يمكن أن نعرّف القرى البربرية باعتبار المعيار "السكاني" بكونها التجمعات التي يقطنها "أمازيغ"، وهي تجمعات تحافظ على موروث ثقافي حضاري بربري يتمثل عموما في التواصل اللغوي بواسطة اللهجات الأمازيغية. ويكون عدد هذه القرى وفق هذا المعيار محدودا ومنحصرا في منطقة الجنوب التونسي. كما يمكن أن نعرف هذه القرى وفق معيار عمراني بحيث تتكون من "التجمعات الحضرية التي يكشف معمارها وهندستها عن روح مهيمنة للثقافة الأمازيغية". وتتميز هذه القرى بأنها نجحت في تفادي التأثيرات والتصورات العمرانية الطارئة على تونس، وفي مقدمتها التصورين العمرانيين العربي والأووروبي. وتبدو هذه التجمعات البربرية اليوم مهددة، بدليل أن أيا منها لم تتطور لتصبح مدينة بربرية. ويستدعي الصمود كما الضمور الوقوف عندهما طلبا لإنصاف ثقافة يظنها البعض غريبة عن الحضارة أولا ودفاعا عن حق القرى البربرية في حماية خاصة ثانيا.

 

صمود القرى البربرية: ثمرة تنسجم مع البيئة المحيطة

ولغاية البحث عن عوامل صمود القرى البربرية، سواء تلك التي بات سكانها عربا أو التي حافظ سكانها على انتمائهم الثقافي البربري، اخترنا عينة منها تصلح أن تكون ممثلة للأقاليم الجغرافية المختلفة. وقد شملت هذه العينة القرى الآتية:

  • قرية كسرى: تقع قرية كسرى في الشمال الغربي التونسي في منطقة جبلية على ارتفاع 1200 متر. شيدت بناياتها بالحجارة مع حضور للخشب كدعائم للبناء والسقف وكسيت أنهجها بذات الحجارة المصقولة. تولّت الحكومة التونسية نهاية سبعينات القرن العشرين بعث معتمدية بها. وكان إرساء الإدارة المحلية مناسبة لبناء مدينة جديدة لم تعتمد في تعميرها ذات التجربة وابتعدت عن الجبل لتستقر بالسهل القريب منه.

  • قرية تكرونة: تقع فوق جرف صخري ارتفاعه مائتي متر تقريبا على سطح البحر الذي تطل عليه. وشيدت بناءاتها التي تتميز بأسطحها المقببة بحجارة محلية. ما يزال جانب من منازل تكرونة عامرا وإن بات عدد كبير منها متداعيا للسقوط بفعل هجر سكانها لها طلبا للحياة المدنية. وكما كسرى مع نهاية السبعينات، امتدت تكرونة في اتجاه أسفل الهضبة لتظهر للوجود قرية جديدة تختلف في اختياراتها الهندسية عن القرية النواة.

  • مطماطة: يتحدث سكانها حتى اليوم فيما بينهم بالشلحة وهي إحدى اللهجات الأمازيغية. وتقع هذه القرية في الجنوب التونسي وتتميز بكون منازلها محفورة في الأرض إذ يشيد المنزل بالحفر لوسط دائري له غير مغطى يعقبه حفر غرف تحيط به. ويعود تاريخ بناء آخر منزل على هذا النمط بهذه القرية لسنة 1970 وهي السنة التي انطلق فيها البناء "بمدينة مطماطة الجديدة التي تقع بدورها في السهل وشيدت وفق تصور معماري حديث.

اختلفت القرى الثلاث في الأساليب الهندسية التي اعتمدت في إعمارها. ويبدو هذا الاختلاف على علاقة مباشرة بمحيطها الجغرافي. فقد شيّدت كسرى بالحجارة "الجلمودية" التي تستخرج من مقالع الحجارة القريبة منها. كما حضر الخشب في معمارها بفعل أنها محاطة بغابات. وبُنيت تكرونة بحجارة من محيطها الجغرافي وقببت أسطح منازلها لتقي سكانها حر الصيف. فيما شيدت مباني مطماطة باعتماد الحفر لتكون أكثر قدرة على تحمل المدى الحراري القاسي الذي يميز المناخ  الصحراوي.

