يوثق المؤرخون من الرحالة شهادات تؤكد أن الغابات كانت تكسو أغلب مساحة تونس خلال القرن التاسع عشر. كما تؤكد الوثائق الإدارية أن مساحة تلك الغابات استقرت سنة 1900 في حدود مليون ومائتي ألف هكتار. استولى لاحقا وطيلة فترة الحقبة الاستعمارية المستوطنون الفرنسيون على مساحات هامة من تلك الغابات، حيث حولوها مستغلات فلاحية. وكان من أثر فعلهم هذا أن تقهقرت مساحة الغابات بشكل لافت لتستقر فجر استقلال تونس سنة 1956 في حدود ثلاثمائة ألف هكتار. وهنا، تبينت مبكرا دولة الاستقلال أن حماية إقليمها المهدد بحكم تضاريسها وجغرافيتها بالإنجراف في الشمال وبالتصحر في الجنوب يفرض عليها إعادة تشكيل غطائه الغابي عند مستواها الأصلي. التقت في هذا الفاصل الزمني الإرادة السياسية التي أعلنت التشجير سياسة إستراتيجية وفرضت عيدا وطنيا لها[1] وخبرة الإدارة التونسية لتحقق التوسع المطلوب في مساحات الغابات. وقد أضافت إليه تطورا مدروسا في نوعية الغطاء النباتي من جهة تنويع المغروسات الغابية بما يلائم المناخ والاقتصاد المحلي. وقد توصل المجهود الوطني في نهاية سنة 2018 لفرض أن تستعيد الغابات امتدادها بعدما تجاوزت مساحتها المليون هكتار وغطت 8,33% من مساحة التراب التونسي[2].

يبدو النجاح في تطوير الغابات مساحة وتنوعا مهما جدا خصوصا وأنه اقترن بإنشاء عدد هام من المحميات الطبيعية والتي كان لها دور في حماية عدة أصناف حيوانية من الانقراض، فضلا عن أنها تشكل قواعد لإعادة توطين أصناف أخرى قد أدى فعل الإنسان لانقراضها بتونس[3]. كما يشكل الإعلان عن توجه السياسة الحكومية لمزيد تطوير مساحة الغابات لتصل لتغطية 9,2% من البلاد بموفى سنة 2024[4] مؤشرا واعدا[5]. وهنا يجب التنبه لكون ما يُقيم كنجاح "للدولة الوطنية" في سياستها البيئية تؤكد مؤشرات سكانية أنه اقترن بفشل لها في تحقيق التنمية لمن يتعايشون مع المحيط الغابي ويعمرونه.

يتركز 9% من سكان تونس أي ما يقارب 250 ألف عائلة في تجمعات قروية وحضرية تقع في المناطق الغابية[6]. ويستوطن ثلاثة أرباعهم في منطقتي الشمال الغربي والوسط الغربي التي توصف اقتصاديا "بالأقل حظا من التنمية" وحيث تتجاوز نسب البطالة ضعف معدلها الوطني. كما تتجاوز نسبة من هم تحت خط الفقر ومن تحت خط الفقر المدقع ضعف المعدل الوطني[7] وتصل لستة أضعاف مثيلتها في الإقليم الحضري للعاصمة تونس[8]. لم تحجب كثافة الغابات الممتدة بؤس الوضع الاجتماعي لمن سكنوا فجواتها. ولم يؤدّ اعتبار الغابة ثروة اقتصادية لتغيير معتبر في هذا الواقع.

 

سكان الفجوات الغابية: التهميش الاقتصادي والاجتماعي

يسمح التشريع التونسي بالاستغلال الاقتصادي للغابات. ويدر هذا النشاط على الدولة التونسية مداخيل مباشرة تقارب حوالي 10 مليون دينار، فيما يؤول منه للمستثمرين من مصدري النباتات الغابية مستخرجاتها ما معدله السنوي حوالي 33 مليون دينار سنويا. في المقابل، تكون استفادة سكان الجهات الغابية  من هذا الاستغلال محصورة في:

  • ما يسمح لهم به من استفادة في حياتهم اليومية من استغلال غير تجاري للغابة،
  • في أيام العمل العرضي الذي توفره لهم الإدارة العامة للغابات في حراسة الغابات والعناية بها،
  • في أيام العمل الموسمي التي يوفرها لهم مقاولو جمع النباتات الغابية الذين تتركز منشآتهم التحويلية خارج المناطق الغابية غالبا[9].

وهنا ظنت السلطة السياسية لحين أن ما بين خمسة وسبعة ملايين يوم عمل عرضي توفرها الغابات لسكانها "تكفي" ليشعر هؤلاء بانتمائهم لمحيطهم البيئي ولكن تبين لها سريعا وَهم هذا التصور.

