تصنف المؤسسات الرسمية التونسية أعمال التعمير التي تتم من دون تحصيل ترخيص مسبق من الجهات الادارية المتخصصة أو من دون احترام مقتضيات تلك التراخيص، في خانة البناء الفوضوي. وتشير إحصائيات هذه المؤسسات إلى أن نسيج هذا البناء تطوّر من 30% من عموم العمران التونسي في سنة 2004 إلى 37% منه بنهاية سنة 2018، من ضمنها 1250 حيا سكنيا، بعضها ذات كثافة عمرانية كبيرة. تؤكد هذه المعطيات الإحصائية عجز السياسة العمرانية التونسية رغم تعدّد نصوصها القانونية والمؤسسات المتداخلة فيها، في كبح "الظاهرة" الفاقعة في فعل التعمير. ويجد هذا الفشل في عمومه مبرراته في ظواهر اجتماعية واقتصادية عدة، تتمثل أساسا في حركة النزوح نحو المدن وفي غلاء المقاسم السكنية المهيأة فيها. كما يُفسّر تطوّره الكمّي بعد الثورة، بما رافق سنواتها من ظواهر تمرّد على السلطة ومن قصور وظيفي في مؤسسات الرقابة على التعمير وخصوصا منها البلديات.

حسم البناء الفوضوي معركة التعمير في أغلب مواقعها لصالحه بفضل استفادته الدائمة من منظومة فساد اختار من انضمّ إليها أن يوجه نشاطه المهني لابتزاز المخالفين. وهنا حولت هيمنة ما كان يعد انحرافا، جانبا هاما من جهد الدولة إلى فعل ترقيع في مشهد الفوضى. فاستحالت أمثلة التهيئة العمرانية  أدوات تسوية لوضعيات عقارية قائمة تلاحق العمران، وتحاول اللحاق به بدل التخطيط له. وبات هدف المجهود الرسمي في الجانب الأكبر منه تهذيب العمران الفوضوي بشكل يحقق استجابة دنيا للشروط المدنية.

وفيما يشمل مصطلح البناء الفوضوي البناء في عقارات غير صالحة قانونا للبناء أو في عقارات تصنف في خانة ملك الدولة العام أو الخاص، فإن هذا المصطلح يحجب حقيقة، قوامها أن جانبا مما يعدّ بناء غير فوضوي وفق هذا المصطلح هو في واقعه فوضوي.

وخير دليل على ذلك، هو ما كشفه تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد. فبعدما خلص إلى أن الفساد العقاري كان من أهم وجوه الفساد المالي قبل الثورة، كشف أن هذا الفساد اعتمد أساليب متنوعة من أهمها:

أولا: تغيير طبيعة الأراضي لجعلها قابلة للبناء وأحيانا تغيير الأراضي المخصصة للبناء من صنف إلى آخر، لتمكين مالكيها من تحقيق مكاسب طائلة تتفاوت أهميتها وفق القيمة الإقتصادية للأرض. وقد شكّلت هذه الممارسة مصدر ثراء فاحش لعديد الأشخاص وفي مقدمتهم أفراد العائلة الموسعة لرئيس الجمهورية السابق والمقربين منهم،

ثانيا: إسناد الأراضي الصالحة للبناء من قبل الوكالات العقارية إلى بعض المقربين من دون وجه حق، في بعض المناطق ذات الأهمية العمرانية والاقتصادية كالضاحية الشمالية للعاصمة، والحمامات وسوسة وغيرها. وكان ذلك يتم تحت عنوان مكافأة المقربين بعيدا عن أيّ من المعايير الموضوعية التي من المفروض أن تخضع لها خدمات المرافق العامة،

ثالثا: التصرف غير القانوني في أملاك الدولة كتعمد تغيير طبيعة الملك العمومي للدولة وتنزيله لإدراجه ضمن أملاكها الخاصة قصد التفويت فيه بأبخس الأثمان وأحيانا بالدينار الرمزي."[1]

يستخلص مما سبق أن اشكالية البناء الفوضوي لا يمكن اختزالها بتجاوز الترخيص الإداري وأنه في حال أخذ أشكال الفساد العمراني الأخرى بعين الاعتبار، فإنه يرجح أن تصل نسبة البناء الفوضوي إلى مستويات مرعبة تفوق ربما مستوى العمران غير الفوضوي.

تبعا لذلك، يُصبح السؤال حول امكانية وضع حدّ للبناء الفوضوي وللفساد في مجال العمران محوريا في أي تصور جديد للتخطيط العمراني. ويتمثل الجواب الأبرز في هذا المجال في إعطاء السلطة المحلية دورا رئيسيا في تصور الأمثلة العمرانية والتصدي للبناء الفوضوي والتخطيط العمراني وفق معايير شفافة. وهذا ما نتبينه من مجلة الجماعات المحلية وفي التصورات المعلن عنها لمشروع مجلة التهيئة العمرانية.