اشتركت التجارب المعمارية في تلك القرى على اختلافها في كونها بنت بيئتها. فمنها، تستولد موادها الإنشائية وووفقا لها تحدد شكلها المعماري.

 

بعد صمود قرون، وجود مهدد

اعتبرت دولة الاستقلال وجود القرى البربرية بمرتفعات أمرا يتعارض مع مستلزمات التنمية وسببا في عبء إضافي في مصروفاتها لا ترى له موجبا. فاختارت أن تعدل عن الاستثمار العمراني فيها وأن تعرض على سكانها الانتقال للقرى الجديدة الأقل ارتفاعا والتي شيدت أحياءها الأولى ووعدتهم أن تكون عصرية. لم يكن للقرى الجديدة أي خصوصية معمارية وشيدت مبانيها بالإسمنت والآجر دون انتباه لما سيفرضه هذا الاختيار من مسلتزمات تدفئة وتبريد لم تكن بناءات القرى القديمة تستدعيها. وافتقرت المساكن الشعبية المشادة على هذا الوجه إلى الجمالية، فيما كانت أبنيتها المملوكة من المترفين أو المشيدة من المؤسسات والإدارات عديمة التجانس فيما بينها. كما غاب عن ذات المدن التخطيط العمراني بما آل لأن باتت أنهجها برك ماء وأوحال شتاء ومصدرا لحرارة إسفلتية قاسية صيفا.

يلحظ أن تجربة "البناء العصري" حصلت بشكل شبه ارتجالي. فلم يسبقها أي مسعى لفهم مزايا "البناء التقليدي" ولم تستلهم المدينة الجديدة من القرية التي أرادت أن تئدها فضيلة التهيئة العمرانية ذات الجمالية ومعنى الخصوصية المعمارية. .وكان من أثر هذا الارتجال:

  • ضياع خبرة حرفية في البناء وصناعة المواد الإنشائية المحلية بسبب انقطاع حلقة توارثها بين الأجيال،

  • تفويت فرص لتطوير ثقافة معمارية وعمرانية وطنية تنطلق من التصور الموروث لتنتج  تخطيطا عصريا لمدن وفية لتراثها ملائمة لمحيطها في هندستها ومواد البناء التي تستعملها.

  • التفريط في رفاهية كانت تتوفر دون مقابل وتتمثل في الحياة في مساكن تقي برد الشتاء وحر الصيف دون حاجة لبذل جهد في التدفئة والتبريد وفي ذلك اقتصاد وحماية للبيئة.

وعليه، فرّطت دولة الاستقلال بكنز معماري لم تكن تقدر قيمته وكان يمكن أن تندثر القرى المكونة له بفعلها، لولا أن سياساتها الاقتصادية في جوانبها السياحية، تدخلت لتوفر لها بعض الحماية خلال السنوات القليلة الماضية.

 

القرى البربرية: من عبء إلى مصدر ثروة

احتاجت الوجهة السياحية التونسية التي كانت في بدايات انطلاقتها في السوق العالمية تركز على السياحة الشاطئية لأن تنوع منتوجها الثقافي لتتمكن من فرض نفسها في السوق العالمية. وتفطنت هنا الحكومة التونسية لأهمية إدراج  بعض القرى البربرية ومنها تكرونة ومطماطة في مسارات رحلات الوفود السياحية. ويذكر في هذا الإطار أن انكماش القرى البربرية وانحسارها الجغرافي الناجم عن تداعي جانب من بناياتها القديمة وغياب الإحداثات الجديدة بها منع فعليا من تطور تلك المحطات وفرض أن تكون القرى الجميلة مجرد استراحات تلتقط فيها الصور ممن يبهرهم جمالها.

