في 9 جوان 2018، قامت لجنة الحريات الفردية والمساواة التي تم إنشاؤها من طرف رئاسة الجمهورية بتقديم تقرير حول "حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة استنادا إلى مقتضيات دستور 27 جانفي 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة". وقد قامت رئاسة الجمهورية بنشر هذا التقرير في 12 جوان من نفس السنة. وقد ساد، طيلة صائفة 2018،حوار مجتمعيشارك فيه طيف واسع من منظمات المجتمع المدني سواء من كان منه مؤيدا للتقرير أو من كان رافضاله. وفيما اكتفت الحكومة بحثّ من رئيس الجمهورية، بتقديم مشروع قانون حول المساواة في الإرث[1]، عاد عدد من النواب المنتمين إلى مختلف الكتل النيابية سواء المؤيدة منها للحكومة أو المعارضة[2]وقدّموا في أكتوبر 2018 أي مع بداية الدورة النيابية الخامسة،مقترح القانون الأساسي عدد 71 لسنة 2018 المتعلق بمجلة الحقوق والحريات الفردية.

وفي الواقع، لم يغيّر مقترح هذه المجلة شيئا من المقترحات التي كان تضمنها تقرير اللجنة بل تم تقديمه كما هو بدون أي تغيير من قبل عدد من النواب.

وقد تم التنصيص بمذكّرة شرح الأسباب بأن تقديم مقترح مجلّة تتعلق بالحقوق والحريات الفردية عوضا عن مقترح قانون أساسي كان لضرورة تجميع كل الأحكام المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية ضمن نص واحد حتى يكون من السهل قراءته وتطبيقه. إلا أنّ مفهوم "مجلة" لا يقتصر على ذلك فقط. فلا بدّ للمجلة القانونية أن تختصّ بتنظيم مجال قانوني بأكمله من خلال تأسيسها لنظام خاص بها وخلقها لقواعد جديدة[3]. ولئن كان من الممكن جعل الحقوق والحريات الفردية مجالا قانونيا لذاته، إلا أنها لا يمكن أن تمثّل موضوعا لمجلة قانونية وذلك لأن واقع القانون التونسي يتسم بتعدّد النصوص والمجلات التي تتعلق بالحقوق والحريات الفردية.فالخيار المعتمد بتحوير بعض هذه النصوص وإلغاء بعضها الآخر مع الإبقاء على تشتّتها من شأنه أن يكرّس الحقوق والحريات الفرديةولكن من شأنه أيضا مزيد تكريس نظام قانوني لا يتسمبالسلامة القانونية من خلال التشتت الكبير للنصوص. فمحتوى مقترح هذه المجلة في أغلبه تنقيح أو إلغاء لعديد الأحكام صلب نصوص أو مجلات أخرى وهو ما يمكن أن يتمّ عبر مقترح قانون أساسي.

ويأتي مقترح هذه المجلة تفعيلا للأحكام الدستورية المضمنة صلب باب الحقوق والحريات وقد تضمّن منذ الفصل الأول تعريف الحقوق والحريات الفردية (لا يوجد بالنظام القانوني التونسي تعريف للحريات الفردية) وغالبا ما كانت هذه الحقوق تفهم على أساس كونها الحقوق التي لا تدخل ضمن طائلة الحقوق العامة. وقد تضمن الفصل الأول من مقترح المجلة التعريف التالي للحقوق والحريات الفردية: "يقصد بالحقوق والحريات الفردية الحقوق والحريات التي تهدف إلى حماية الفرد بصفته تلك  أو التي لا يحتاج في ممارستها إلى مشاركة الغير".

ومن أبرز ما تضمنه الاقتراح الأمور الآتية:

 

على صعيد تفعيل أحكام الدستور المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية

تضمّن مقترح المجلة تكريسا واسعا للحقوق والحريات التي جاء بها الدستور[4]. فقد تضمّن الباب الأول تكريسا للحق في الحياة حيث تضمّن هذا الباب إلغاء عقوبة الإعدام وتعويضها بالسجن المؤبد وذلك تماشيا لتوجّه عالمي في هذا الاتجاه. كما تضمّن هذا الباب أيضا تحجير الدعوة إلى الانتحار والتحريض عليه لكن دون تجريم المساعدة على الانتحار (أي الموت الرحيم) وذلك لكونه تعبيرا عن إرادة الشخص المعني. كما تضمّن نفس الباب تكريسا للحق في إنقاذ كل إنسان كانت حياته في خطر[5].

وقد تضمّن البابان الثاني والثالث (من الفصل 20 إلى الفصل 35) تكريسا للحق في الكرامةوالحق في الحرمة الجسدية. وقد تضمن مقترح المجلة تعريفا للحق في الكرامة (الفصل 20) وهو تعريف لا وجود له بعد في القانون التونسي. كما تضمن تعريفا جديدا للتعذيب يتماشى والتعريف الوارد بالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. كما تطرق مقترح المجلة كذلك إلى ضرورة احترام الحرمة الجسدية للفرد وذلك عند استعمال الجسد أو أعضائه أو منتجاته وذلك في إطار مختلف الأنشطة الوقائية أو التشخيصية أو البحثية أو العلاجية وذلك بإخراجهم من دائرة التجارة وضرورة موافقة الفرد على كل الأعمال الطبية والعلمية التي تتخذ الجسد كموضوع لها[6]. كما جاء في الباب الرابع تكريس للحق في الأمان والحرية (من الفصل 36 إلى الفصل 48) بما يتصل بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وقرينة البراءة، من ذلك ضرورة وضع تعريف دقيق للجرائم وضبط آجال واضحة للإيقاف التحفظي وتمتع المتهم بكل الضمانات القضائية ومنع الإيقاف التعسفي[7].

كما تضمن مقترح المجلة تكريسا لحرية الفكر والمعتقد والضميروكذلك حرية الرأي والتعبير.

كما تم صلب مقترح المجلة تكريس الحق في حرمة الحياة الخاصةوالحق في حماية المعطيات الشخصيةوحرية التنقل والإقامة (من الفصل 57 إلى الفصل 77). كما لم يغفل مقترح المجلة تكريس حرية الإبداع والحريات الأكاديمية (من الفصل 78 إلى الفصل 85).

هذا التكريس المبدئي لجملة الحقوق والحريات الفردية وإعطائها طابعا تشريعيا حسب ما يقتضيه الفصل 65 من الدستور، فإن مقترح المجلة قد ذهب إلى تضمين عديد الأحكام الأخرى التي يهدف من خلالها إلى تكريس فعلي لهذه الحقوق والحريات الفردية.

 

ضمان تكريس فعلي للحقوق والحريات الفردية

التنصيص على ضرورة حماية جميع هذه الحقوق والحريات ليس كافيا. إذ لابدّ من وضع إطار تطبيقي واضح يسمح بضمانها وذلك خاصة من خلال تجاوز التضارب التشريعي فيما يتعلق بالحقوق والحريات من جهة ومن جهة أخرى إلى التقليص في السلطة التقديرية للقاضي في تطبيقه للنصوص المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية.

 

  • إلغاء أو تحوير التشريعات السالبة للحرية

لا يخفى أن النظام القانوني التونسي يحتوى على حزمة كبيرة من القوانين السالبة للحرية والتي تعود إمّا إلى فترة الاستعمار أو إلى الفترات اللاحقة المكرسة للثقافة الاستبدادية. لذلك احتوت المجلة على عنوان كامل بتعلق بتعديل وحذف عديد الأحكام القانونية المعارضة للخيارات التي تم تبنيها صلب مقترح المجلة.

أبرز التعديلات في هذا المجال، اقتراح إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية لكون الأفعال التي يجرّمها من قبيل الأفعال التي تدخل ضمن الحياة الخاصة للأفراد ولا يمكن للدولة وضع رقابة عليها ولا تجريمها أو تعديله في اتجاه تخفيف العقاب والتنصيص على ضرورة إثبات العلاقات الجنسية الداخلة في مجال هذا الفصل من خلال وسائل الإثبات الشرعية لا من خلال الوسائل اللاإنسانية والمهينة للأشخاص وخاصة منها الفحوص الطبية إذ ليس لها أي تبرير طبي وليس موضوع رضى حرّ ومستنير من قبل الأشخاص الذين يخضعون لها.

أما بخصوص الأحكام التي تؤسس إلى وضع إجراء يمكن أن يحدّ من تكريس الحقوق والحريات الفردية فقد تضمّن مقترح المجلة رفع جميع القيود الدينية عن الحرية التعاقدية الموجودة صلب مجلة الالتزامات والعقود وذلك لكونها قوانين ترجع إلى فترة الاستعمار وتفرّق بين المسلمين وغيرهم من السكان.كما تم اقتراح تعديل وإلغاء عدد من الأحكام الإجرائية التي تحدّ من حرمة الحياة الخاصة وذلك بهدف حماية الحياة الخاصة في الإجراءات العدلية وفي طرق التحري الخاصة بجرائم الإرهاب وغسل الأموال. كما تم كذلك اقتراح إلغاء الرقابة على الأعمال الفنية وعرضها وتحرير ممارسة المهن الفنية وذلك من خلال اقتراح مراجعة القانون المتعلق بالصناعة السينمائية والقانون المتعلق بالتأشير على المسرحيات وأيضا القانون المتعلق بتنظيم مهن الفنون الدرامية[8].

 

  • التأسيس لقضاء ضامن للحقوق والحريات الفردية

ووعيا بالدور المهم الذي يلعبه القضاء في تكريس الحقوق والحريات الفردية تضمّن مقترح المجلة كذلك عنوانا ثالثا سمّي بـ"حماية الحقوق والحريات الفردية" تم من خلاله تكريس دور القاضي في حماية الحقوق والحريات الفردية (الفصل 87 من مقترح المجلة).وقد تضمّن هذا العنوان عديد الأحكام التي تهدف إلى توضيح دور القضاء عند بته لقضايا تتعلق بالحقوق والحريات[9]. إذ تم التنصيص على ضرورة رجوع القاضي إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وللمعاهدات الدولية الموافق والمصادق عليها والتي يمكن تطبيقها قبل نشرها بالرائد الرسمي للجمهورية وذلك لتفادي آثار عدم نشر المعاهدات بالرائد الرسمي وهو أمر يحصل إلى اليوم.كما تطرّق المقترح إلى آليات تأويل النصوص القانونية المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية وذلك بأن يكون التأويل دائما في اتجاه تعزيز الحقوق والحريات الفردية لا إنكارها أو التضييق فيها من جهة (الفصل 89 من مقترح المجلة) ومن جهة أخرى إلى تأويل أحكام الفصل 49 من الدستور الذي يضع الحدود المسلطة على الحقوق والحريات وذلك بأن يكون تأويله ضيقا (الفصل 90 من مقترح المجلة). كما تم إعطاء القضايا المتعلق بالحقوق والحريات طابعا استعجاليا وذلك سواء كان أمام القاضي العدلي أو الإداري. إذ للقاضي الحكم بكل وسيلة تحمي الحق أو الحرية الفردية أو بإنهاء الاعتداء عليها كما لا يمكن للاستئناف تعليق الوسائل الحمائية المحكوم بها (الفصل 92 من مقترح المجلة).

 

ملاحظات ختامية

وختاما، يجدر إبداء ثلاث ملاحظات أساسية :

الأولى: لئن احتوى مقترح مجلة الحقوق الفردية والمساواة على أغلب الحقوق والحريات الفردية التي يجب تكريسها بناء على أحكام الدستور والمعاهدات الدولية، إلا أن المصادقة عليها تتطلب توفر إرادة سياسية صلب مجلس نواب الشعب تتجاوز إرادة بعض الكتل التي قام بعض نوابها باقتراحها.

الثانية: أنه يسجل أن هذا الاقتراح استعاد نفس خيارات لجنة الحريات الفردية والمساواة من دون أي تعديل، بحيث أبقى الخيار مفتوحا بشأن مسألتين بالغتي الحساسية والأهمية: وهما إلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء تجريم المثلية. وهذا الأمر يقبل النقد لجهة أنه كان ينتظر من أصحاب الاقتراح أن يكونوا أكثر تحررا من الاعتبارات البراغماتية التي حدت باللجنة إلى إبقاء الخيارات في هذين المجالين مفتوحة بالرغم مما قد يتسبب به بعضها من مس بحقوق أساسية.

الثالثة: أن المقترح أغفل من خلال التزامه بتقرير اللجنة عن تكريس يعض الحقوق الفردية الأخرى المضمنة بنص الدستور والتي يستوجب تكريسها إلغاء تجريم الزنى وجعل تبعاته ذات طابع مدني فقط (الطلاق والتعويض) من دون ترتيب جزاء سالب للحرية عنه. وكذلك الأمر بالنسبة لجريمة تعاطي المخدرات التي ما تزال موضع تجريم ولا يزال إثباتها إلى اليوم يتم عبر التحاليل الطبية، مما يطرح إشكالات لما فيها من مسّ بالحرمة الجسدية.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

 

 


[1] لمزيد التفاصيل حوله يمكن الرجوع إلى:"المفكرة تنشر مشروع قانون المساواة في الإرث: مجلس الوزراء التونسي صادق اليوم على مشروع القانون".

[2] النواب الذين قاموا بتقديم مقترح القانون ومن بينهم : ليلى الحمروني ولمياء الدريدي وليلى أولاد علي وزهرة إدريس وصبرين قوبنطيني وناجية بن عبد الحفيظ ومروان الفلفال (كتلة الائتلاف الوطني)، رياض جعيدان وريم محجوب (كتلة الولاء للوطن)، فتحي الشامخي وعمار عمروسية ونزار عمامي (كتلة الجبهة الشعبية)، مريم بوجبل (كتلة الحرة لحركة مشروع تونس)، المنذر بالحاج علي (من غير المنتمين للكتل).

[3]J. CARBONNIER, « Codification », dans P. REYNAUD et D. ALLAND (dir.), Dictionnaire de philosophie politique, Paris, PUF, 1996.

[5] رئاسة الجمهورية، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، سبق ذكره.

[6] رئاسة الجمهورية، تقرير لجنة الحقوق الفردية والمساواة، سبق ذكره، ص. 31.

[7] بخصوص تكريس هذا الحق بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة يمكن الإطلاع على : أشرف الماجري، "كيف عالجت اللجنة التونسية للحريات الفردية الحق في الأمان؟"، المفكرة القانونية، العدد 12، ص. 24.

[8] القانون عدد 19 لسنة 1960 المؤرخ في 27 جويلية 1960 المتعلق بتنظيم الصناعة السينمائية والقانون عدد 62 لسنة 1966 المؤرخ في 5 جويلية 1966 المتعلق بالتأشيرة على المسرحيات والقانون عدد 15 لسنة 1986 المؤرخ في 15 فيفري 1986 المتعلق بتنظيم مهن الفنون الدرامية.

[9] لمزيد المعلومات حول دور القاضي في حماية الحقوق والحريات، يمكن مراجعة : أيمن الزغدودي، "القاضي لاعب أساسي في ضمان الحرية والمساواة : قراءة في أعمال اللجنة التونسية للحريات الفردية والمساواة"، المفكرة القانونية، عدد 12، ص. 3.