فندت ملاحظة الواقع هذا التوقع بعد أن كشفت مؤشرات ذات دلالة:

  • أن عددا هاما من الاعتداءات التي تتعرض لها الغابة يكون مصدرها من يسكنون في محيطها ومردها اغترابهم عنها ومن هذه الاعتداءات:
  • حرق الغابات وتكسيرها بغاية توسيع الملكيات الفلاحية العائلية المحاذية للغابة والتي تكون غالبا مساحاتها صغيرة ولا تفي بحاجيات ملاكها في عملهم ومعاشهم.
  • افتعال حرائق بالغابة لغاية الاستفادة بأيام عمل موسمي في إطفاء الحرائق أولا وفي حراسة الغابة ثانيا.
  • أن فشل السياسة التنموية في القرى الغابية وحرمان سكانها من مقومات الحياة الكريمة يؤدي لأن يكون شبابها عرضة لاستقطاب الجماعات المتطرفة التي نجحت في أن تتواجد في الغابات المحاذية للحدود الجزائرية. كما أدى هذا الفشل إلى تعميق التفاوت الجهوي بين مناطق الغابات وغيرها من الجهات وهو امر بات ينذر باضطرابات أمنية واجتماعية علاوة على ما تسبب فيه من حركة نزوح نحو المناطق الساحلية والحضرية أرهقت التهيئة العمرانية وأدت لخراب قرى ظلت قبل ذلك عامرة لقرون.

 

المشاهد الغابية: خطوة في اتجاه إعادة تعريف علاقة الغابة بأهلها

أطلقت الحكومة التونسية سنة 2018 مشروع المشاهد الغابية والذي تبلغ تكلفته 100 مليون دولار[10] وحددت مدة إنجازه بست سنوات (2018-2023). وهو يهدف إلى:

  • تحسين سبل ووسائل العيش المحلية،
  • الحد من الفقر وتحقيق التنمية البشرية لمن يعتمدون على الغابات والمراعي.
  • حماية التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية الأخرى،
  •  تحسين صمود الناس أمام الصدمات المناخية،
  • تعزيز المساواة بين الجنسين و الاستدامة الاجتماعية،
  • دعم إدماج الشباب في الحياة العملية.[11]

وقد تولت الحكومة تنزيل هذه الأهداف من خلال التدابير الآتية:

-1-السماح بتاريخ 05-10-2018 لأول مرة في تاريخ الحكومة التونسية وخلافا لمقتضيات القوانين الجارية "لمتساكني المناطق الريفية الذين يشكل استغلال المنتوجات الغابية مورد زرق لهم بالنفاذ إليها دون الحاجة إلى تصاريح استغلال قانونية من الإدارة العامة للغابات أو التعرض إلى محاضر أو ملاحقات قضائية."

2- أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد بتاريخ 17-11-2018 مباشرتها تنفيذ مشروع تمكين المرأة الريفية والذي يتمثل في توفير مساعدة مالية وفنية لإرشاد المرأة الريفية ومساعدتها في تثمين الموارد المحلية والطبيعية والبيئية، وتمويل مشاريع فردية أو جماعية في إطار التعاون الثنائي أو بالشراكة مع جمعيات تنموية.

تهدف الإجراءات المتخذة في بعدها الأول إلى تمكين المجتمع المحلي من استفادة اقتصادية نسبتها 20% من مجمل ما هو مسموح سنويا باستغلاله من الثروات الغابية، فيما هي تستهدف في بعدها الثاني المرأة الريفية التي تمثل ما نسبته 80% من العاملين في المجال الفلاحي[12] في المناطق الغابية، ليطور مهاراتها في استغلال الثروات والتراث المحلي بما يحسن مهارتها ويدعم دورها الاقتصادي.

ويبدو بالتالي المشروع الحكومي فيما تكشف منه مهما لجهة الفئات التي يستهدفها أولا ولجهة  الآليات التي يعتمدها ثانيا. إلا أنه يخشى أن يكون مآله كمآل عديد المشاريع المشابهة له والتي باشرتها الحكومات التونسية المتعاقبة منذ الاستقلال وطويت صفحاتها بعدما فشلت في تحقيق أهدافها واستنزفت مواردها في غير ما خصصت له. ومنعا لهذا المصير، يقتضي التنبه إلى ضرورة أن ينتقل "التمييز الإيجابي" للمجتمع المحلي في الثروة الغابية من مجال المنحة الحكومية إلى نطاق الحق القانوني. وكانت الحكومة أعلنت منذ سنة 2016 عن تكليف لجنة فنية لصياغة مجلة جديدة للغابات، يفترض أن تتضمن في أحكامها نصا صريحا يحدد حصة لسكان المناطق الغابية في مناطقهم. ولكن هذا المشروع لم ينجز لغاية تاريخه ولم يصل بعد للمجلس التشريعي. ويظهر التقصير في تحقيق هذا الإصلاح التشريعي الهام معيبا، خصوصا وأن الأمر يندرج في باب "تنزيل الدستور" الذي فرض في الفصل 12 منه على الدولة أن "تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات، استنادا إلى مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدأ التمييز الإيجابي. كما تعمل على الاستغلال الرشيد للثروات الوطنية."

