تعتلي مسألة التهيئة الترابية والتعمير درجة عالية من الأهمية لتشعُب مقتضياتها وتدخل أهدافها مع مسألة التطور الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ككُلّ. فالتنظيم العمراني المتكامل يساهم بطريقة أو بأخرى في تطوير الاندماج الاجتماعي والحدّ من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية.

عمليّا، تُساهم عملية التعمير في إيجاد دينامية اجتماعية يمكن أن تفضي إلى نوع من التوازن في حال نجحت في إدماج جميع مكونات المجتمع داخل منظومة تنموية متكاملة أو بالإنخرام إذا فشلت في نحت ملامح التجانس الاجتماعي المرجو.

من هنا، تبرز لنا مدى أهمية تركيز سياسة تعميرية شاملة تضمن التوازن الترابي والتماسك الاجتماعي في إطار يجانس بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتوازن البيئي. فالتعمير كان ولا زال يعتبر فنا من فنون التنظيم الترابي الذي يرتكز على التناغم بين معطيات عدة تهدف إلى تحقيق إطار عيش أفضل للمجموعة. ولعلّ تأكيد المشرّع منذ الفصل الأول من مجلة التهيئة الترابية والتعمير لسنة 1994 على ضرورة الملائمة بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والتوازنات البيئية ضمانا لتنمية مستدامة ولحق المواطن في محيط سليم. يُعبّر عن مدى وعي المشرّع منذ وضع المجلة بضرورة عمل الدّولة ومُمثليها على تجسيم هذه الرؤيا الجديدة.

 في هذا الإطار، أعدت وزارة التجهيز والإسكان مشروع مجلة التعمير الجديدة وعرضتها على الخبراء والمختصين في لقاءات ضيقة كان الهدف منها مناقشة أحكامها والاستفادة من مختلف الآراء.

ويتناول هذا المقال آخر نسخة ورقية لهذا المشروع والتي تعود إلى شهر أوت/ آب 2017.
ويحتوي هذا المشروع على 327 فصلا. تندرج هذه الفصول ضمن باب تمهيدي مخصص للأحكام العامة والهياكل المختصة في مسائل التعمير، وأربعة أجزاء هي على التوالي الآتية: (1) التنمية والتهيئة الترابية و(2) التعمير و(3) البناء و(4) النزاعات المتعلقة بالتعمير.

ولسائل أن يسأل في هذا الإطار: لماذا اللجوء إلى وضع مجلة جديدة للتعمير إن كانت هذه الأخيرة تكتسي الفكرة الإدماجية بين التنمية العمرانية والاقتصادية والاجتماعية؟ بعبارة أخرى: ما الذي يدفع الوزارة المختصة إلى الإقرار بضرورة استبدال مجلة 1994؟ وما هي الانتظارات الجديدة التي أدّت به إلى وضع مجلّة تعمير مختلفة؟

سنُحاول الإجابة على هذه التساؤلات عن طريق المراوحة بين تحليل الانتظارات والإصلاحات المتوقةع ورودها صلب المجلة الجديدة وطرح وتقديم أسباب الإخلالات التي تمت ملاحظاتها طيلة 24 سنة من تطبيق مجلة 1994.

في قراءة سريعة لمشروع مجلة التعمير الجديدة، نلاحظ جنوح المشرّع إلى إدخال العديد من المفاهيم الجديدة (الهوية الترابية/ المشاهد الحضرية) إلى جانب تكريس جملة من المبادئ العامة (اللامركزية في ميدان التعمير) وهي مبادئ غير موجودة صلب المجلة الحالية والتي تطلبتها ضرورات المرحلة الحالية إلى جانب التطور السريع للرهانات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وحتى المناخية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمادة المعمارية.

 

  1. الحاجة إلى مدن جديدة

من بين المقترحات المقدمة، تحدّث مشروع المجلة الجديدة منذ البداية على ضرورة تركيز سياسات جديدة للتهيئة والتعمير داخل المدن وخارجها لتحسين جاذبيتها وقدراتها التنافسية إلى جانب العمل على خلق مدن جديدة تكون ترجمة لمبدأ استباقية التهيئة والتعمير. وهو أمر لطالما طرح إشكالات صلب مجلة 1994 التي لم تنجح صلب السياسات التي تم وضعها في توجيه التمدّد العمراني أو استباقه، مما أدى إلى عدم التطابق بين أهداف التهيئة الترابية والواقع العمراني.

