تقع قرية سجنان في مرتفعات الشمال التونسي وتعدّ من القرى البربرية باعتبار التاريخ الحضاري لسكانها ومن قرى الفجوات الغابية باعتبار موقعها الجغرافي. وهي تصنف وفق المعايير الاقتصادية التونسية في خانة "الجهات المهمّشة" بعدما احتلّت المرتبة 258 في جدول التنمية المحلية الذي شمل 264 معتمدية. وفرض هذا الإخفاق التنموي وما نتج عنه من انتشار لظواهر الانقطاع المبكر عن التعليم والبطالة أن يرتبط اسم هذه البلدة قبل الثورة بظاهرة تشغيل الفتيات القاصرات في العمالة المنزلية. بعد الثورة، تناول الإعلام التونسي عموما البلدة في سياق الحديث عن انتشار الفكر السلفي الجهادي في الأوساط الشبابية.

بعيدا عن هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الصعب ودون كبير التفات له، أعلن بتاريخ 29-11-2018 أن الجلسة العامة لليونسكو قررت إدراج "المعارف والمهارات المرتبطة بفخار نساء سجنان – تونس - في القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادي للبشرية". ومن نتائج هذا القرار أن باتت خبرة نساء سجنان التي يتوارثنها جيلا بعد جيل في صناعة الفخار البربري التقليدي جزءا من التراث العالمي الذي يستحق حماية على معنى اتفاقية اليونسكو لسنة 2003 الخاصة "بصون التراث الثقافي غير المادي".

فرض الفقر على نساء سجنان أن ينقطعن مبكرا عن التعليم. وألزمتهن قلة الأراضي الصالحة للزراعة بمنطقتهن الغابية بالبحث عن مورد رزق يدعم موارد عائلاتهن. فكان أن صنع لهن "تمليس الطين الذي توارثن تقاليده جيلا عن جيل مورد الرزق الذي يحتجن إليه. كان الطين في البداية مادة أولية تُصنع منها الأفران المنزلية وأواني الطبخ للأسر التي يمنعها الفقر عن "شراء" ما يصلح بديلا عصريا عنه. وعليه، وإذ بدت المحافظة على هذا التراث لسكان القرية شهادة فقر وضرورة حياتية، أدرك هؤلاء في فترة لاحقة أن تراثهم بات لسكان جهتهم وبلدهم أمرا تقليديا يحنون إليه ولا يمكن أن يجدوه إلا عندهن وقلة أخرى من سكان القرى التي احتفظت نساؤها بخبرة تمليس الطين. فتوجهت النساء صوب الطريق ليكون نقطة اللقاء بحرفائهن.

دبّ النشاط التجاري تدريجيا من دون أن يستتبعه تغيير لأساليب العمل الذي كان يؤدى بمعظمه داخل المنازل. كانت النساء يذهبن فرادى وجماعات قبل الصباح للوادي لجمع الطين. وكن يفنين ما بقي لهن من جهد بعد القيام بالأعباء المنزلية في تليينه وتمليسه وطهوه ليتجهن بعد ذلك مباشرة للطريق حيث يعرضن ما يصنعن للراغبين مقابل مبالغ مالية زهيدة. بات طريق سجنان مقصدا لمن يتاجرون في الأسواق الأسبوعية في تلك الأواني، كما كان ممرا لعابريه ممن يدفعهم الفضول للتوقف والسؤال. تفطنت في هذا الفاصل الزمني رائدات "تمليس الطين" لأهمية تطوير المعروض للبيع بحكم تطور الزبون وحاجته. فكان أن استذكرن ما تعلمن في صغرهن من صناعة قطع طينية للزينة بأشكال هندسية تذكر لحد بعيد بالرموز الطوطمية من أبرزها عروس سجنان وما تعلمن عن جدّاتهن من مهارات في التلوين الطبيعي للطين. طورت نساء سجنان سوقهن وكذلك منتوجاتهن وتطور تبعا لذلك دخلهن نسبيا ليصبح عملهن مورد رزق أساسي لأسرهن.

وهنا لم تمنع الأمية نساء سجنان من صناعة منوال إنتاجي متكامل لصناعة الفخار البربري كان سببا في الحفاظ على التراث ومدخلا لتثمينه. وكان نجاحهن في جهد لم يبادر الرجل لمجرد مشاركتهن فيه انعكاس ذي دلالة على الدور الاجتماعي المركب للمرأة  في الأوساط الريفية حيث تطغو قيم المجتمع الذكوري  .