وقد كشف ما برز من عمل المجالس البلدية في بداية عهدتها الانتخابية عن محاولات تصدّ باستعمال الأدوات الزجرية للبناء الفوضوي، وفي مقدمتها ممارسات الهدم. ويلحظ أن تلك المحاولات – التي حصلت بشكل انتقائي ومن دون رؤية شاملة- رافقها وتبعها عمل إعلامي وتواصلي تمحور حول شعار التصدي للنافذين الذين يتصرفون على أنهم أقوى من القانون والدولة. إلا أن التدقيق في عمل البلديات حتى الآن يظهر بأن الغاية الأساسية منه هي إبراز الجهد المبذول وتلميع صور المجالس الجديدة أكثر مما هي فرض احترام القانون في شؤون العمران. وبمعزل عن النوايا الحقيقية لهذه المجالس، ثمة عوامل موضوعية تدفع إلى تخفيف التوقعات حول امكانية إحداث تغيير هام وسريع في هذا المضمار. ومن أبرز هذه العوامل، أن "الشرطة البلدية" مستقلة عن هذه المجالس هيكليا وإداريا وهي لا تشاركها بالضرورة هذا الهدف. ولفهم ذلك، نكتفي بالتذكير بأن قيادات هذه الشرطة كانوا شنوا بعد الثورة إضرابا استمرّ منذ بداية سنة 2011 حتى نهاية سنة 2013، وقد تمثّل مطلبه الأبرز في الاستقلالية عن البلديات وربطهم مباشرة بوزارة الداخلية. كما يسجل ضمن العوائق، أن البناء الفوضوي كظاهرة انتعش بفعل الفساد الذي استشرى بالأخص بعد الثورة، في أجهزة مكافحته وبات يصعب جدا التصدي له.

في الجهة الأخرى من المشهد الجديد، تظهر المفاهيم التي أرستها مسودة مشروع مجلة التهيئة العمرانية واعدة خصوصا وأنها تبشّر بسياسة، عنوانها الأبرز فرض أمثلة عمرانية استشرافية تخطط للمستقبل بموازاة إدارتها للتطور العمراني والسكاني الراهن. إلا أنه يلحظ أن هذا المسعى الإصلاحي يبقى مجتزأ ومحدودا في حال لم يواكبه توجه موازٍ لإصلاح نظام الملكية العقارية، بما ينزع عنه الجمود القائم.

ومع أهمية التحدي المتصل بضمان شرعية التعمير ووقف العمران العشوائي، ثمة ضرورة فائقة بأن يأخذ التخطيط لمستقبل العمران بعين الاعتبار مقتضيات المحافظة على البيئة بما لها من أثر على صحة الناس والمحافظة على التراث بما يمثله من حقوق ثقافية. فما كان حجارة وطينا وأنهجا وشوارع وأزقة وأسوارا يتحوّل تلقائيا لنمط للعيش وعنوانا لثقافة شعب متحركة، ومع مرور الزمن، لمتاحف مفتوحة تصل الحاضر بالماضي في صمت ولكن بأمانة. وما يزيد من ضرورة التطلع إلى هذه الأهداف هو أن أي تهديد لأي منهما (أي البيئة أو التراث) قد يرتب أضرارا اجتماعية غير قابلة للتعويض.

وتمكّن هذه المقاربة من انتزاع التعمير من بعده العقاري الضيق لتوصله بالإنسان. وعندئذ، يصبح التعمير عنوانا لتنمية منسجمة مع المحيط يكون الإنسان هدفها ولا تقبل التضحية بأي من حقوقه الأساسية. ويظهر إذ ذاك التخطيط العمراني بمثابة مدخل لتنزيل "المنوال التنموي" البديل عن المنوال الربحي السائد على أرض الواقع. فتكون الجهات المهمّشة كما تلك المكتنفة بالغابات فضاءات لورشات خلق لثروة يصنعها الإنسان وتخدمه، كما تثمن المحيط الذي تستغل موارده من دون الإخلال بتوازنه أو جماليته.

وعليه، يصبح البحث في التجربة المحلية في البناء فعلاً يثمّن ما كان يعتقد أنه تصورات معمارية بدائية تجاوزتها الحضارة، ويصبح تطور التخطيط العمراني انعكاسا لتطور التصور التنموي وللبحث عن الجماليات إلى جانب الضروريات. وهنا يستحيل الماضي المعماري وقد جدد التحامه بالإنسان عنوانا للمصالحة مع البيئة والمحيط وسبيلا للتطور المبني على أسس متينة، في ما يمكن وصفه بالاقتصاد الأخضر. وهذا الاتجاه لا يعني بحال من الأحوال اعتماد سلفية معمارية تقدّس الماضي لقدمه وترفض الحداثة وتعجز تاليا عن التأقلم مع حاجاتها، بل فقط بناء المستقبل انطلاقا من استيعاب عميق للماضي بما فيه من كنوز ثقافية يجدر المحافظة عليها.

انطلاقا من الاعتبارات المذكورة، كان هذا العدد الذي تضمّن إلى جانب التعليق على اقتراحات الإصلاح لمجلة التهيئة العمرانية وتوثيق بعض الحراكات الشعبية لصون البلفيدير أو جسر المرسى، مقالات عدة لمدينة تونس القديمة والقرى البربرية فضلا عن الفجوات الغابية ... إلخ.  ونحن نقدمه بتواضع للقارئ كمحاولة أولى ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوسيع والتعميق وصولا إلى سياسات عمرانية أكثر انسجاما لمصالح تونس وتطلعات مواطنيها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

 

 


[1]  تقرير لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد  صفحة 12