ويؤمل في هذا الإطار ومنعا لأي انقلاب على المكسب الذي تحقق، أن يبادر أعضاء مجلس نواب الشعب إلى تجاوز الخلل الحاصل بتقديم مقترح في تعديل تشريعي جزئي يكرس الممارسة الإدارية وينهي حالة التعارض بينها وبين القانون. فمن الضروري أن يكون مشروع المشاهد الغابية قاعدة انطلاق للاقتصاد الاجتماعي والتضامني متعدد الأبعاد ذي مقومات تضمن تطوره وديمومته.

كما يؤمل أن تعول الحكومة في مشروعها على الاقتصاد التضامني والاجتماعي اعتبارا لكون هذا المنوال الاقتصادي يلائم الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمناطق الغابية علاوة على كونه المنوال الأمثل لبناء الاقتصاد الأخضر أي الاقتصاد الذي ينطلق من البيئة ويهدف للحفاظ عليها.

ويذكر هنا أن التقديرات الحكومية تعد بأن يؤدي مشروعها في جانبه الذي سيشمل المرأة الريفية لبعث 8000 مؤسسة اقتصادية "صغيرة". ونقدر أن تطور تلك المؤسسات واستمراريتها لن يتحققا ما لم يكونا مدعومين بسياسة حكومية تنموية ساندة، أبرز ملامحها ربط تلك المؤسسات بالقطاعات الاقتصادية النشيطة ومن أهمها السياحة من خلال توفير أسواق للصناعات التقليدية للمؤسسات التضامنية بالمناطق السياحية، وتطوير سياسات حكومية سياحية تشجع السياحة الداخلية والخارجية البيئية والتضامنية بما يطور المحيط المحلي الاستهلاكي. كما قد يكون مفيدا تصور مؤسسات حكومية متعددة الاختصاص تعمل على إدماج النشاط الاقتصادي الجديد في النسيج الاقتصادي القائم وتجاوز ما قد يعترضه من صعوبات.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

 


[1]  أعلن هذا العيد بموجب الأمر الرئاسي عدد 289 لسنة 1958 المؤرخ في 03-11-1958 المتعلق بتأسيس عيد للشجرة والذي ورد بالفصل الأول منه " يقام عيد قومي للشجرة كل سنة وفي يوم الأحد الثاني من شهر نوفمبر".

[2]  مصدر المعطيات الإحصائية منشورات الإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة  التي صدرت بمناسبة الاحتفال بالذكرى 62 لعيد الشجرة.

[3]  يبلغ عدد المناطق المحمية 44 منطقة محمية موزعة على 17 حديقة وطنية و27 محمية طبيعية، بالإضافة إلى حوالي 40 منطقة رطبة مسجلة بالقائمة العالمية لمواقع رمسار – ومن أهمها  المحمية الوطنية بإشكل التي أدرجت سنة 1991 ضمن  "محميات الكائنات الحية ومحيطها". وصنفت تبعا لذلك  في قائمة "التراث الطبيعي والثقافي"  لليونسكو.

[4]  من أهداف الإستراتيجية الوطنية العشرية في قطاع الغابات 2015-2024

[5]   تغطي الغابات 1% من مساحة البسيطة ويقطنها 18% من سكان العالم.

[6]  تشمل 8 ولايات – أي محافظات - وهي بنزرت وباجة وجندوبة وسليانة والقصرين وسيدي بوزيد والكاف والقيروان

[7]  معطى ورد بكلمة رئيس الحكومة يوسف الشاهد التي ألقاها يوم 05-10-2018 في ندوة  “مشروع التصرف المندمج في المشاهد الغابية بالمناطق الأقل نموا بالشمال الغربي والوسط الغربي”

[8]  يذكر المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة الفقر بتونس في سنة 2015 تقدر ب 15,2% فيما تقدر نسب الفقر المدقع في تونس ب 2,9%  وتسجل المناطق الغربية 6 مرات نسبة الفقر بإقليم تونس الكبرى – المصدر إحصائيات المعهد -

[9] توفر  المناطق الغابية ما بين 5 و7 مليون يوم عمل في السنة  يستفيد منها 17 ألف شخص من العمال الموسميين والعرضيين .

[10]   ما يعادل 269 مليون دينار تونسي  وفرت اعتماداتها بقرض من البنك الدولي قدره 227 مليون دينار تونسي في مقابل تعبئة موارد ذاتية قدرها 42  مليون دينار

[11] من تقرير خبراء البنك الدولي حول المشروع

[12]   تصل نسبتها 58% من مجمل اليد العاملة الفلاحية على المستوى الوطني.