تذكر المعطيات الإحصائية الرسمية أن نسبة مشاركة المرأة في العمل الفلاحي تبلغ 58% من عموم العاملين في القطاع[1] وأن 450 ألف منهن يشتغلن كمعينات من الأسرة في هذا العمل دون أجر[2]. ويستفاد من هذا الأمر أن المرأة تعد قوة العمل الأولى في القطاع الفلاحي فيما أن 4% من جنسها فقط يمتلك وسيلة إنتاجه الأساسية المتمثلة في العقار[3] .كما تؤكد ذات المعطيات أن عددا هاما من العائلات في المناطق الفقيرة ومنها سجنان تشجع الانقطاع المبكر لبناتها عن التعليم لتلقي بها في سوق العمالة المنزلية، وهو سوق يستفيد فيه رئيس العائلة بعائد استغلال ابنته القاصرة. ويبدو بالتالي حضور المرأة في صناعة الفخار البربري وترويجه زيادة على بعده الإبداعي والاقتصادي مؤيدا مهما يدعم جهود الإنصاف الاجتماعي للمرأة في مواجهة المعاملات التمييزية.

يشكل إدراج مسار الخلق والإبداع الذي ابتدعته نساء سجنان في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، أول حالة تونسية من هذا النوع، وهو يفرض بالنظر إلى أهميته مراجعة مفهومية للتصور السائد عن تقاسم العمل الأسري بالوسط الريفي. ومن شأن هذه المراجعة أن تغني النقاش المجتمعي حول مشروع قانون المساواة في الإرث، بما يطرحه من سؤال حول عدالة حرمان الكادحات من نصيب كامل في ثروة كان لهن فضل كبير في إنتاجها. وبحثا عن ذات قيم العدالة الاجتماعية، يطرح التثمين العالمي للإبداع الحرفي لنساء سجنان تحديات خاصة على الجهات الرسمية، عنوانها الأبرز كيف يتطور الإنتاج بشكل يخلق ثروة تطور الجهة ويمنع فقدان المنتوج بفعل وفرة الطلب المتوقعة لخصوصيته.

كان لتجار القطاع السياحي الذين يشتغلون على المنتوجات التقليدية التونسية فضل كبير في صناعة سوق لفخار سجنان بتونس وخارجها. ولم يحجب هذا الفضل علة أن علاقة الإنتاج التي قام عليها كانت غير عادلة. فقد عادت بالربح الوفير على هؤلاء التجار فيما اكتفت بتقديم "عائدات بسيطة "للملّاسات". حاولت الجهات الرسمية كسر هذه المعادلة بتوفير فرص مشاركة في معارض دولية للمنتجات تكون مناسبة لتطوير مهارتهن وتسويق منتجاتهن، لكن هذا الجهد ظلّ محدودا في أثره لطابعه المناسباتي. ويبدو من المؤكد اليوم أن يتم التفكير في كسر هذه المعادلة من خلال تصور نمط إنتاجي يكون قابلا للتطور والنجاح، قد يكون الاقتصاد الإجتماعي والتضامني منصته الفضلى.

تصلح بساطة علاقات الإنتاج التي تميز صناعة الفخار البربري وتسويقه أن تكون دافعا لتأسيس تعاونيات إنتاج وتسويق. فمن شأن هذه التعاونيات أن تطور ظروف عمل المنتجات وتضمن لهن حقوقهن الاجتماعية كما تحسن قدرتهن على تسويق ما يصنعن في الأسواق دون كبير حاجة للوسطاء أو على الأقل في سياق معاملات مع هؤلاء لا تتضمن شروطها ما فيه استغلال لهن. وينتظر فعليا أن تعمل الحكومة التونسية في هذا الاتجاه، خصوصا وأنها خصّت هذا المنوال الاقتصادي بوزير في تركيبتها وأعلنته عمادا لمخططها التنموي. وفي ذات الإطار، بات الفخار البربري عنوانا عالميا لمنتوج فني تونسي ذي قيمة اقتصادية، بما يفرض على مراكز البحث في الفنون والجامعات المتخصصة توجيه عناية لتطوير القدرة الإبداعية للحرفيات ويطور مهارتهن في المجال، من دون المس بالخصوصية الثقافية وبأصل القيمة الإبداعية.

ومنعا لهذا الخطر، يكون من المحتّم التفكير في تمييز ما يروج في الأسواق من فخار بربري بعلامة تضمن جودته وتطابق طرق إنتاجه وعلاقتها مع قيم المنتوج وثقافته، هذه الثقافة التي تظل مكمن الجمال الحقيقي لفن اقترن بالتجارة بفعل الحاجة، فعرّى ظلما اجتماعيا وخلق تميزا وثروة.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي


[1]  تبلغ هذه النسبة بالمناطق الغابية ومنها سجنان 80%.

[2]  معطيات إحصائية أعلنها وزير التشغيل الأسبق عماد الحمامي في اختتام مؤتمر المنتدى الإفريقي المرأة الفلاحة والاقتصاد الاجتماعي والتضمني بتاريخ 28-10-2016.

[3]  يبلغ عدد النساء اللواتي يعشن في الوسط الريفي ومنه سجنان 1.786.261 إمرأة تونسية أي ما نسبته  ما يمثل 32% من مجمل النساء في تونس و50.4% من مجمل سكان المناطق الريفية .