هذه المدن الجديدة تترجم توجها جديدا في التخطيط العمراني يعتمد على إحداث وحدات عمرانية متجانسة تعتمد على تنوع تركيبتها الاجتماعية والوظيفية وتتميز بتوازن هيكلتها وتجهيزاتها مما يساهم في تعزيز السيطرة على التمدد العمراني وإيجاد إطار متكامل للعيش المشترك. وهو ما يتطلب كذلك تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف تحقيق الجودة العمرانية المطلوبة والتناسق العام للمشروع العمراني وتفاعله مع محيطه الاجتماعي.

 

  1. ملاءمة القواعد العمرانية للمتطلبات الاجتماعية

هذه السياسات الجديدة يجب أن تهدف كذلك إلى ملاءمة القواعد العمرانية للمتطلبات الاجتماعية لتحقيق نوع من التوازن في التوزيع الترابي للسكان وضرورة إدماجهم في محيطهم الاقتصادي والبيئي بصفة فعالة. فسياسات التعمير المتعاقبة منذ 1994 لم تؤدّ في أغلب الحالات إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بل ساهمت في تعميق هذه الفوارق بإيجاد نوع من التمييز العمراني أسس لغياب العدالة الاجتماعية.

في هذا الإطار، أكد مشروع المجلة الجديدة مثلا على أخذ الإجراءات اللازمة لتشجيع السكن الاجتماعي الموجه للطبقات الاجتماعية المتوسطة وتلك ذات الإمكانيات المحدودة والتي تعتبر الأكثر تضررا من اختلال قاعدة العرض والطلب فيما يخص السكن إلى جانب الارتفاع المطرد لنسق الأسعار والمضاربة العقارية التي تجد جذورها في محدودية السياسة العقارية للدولة.

بالنسبة لهذه النقطة، يجدر التذكير بأن مجلة 1994 قد نصّت على إمكانية إحداث مدخرات عقارية خارج حدود المناطق المغطاة بوثائق التعمير بهدف إنجاز عمليات تعمير في المستقبل (فصل 40 من مشروع المجلة الجديدة)، وتركيز التجهيزات الأساسية والبنية التحتية وإنجاز برامج السكن الاجتماعي. إلا أن هذا التنصيص بقي حبرا على ورق، بحيث لم يتم تكوين أي دائرة للمدخرات العقارية باعتبار ان حصرها خارج المناطق المغطاة بوثائق التعمير حدّ من فاعليتها. وهو ما وجب تجاوزه في المجلة الجديدة التي اقترحت آليات أكثر نجاعة لإحداثها إلى جانب فتح الإمكانية لذلك داخل المناطق المغطاة بوثائق التعمير وهو ما يبدو منطقيا (فصل 130 من مشروع المجلة الجديدة).

 

  1. التوازن العمراني بين الجهات

يعتبر اختلال التهيئة العمرانية بين المناطق الداخلية والمناطق الساحلية موجبا لإعادة النظر في سياسات التخطيط العمراني بهدف تكريس مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة المناطق الداخلية (والتي لا نجد له أثرا في مجلة 1994). بالتالي، فإن ضمان التجانس العمراني في هذه الجهات والذي يمرُّ عبر تنوع الوظائف العمرانية بوثائق التعمير يساهم في إدماج جميع الشرائح الاجتماعية في الدورة الاقتصادية للدولة ككلّ والحدّ من الفوارق القائمة بين المناطق.

ولعلّ مقترح الإذن بتجاوز التراتيب الخصوصية الجاري بها العمل في مجال ترابي معين فيما يخص التعمير السياحي والصناعي بهدف تشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في منطقة معينة يعتبر تجسيما لهذا المبدأ (فصل 36 من مشروع المجلة الجديدة).

هذا التغيير الأساسي في سياسة التهيئة والتعمير يجب أن يترافق مع إعادة النظر في منوال التنمية القديم وذلك بمزيد إدراج شروط التنمية المستدامة صلب السياسات العمومية للتخطيط العمراني. فرغم التنصيص على هذه المسألة صلب الفصل الأول من مجلة 1994، فإن آليات التطبيق بقيت ضبابية، وهو ما حدّ من فاعلية هذا التوجه الذي يحمل في طياته تصورا متكاملا لاستغلال المجال وفق توجه عام يهدف إلى تحقيق التوازن الجهوي والتطور الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.

 

  1. إدراج مفاهيم وآليات التنمية العمرانية المستدامة

عمليا، تقتضي التنمية المستدامة تغيير النمط العمراني بإدراج مسألة التنقل الحضريّ داخل مخططات التهيئة، وهي مسألة حيوية لم يقع التطرق إليها صلب مجلة 1994، إلى جانب التركيز على مسألة النجاعة الطاقية وتشجيع الاستثمار في مجال الطاقات المتجددة داخل النسيج العمراني وخارجه بهدف الحد من التأثيرات البيئية والمناخية على المدن. ودائما في إطار هذا التوجه المختلف، قام مشروع مجلة التعمير بتركيز مفاهيم جديدة مثل المحافظة على الهوية الترابية حسب الخصوصيات الطبيعية والمعمارية والاجتماعية والثقافية للفضاء العمراني إلى جانب إدراج ولأول مرة مسألة تحسين "المشاهد العمرانية" داخل النسج العمراني وهي مفاهيم تحتاج للمزيد من التعمق لكي لا تفقد محتواها وتكون مجرد مبادئ جوفاء.

 

  1. دعم لامركزية القرار في المادة العمرانية

في إطار آخر، ترتبط سياسة التعمير بمبدأ لامركزية القرار في المادة المعمارية أي التوجه نحو اللامركزية في التصرف الترابي.

هذا التوجه وإن بدا غير جديد لتكريسه صلب مجلة 1994 وتحديدا فيما يخص إعداد أمثلة التهيئة العمرانية (الفصل 16 منقح بقانون عدد 29 لسنة 2009 المؤرخ في 9 جوان 2009)، إلا انه يبقى متواضعا بالنظر إلى هامش تدخل السلطات المركزية في عملية اخذ مبادرة الإعداد ومراجعة أمثلة التهيئة العمرانية. لكن بصدور مجلة الجماعات المحلية (لسنة 2017) المكرسة لمبدأ اللامركزية المعلن في إطار باب السلطة المحلية المكرس صلب الدستور الجديد وظهور تقسيم ترابي جديد (أقاليم وجهات)، وجب ملاءمة مقتضيات مجلة التعمير للتشريع الجديد وهو ما شرع في اقتراح مجلة تعمير جديدة.

 

  1. الاعتناء بالتهيئة الريفية والمناطق ذات الخصوصيات البيئية

هذا التوجه الجديد يستوجب إيجاد الوسائل المادية والمالية اللازمة لتطبيقه إلى جانب تغييره لخارطة الأمثلة التوجيهية للتنمية وأمثلة التهيئة العمرانية وذلك في إطار رؤية تشاركية مستقبلية للمجال الترابي. هذا المجال الذي لا يقتصر على إرساء سياسة جديدة للمدينة فقط وإنما يجب أن يعنى كذلك بمسألة التهيئة الريفية التي لم يتعرض لها المشرع صلب مجلة 1994. فتهيئة المجال الريفي تمكّن من ترشيد التصرف في استغلال الأراضي الفلاحية (خاصة مناطق التحجير والصيانة) والتي يتمّ تغيير صبغتها لمقتضيات التعمير بنوع من السهولة. وهذا الأمر زاد من تقلّص المجال الترابي الفلاحي مستوجبا تنصيصا صريحا على ضرورة حمايته من التوسع العمراني شأنه شأن العديد من المناطق الأخرى ذات الخصوصيات البيئية والطبيعية المتميزة.

على سبيل المثال نذكر تفعيل تطبيق القانون فيما يخص حماية الشريط الساحلي، الغابات أو المناطق الثقافية والأثرية والتاريخية (أمثلة المحافظة على المناطق ذات الأهمية الثقافية والبيئية...) عن طريق تحجير إقامة بناءات وفق خصوصيات كل منطقة أو التنصيص على ضرورة اللجوء لدارسة تقييمية بيئية فيما يخص تركيز بعض المنشآت في محيط هذه المجالات.

 

  1. في تبسيط الإجراءات

في إطار آخر، يبقى مقترح تبسيط إجراءات إعداد ومراجعة أمثلة التهيئة الترابي وتبسيط إجراءات الحصول على رخصة بناء من أهم تطلعات المختصين في المسألة المعمارية لتشعب المتداخلين (سلط مركزية/ لامحورية /لامركزية). وتهدّد الآجال الطويلة بجعل الوثائق غير مطابقة للواقع الترابي وغير متماشية ونسق التمدد العمراني السريع، الأمر الذي يساهم في عدم نجاعتها وعجزها على التصدي لظاهرة البناء العشوائي الذي يمثل أحد أكبر التحديات المطروحة أمام المشرّع منذ 1994 والذي يُعبّر عن عجز جميع المتداخلين في المسألة العمرانية عن التحكم السليم بالمجال الترابي، وبالتالي عدم التوفيق في توفير تنمية ترابية وعمرانية متناغمة ومستدامة للجميع.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي