تقودنا إلى نتيجة معاكسة تماما بحيث يكون المسؤول حكما أكثر قابلية للنقد والمساءلة؛ ويتعين عليه تاليا أن يكون منفتح الصدر وأن يتحمل الانتقاد وإن كان قاسيا أكثر من سواه.

وهذا ما نقرأه في الحكم الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة جاد معلوف بتاريخ 16/7/2013، والذي أتى بمثابة مرافعة ضد "دولة المقامات" أو "دولة المجاملة"، التي تفترض التضييق من هامش انتقاد الزعماء السياسيين مع تحويل الإعلام (أقله الوسائل المؤيدة لهم) إلى أبواق للتمجيد بهم. وقد جاء فيه حرفيا "أن من يتعاطى الشأن العام ولا سيما من رجال السياسة يتعرض دوما لانتقادات من معارضيه أو خصومه، وقد يكون البعض منها قاسيا وفي غير محله، إلا أن من يضع نفسه في الموقع المذكور يتخلى حكما عن جزء من الحماية المتوفرة للأشخاص العاديين ويخضع لمراقبة الرأي العام بكل أفعاله، العامة منها والخاصة أحيانا، ولا بد من إظهار نسبة أعلى من التسامح والتقبل. وحيث أن بعض الآراء، التي تتبناها أيضا المحكمة اعتبرت أن الحماية التي يتم توفيرها عبر التوسع بمفهوم انتقاد رجل السياسة ولا سيما النائب ضمن أطر حرية التعبير، توازن الحصانة الممنوحة لهذا الأخير والتي تمنحه مجالا واسعا في الانتقاد دون خشية الملاحقة".

 

  1. وظيفة القاضي: خادم للنظام، للقانون أم رائد في مجتمعه؟

ما هي وظيفة القاضي؟ هنا يمكن تصور ثلاثة أنواع من القضاة:

  • قاضي النظام والمقصود نظام المقامات. وفق هذا التصور، يصبح القاضي حارسا لوهج هؤلاء ومصالحهم. فلا يفوت فرصة للتصدي لأي تعرض لهم مكبرا من حجمه ومن مسؤولية الأشخاص الذين تسوّل لهم أنفسهم تعرضا مماثلا. فيصبح أي نقد أو تشكيك أو كلام قاس ذما أو حتى قدحا وتحقيرا، على أساس أن هؤلاء انوجدوا لنبجلهم لا لننقدهم. من هذه الزاوية، يتحول أي اتهام لهؤلاء اتهاما ضد مطلقه لأنه تجرأ على المس بـ"كبار القوم". ويصعب أن نفسر العديد من الأحكام التي تحولت إلى مناسبة للتمجيد بهذه المقامات وإعلاء شأنها بمعزل عن هذا الفهم. ومنها مثلا، ما جاء في حكم لمحكمة المطبوعات في بيروت بتاريخ 19/2/2004 لجهة "أن كرامة وشرف الإنسان هي أغلى ما أعطي له على وجه الأرض. هذا بالنسبة للفرد العادي. فكيف يكون الحال مع من يتولّى مسؤولية عامة هو أحرص على هذه الكرامة وذلك الشرف كعنوان ورمز وكيان أهّله للخدمة العامة ولثقة الشعب والسلطات الدستورية في شخصه". بهذا المعنى، يصبح دور القضاء في الأساس المحافظة على أدب البلاط ومعاقبة من يخرج عنه.
  • القاضي الخادم للقانون هو القاضي الذي يقتصر دوره على تطبيق القانون بحذافيره وفق التفسير المعطى له، من دون أي مسعى منه لتطوير هذا التفسير أو إعادة الانسجام للمنظومة القانونية على ضوء تطوّر المبادئ القانونية والقانون المقارن. وبهذا المعنى، تراه يحصر دوره في وصف الكلمات ومدى انطباق شروط الذم والقدح عليها من دون أي اجتهاد. وعليه، لا يجد القاضي فم القانون حرجا في تجاهل القضايا الاجتماعية التي حدت أحدهم إلى الذم بأحدهم أو أن يعدّها غير مؤثرة في حكمه، بحجة أن القانون يعاقب الذم بالأشخاص العاديين بمعزل عن مدى صحة الأفعال المنسوبة إليهم. بهذا المعنى، يصبح دور القضاء المحافظة على أصول الأدب ومعاقبة من يخرج عنه بمعزل عن حسن نيته. ولعل خير دليل على ذلك هو الأحكام الصادرة عن محكمة المطبوعات في بيروت والتي ذهبت إلى اعتبار الإعلام سلطة رابعة، واعتبار الاتهامات الإعلامية الموجهة إلى الأشخاص بمثابة أحكام تتعدّى من خلالها هذه السلطة على السلطة الثالثة التي هي القضاء.
  • القاضي الرائد، حامي الحريات والحقوق. وهو القاضي الذي يسعى إلى تطوير الاجتهاد وأداء دور أساسي في تفسير القانون بما يفرضه التطور والمصلحة الاجتماعيان، على ضوء مبادئ الديمقراطية وفي مقدمتها المساءلة والشفافية. وإلى جانب الدور الهام الذي قد يستمده القاضي الرائد من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (وهو أعلى من النصوص القانونية الداخلية)، فإنه يكتسب بفعل تكريس مبدأي الضرورة والتناسب هامشا إضافيا في البحث عن مقتضيات الديمقراطية والموازنة السليمة بين الحقوق المعنية وفق ما سبق بيانه.

وفي هذا الإطار، ذهبت بعض الاجتهادات إلى تعزيز الوسائل المتاحة للقضاء لأداء دور رائد. وقد تم ذلك من خلال قراءة خاصة للمادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد المشار إليها أعلاه، على نحو أدى إلى جعل القاضي معنيا بتطبيق التزامات "الدولة" في هذا الإطار. وهذا ما نقرأه بوضوح في الحكم الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة جاد معلوف بتاريخ 19/11/2016، حيث جاء حرفيا:"حيث أن القضاء الذي "يشكل السلطة الثالثة في الدولة" يقع على عاتقه وبصفته المذكورة، تطبيق الالتزامات الناتجة عن الاتفاقية المشار إليها متى دخل ذلك ضمن صلاحياته ومتى لم تحدد الإتفاقية طبيعة التدبير أو الإجراء المطلوب من الدولة الملتزمة".

وقد عاد القاضي نفسه ليكرر واجب القاضي بتحقيق التزامات الدولة، بصفته السلطة الثالثة في الدولة، في حكم آخر اتصل بالالتزام بمكافحة التمييزين الجندري والعنصري وصدر بتاريخ 13/3/2017. فبعدما ذكر معلوف بأن الدولة التزمت بـ"تعديل الأنماط الإجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على فكرة الدونية أو تفوق أحد الجنسين أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة" (مادة 5 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء) وأن الدولة التزمت بـ"شجب التمييز العنصري وبانتهاج، وبكل الوسائل المناسبة ومن دون أي تأخير، سياسة للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله وتعزيز التفاهم بين الأجناس، وبعدم إتيان أي عمل أو ممارسة من أعمال التمييز العنصري ضد الأشخاص أو جماعات الأشخاص أو المؤسسات وبضمان تصرف جميع السلطات العامة والمؤسسات العامة، القومية والمحلية، طبقاً لهذا الإلتزام، وبعدم تشجيع أو حماية أو تأييد أي تمييز عنصري يصدر عن أي شخص أو أية منظمة" (مادة 2 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري)، رأى أن القاضي يكون ملزماً بتطبيق الإتفاقيتين مباشرة من خلال الأحكام التي يصدرها، مما يوليه هامشا واسعا للتدخّل وعمليا لاتخاذ مبادرات من شأنها وضع حدّ لهاتين الآفتين الإجتماعيتين.

 

  1. للحاكم كل المنابر: لماذا العقوبة؟

تتمثل هذه الفكرة في اعتبار العقوبة الجزائية غير ضرورية، على اعتبار أن للحكام والمسؤولين منابر عدة للدفاع عن أنفسهم. هذه الفكرة لم تثمر قضائيا بشكل كامل في ظل النصوص القانونية العقابية والتي يصعب على القاضي تجاوزها، وإن لم يكن قانعا بشرعيتها. إلا أنها رغم ذلك برزت في أحد الأحكام الصادرة عن القاضي المنفرد الجزائي في زغرتا القاضي مارسيل باسيل بتاريخ 6/10/2015 والذي انتهى إلى منح المدعى عليه أوسع الأسباب التخفيفية. وقد جاء في الحكم حرفيا: "الإدارات العامة كما الموظفين العموميين ورجال السياسة وبالنظر لدورهم الفعال في الشؤون الحكومية والعامة، يصبحون محط أنظار المواطنين ويخضعون لمراقبة الرأي العام والانتقاد العلني، إنما بالمقابل فإن هذه الانتقادات مهما بلغت قسوتها وعدم صحتها، ليس من شأنها التأثير فيهم بشكل خطير، بسبب قدراتهم الكبيرة في الدفاع عن أنفسهم بوجه افتراءات مواطن ليس في موقع سلطة ولا يملك سوى حاسوبه وحسابه على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لممارسة حريته في التعبير وأحيانا لتجاوز هذه الحرية...".

 

  1. أبعد من التحقير والذم، إنها مواقف وشعارات سياسية تخلو من أي نية جرمية

هذه الفكرة نشأت على وقع حراك 2015 وما أعقبه من أحداث. فخلال هذا الحراك، أطلق النشطاء شعارات سياسية عدة في اتجاه القوى السياسية المهيمنة، من نواب ووزراء. ومن أشهر الشعارات تلك، "طلعت ريحتكم" أو "128 حرامي" (بالإشارة إلى النواب الذين يبلغ عددهم 128) وما إلى ذلك من شعارات تعبر عن السخط العامّ إزاء أداء السلطات العامة. فهل تعدّ هذه الشعارات تحقيرا وذمّا بالقوى السياسية كما يستشفّ من ظاهر العبارات المستخدمة، أم أنها شعارات سياسية تدخل ضمن المساءلة وحرية النقد المشروع؟

في هذا الإطار، أصدر القاضية المنفردة الجزائية في بيروت عبير صفا أربعة أحكام هامة:

  • الحكم الأول، وقد صدر بتاريخ 3/4/2018 بكف التعقبات بحق أحد ناشطي الحراك، على خلفية العبارات القاسية التي وجهها إلى رئيس الوزراء آنذاك تمام سلام، اعتراضا على أزمة النفايات التي كانت سائدة في صيف 2015. وقد رأت القاضية أن هذه العبارات "وإن كانت جاءت بشكل صريح ومباشر خارج أدبيات التخاطب وحدود اللياقة في إبداء الرأي، والمفروض التحلي بها تجاه أي شخص، وإن كان هذا التجاوز في التعبير يشكل في ظاهره مساسا بالكرامة، إلا أنها كانت وليدة واقع الحال السائد في البلد، وقد صدرت عن المدعى عليه، الناشط اجتماعيا، تعبيرا عن الاستياء العام، الذي لم يكن خافيا على أحد، في المرحلة التي كانت فيه أزمة النفايات تطال جميع المناطق اللبنانية وتمس بصحة المواطنين أجمعين". وقد أردف الحكم: "وحيث بالرغم من توافر العنصر المادي لجرائم التحقير والقدح والذم، إلا أن العنصر المعنوي للجرائم المذكورة يبقى غير متوافر في الملف الراهن، لما رافق إطلاق العبارات المشكو منها من ظروف محيطة بالمدعى عليه حين صدورها عنه، لم تقتصر عليه بل طالت المجتمع اللبناني ككل، فقد جاءت كردة فعل على عدم متابعة ملف النفايات التي عانى منها المجتمع المذكور، وإن صبغت العبارات بدرجة معينة من عدم اللباقة في التعبير، إلا أن المقصود منها لم يكن توجيه الإزدراء إلى شخص رئيس الحكومة السابق والنيل من شرفة وكرامته، بل مجرد تعبير عن حالة الاستياء السائدة حينها في البلد بالنسبة لأزمة ملف النفايات". يلحظ أن العبارة المستخدمة اتهمت لفظا رئيس الحكومة آنذاك بالكذب والحكومة بالزبالة، وبأنهما بلا أصل وضمير.
  • الحكم الصادر، وقد صدر بتاريخ 31/10/2018، بكف التعقبات بحق خمسة نشطاء كانوا دونوا الشعارات الآتية على بلوكات الباطون في منطقة الروشة في أوائل 2016، وذلك اعتراضا على الضرائب التي كانت تعمل الحكومة على فرضها. وقد تضمنت الشعارات الآتي: "لا لزيادة الضرائب- ما رح ندفع – إيدكم عن جيبنا – أنتو بتسرقوا ونحنا مندفع". وقد جاء في الحكم حيثيات مشابهة لما تقدم:

"من الثابت أن العبارات التي أقدم المدعى عليهم كافة، وبالتعاون في ما بينهم، على كتابتها ورشّها على بلوكات الباطون الموجودة بمحاذاة الدرابزين والرصيف على الكورنيش البحري في منطقة الروشة، جاءت عامة ومطلقة خصص توجيهها إلى السلطة العامة ككل ولم يُعنَ توجيهها إلى موظف عام سمّي بشخصه وحدد بذاته، وبالتالي فإن صدورها عنهم كتابةّ ورشا على بلوكات من الباطون، لا يعدو عن كونه مجرّد تعبير عن حرية إبداء الرأي التي كلفها الدستور اللبناني في المادة 13 منه، وبالتالي ممارسة لهذا الحق عبر وسيلة سلمية احتجاجية تطال مسائل يومية حياتية تعّبر عن معاناة الشعب اللبناني في مختلف المناطق اللبنانية الإقتصادية والإجتماعية منها، في ظلّ ظروف صعبة غير خافية على أحد، وأن هذه المحكمة ترى أن هذه العبارات التي كتبت ورشّت على بلوكات الباطون، وإن كانت عبارة "أنتوا بتسرقوا" قد جاءت بشكل صريح، مباشر وقاس إلى حدّ ما، إلا أنها كانت وليدة واقع الحال الإقتصادي والإجتماعي السائد في البلد، وقد صدرت عن المدعى عليهم، الذين ينتمون إلى مجموعة الحراك المدني- ومنهم محامين وصحافية يدخل ضمن اهتمامهم اليومي العام نقل الواقع والإستياء العام والتعبير عنه- أي عن أشخاص ناشطين إجتماعيا،

وحيث إن العنصر المعنوي لجرميّ التحقير والذمّ يبقى غير متوافر في الملف الراهن، إن لعدم توجيه العبارات المشكو منها إلى شخص معيّن بالذات، وإن لعدم توافر قصد النيل من كرامة أحد بشخصه، بل إن ما أقدم عليه المدعى عليهم جاء كردّة فعل عفوية من قبلهم على توجّه السلطة العامة لفرض المزيد من الضرائب في وقت يرزح فيه المواطنون تحت وطأة الضائقة الاقتصادية المتفاقمة، وأنه أضحى من الثابت لهذه المحكمة أن الهدف الوحيد من قيام المدعى عليهم بكتابة التعابير على بلوكات الباطون جاء فقط تعبيرا سلميا إحتجاجيا عن حالة الإستياء العامة السائدة في البلد بالنسبة للأزمة الإقتصادية".

  • الحكمين الصادرين في 30/11/2018 في قضيتين أخريين من مخلفات الحراك الشعبي واللذين ذهبا في الاتجاه نفسه.

 

  1. المحاكمة العادلة

على خلفية رواج اللجوء إلى القضاء المستعجل لمطالبته بتقييد حرية التعبير بموجب قرار رجائي من دون أي منازعة، أصدرت محكمة استئناف بيروت برئاسة القاضية جانيت حنا بتاريخ 9/8/2018 حكما رائدا بوقف هذه الممارسة.

وقد ورد في حكمها الحيثيات الآتية:

"وحيث أن التدابير التي تطلبها الجهة المستأنفة تستند، من جهة أخرى، إلى مقالات تتعلق بسير العمل في "هيئة أوجيرو" وبكيفية إدارتها لقطاع الإتصالات في لبنان، فيكون الطلب الرامي إلى منع جريدة "الأخبار"، وهي وسيلة اعلامية لبنانية، من تضمين المقالات التي تنشرها ما قد تعتبره الجهة المستأنفة مسيئاً لهيئة أوجيرو أو لمديرها العام، يثير بذاته نزاعاً لا يمكن لهذه المحكمة أن تبت به دون دعوة الخصم المعني به وسماعه بالصورة الوجاهية، وعلماً أن مقاربة المسائل المتعلقة بالشأن العام والمرافق العامة والقاء الضوء عليها يدخل في صلب العمل الإعلامي الذي نظمه المشترع اللبناني بعدد من القوانين الوضعية التي تضمن للجهة المستأنفة حق الردّ...

وحيث، بالنظر لماهية التدابير المطلوبة من الجهة المستأنفة، والتي لا يشكل عنصر المباغتة شرطاً لجدواها، بالنظر لما يترتب عن هذه التدابير من إلزامات على عاتق شركة أخبار بيروت ش.م.ل، لا يمكن لقضاء العجلة أن يقرر إلزام هذه الأخيرة بإزالة المقالات المشكو منها وبمنعها مستقبلاً من نشر أي مقال قد يتضمن ما تعتبره المستأنفة إساءة لها، دون إبلاغها أوراق الدعوى ودعوتها أمام المحكمة وتمكينها من تقديم دفاعها بالصورة الوجاهية.

وحيث تقتضي الإشارة في هذا المجال إلى أن إبلاغ الشركة المعنية بطلبات المستأنفة لتقديم ملاحظتها لا يكفي لضمان حقوقها بشكل عادل وسليم ولا ينفي واجب مراعاة الأصول الوجاهية والنزاعية للبت بمسألة إلزامها بإزالة المقالات المشكو منها وبمنعها من نشر مقالات مماثلة في المستقبل".

 

نشر هذا المقال في العدد | 57 |  تشرين الثاني 2018، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القمع ليس حيث تنظر: نظام المقامات

 


[1]  نزار صاغية. نحو تكريس "مبدأ التناسب": اي تأثيرات سلبية للرقابة المسبقة؟ (تعليقا على الحكم الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت في 29-10-2011). المفكرة القانونية، العدد 3، كانون الأول 2011