حولت السياحة القرى التي كانت عبءا تنمويا إلى ثروة. ولكنها لم تنجح لحد الآن في تحقيق استفادة عمرانها وسكانها من فعلها الإيجابي ذلك إلا في نطاق محدود يتمثل في بعض المقاهي والمطاعم ونزل قليلة العدد تعاني صعوبات مالية وضعف في تسويق منتوجها. ويستدعي كل بحث عن الاستفادة الغائبة  جهدا ما يزال غائبا، عنوانه: كيف نمر من هاجس الخوف على القرى البربرية لطرح السؤال حول سبل تطويرها.

 

تنظيم المجال العمراني: مدخل لتثمين ثروة ثقافية

تعدّ التهيئة الترابية بما هي "تخطيط عمراني" الأداة الأمثل لتنظيم المجال العمراني والترابي. ويؤدي اعتبار "حماية المواقع الطبيعية والثقافية والمجموعات العمرانية القائمة والمتميزة وتثمينها وتنميتها" من ضمن أهدافها لاعتباره الأداة الأمثل لتحقيق الحماية المطلوبة للقرى البربرية المهددة.

يوفر على هذا المستوى التشريع التونسي النافذ وتحديدا منه مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية للسلط العمومية آليات كان يمكن أن تحقق الحماية المطلوبة. وهي تتمثل أساسا في الأمور الآتية:

  1. مثال الحماية والإحياء: يصدر هذا المثال بأمر بناء على اقتراح من الوزير المكلف بالتراث والوزير المكلف بالتعمير ويصنف المنطقة التي يشملها كموقع ثقافي، بما يفرض تنظيما خاصا لكل أعمال البناء والتشييد بها على نحو يضمن احترام خصوصيتها الثقافية،

  2. مثال الصيانة والإحياء: يفرض هذا المثال أن تكون "المجموعات التاريخية والتقليدية" التي تصنف كمجال لتدخله موضوع أعمال صيانة وتهذيب تتكفل بها المؤسسات الرسمية ومنها "المعهد الوطني للتراث " كما يحمل ذات الجهات الرسمية مسؤولية تحديد القواعد الهندسية التي يجب احترامها عند كل أعمال الصيانة أو الإنشاء التي تتم. ويعد من جهته مشروع مجلة التهيئة العمرانية الذي تعده الحكومة التونسية ولم يتعهد بنظره بعد مجلس وزرائها بتوفير آليات تعزز فرص حماية هذا " التراث العمراني من أهمها:

  • اعتبار "حماية المجموعات العمرانية المتميزة من أهداف التهيئة الترابية" وتصنيف "المحافظة على الخصوصيات الطبيعية والمعمارية الثقافية لضمان الجمالية العمرانية" ضمن أهداف التخطيط العمران،

  • استحداث لجنة فنية إستشارية على مستوى الوزارة المكلفة بالتهيئة الترابية تسمى "لجنة التعمير والسكن والبناء" من مهامها إبداء الرأي في ملاءمة القواعد العمرانية والمعمارية للخصوصيات الثقافية والمتطلبات الاجتماعية،

  • إرساء مثال توجيهي للتهيئة نص في تحديد دوره على كونه يعبر عن رؤية استراتيجية متناسقة متوازنة تحقق الاندماج الاجتماعي والترابي،

  • الاعتراف بوجود مناطق "حساسة" أي مناطق تستوجب منظوماتها البيئية أو خصوصيتها الثقافية حماية خاصة وتخصيصها بأمثلة توجيهية تعد من الوزارة المكلفة بالتعمير بالتنسيق مع الجماعات المحلية وتضبط بقرار مشترك بين الوزير المكلف بالتعمير والوزراء ذوي الصلة. ويفترض هنا أن تكون القرى البربرية من ضمن تلك المناطق.

ويجدر التنبه هنا لحقيقة أن أمثلة التهيئة لم تنجح في توفير الحماية اللازمة للقرى البربرية بما يوجب الوعي بحاجة لتدخلات تتطلق من تلك المخططات لتعنى بالجوانب المعيشية الأخرى. فالنسبة الغالبة من هذه القرى تعاني من ضعف مؤشرات التنمية وتفشي الفقر والبطالة في صفوف سكانها. ويتوقع تبعا لهذا  فشل كل تراتيب وإجراءات تتجه لحماية تلك القرى لا تقيم اعتبارا للواقع الاجتماعي لسكانها ولا تجد تصورات تكون كفيلة بتحقيق ظروف معيشية فيها تثمن محيطها الحضاري والعمراني.

ويجدر التذكير هنا بأن الدستور التونسي يؤسس للتصورات العملية المطلوبة بتحميله الدولة واجب تحقيق " التنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات" وبفرضه أن تستند الجهات الرسمية في ذلك إلى "مؤشرات التنمية وأن تعتمد على مبدأ التمييز الإيجابي." من جهتها، توفر مجلة الجماعات المحلية فرصا لإنضاج تلك التصورات من خلال "اعتمادها على قيم الديمقراطية التشاركية في إعداد أمثلة التهيئة العمرانية و بفضل إدراجها" المحافظة على خصوصية التراث الثقافي المحلّي وتنميته" ضمن الصلاحيات التي يجب أن تباشر بشكل مشترك بين السلط المحلية والجماعات المحلية .

يبدو من الممكن استنادا للآليات التشريعية القائمة أن يبادر ناشطو المجتمع المدني بالمناطق التي بها تجمعات سكنية ذات خصوصية معمارية وثقافية إلى إنشاء جمعيات صيانة لقراهم، وأن تتولى البلديات التفاعل مع تلك الجمعيات في إعداد تصورات لأمثلة تهيئة خصوصية بها يكون هدفها حمايتها من زحف الفوضى العمرانية والإهمال وتثمين قيمتها الثقافية.

ويستخلص مما سلف أن الرصيد العقاري الخصوصي المنتشر في القرى التونسية يحتاج اليوم إلى تثمينه في الممارسة ولن يتحقق هذا إلا بحركة يكون منطلقها القرى ومطلبها تصور دور لها في المنوال التنموي البديل. وفيما يترتب على هذا المنوال عبء على المالية العمومية ولكنه يبقى السبيل الأمثل للنهوض بالمناطق التي كانت ضحية لمقاربات تنموية ظنت المكعبات الإسمنتية عنوانا للتطور الحضاري، واعتقدت أن المعمار ينتهي عند أسوار المدن العتيقة فلم تنتبه لجمال يسكن شواش وتوكابر ومغاور السند والدويرات وكسرى وتكرونة وجرادو و مطماطة وغيرها من القرى المهملة.

 

أفكار إيجابية لإحياء القرى البربرية

  1. إنجاز مسح وطني لتلك المواقع تكون غايته إدراجها ضمن الأمثلة الخاصة بالمناطق ذات الخصوصية وهي أمثلة ظلت لحدّ الآن حكرا على عدد قليل من المدن العتيقة ولم تلتفت لهذا الصنف من المعمار.

  2. الاعتماد على الخبراء في المجال لتحديد الخصوصيات المعمارية للقرى وتصور سبل تطوير تلك الخصوصيات بما يلائم تطور الحاجيات المعمارية.

  3. توفير صناديق دعم تخصّص لمساعدة أهالي القرى ذات الخصوصية في تمويل صيانتهم لمبانيها وفي مشاريع إعمارها. ويبدو هذا الأمر مهما لاعتبارين أولهما أن أساليب البناء الخصوصية تكون في كثير من الأحيان أكثر تكلفة من أساليب البناء الرائجة بما ينفر منها، وثانيهما أن مثل تلك الحوافز تشجع الأهالي على إعمار قراهم بما يحدّ من ظاهرة إهمالهم لعقاراتهم الكائنة بها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي