يعتبر مجلس المنافسة في المغرب مؤسسة دستورية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وقد نص عليها الفصل 166 من الدستور المغربي لسنة 2011 وينظمها القانون رقم 20/13 والذي يحدد عدد أعضائها بعشرة إضافة إلى الرئيس ويحدد اختصاصها في "تنظيم منافسة حرة ومشروعة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار". كما "يتمتع المجلس بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي". ويمكن كذلك للمجلس "إبداء آرائه بشأن طلبات الاستشارة كما هو منصوص عليها في هذا القانون والقانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة[1] وإصدار دراسات بشأن المناخ العام للمنافسة قطاعيا ووطنيا"[2].

وقد ظل المجلس المذكور معطلا بسبب انتهاء ولاية أعضائه  وفقدانهم لأهلية الانتداب نتيجة ذلك، ولا سيما بعد صدور قانونه الجديد  سنة 2014 الذي تضمن عدة مستجدات وتغييرات. وقد تم أخيرا تعيين رئيس المجلس من طرف الملك يوم 16-11-2018 إيذانا ببدء انطلاقته بعد أن يقوم رئيس الحكومة بتعيين باقي الأعضاء باقتراح من عدة سلطات وجهات[3] .

فما هي الصلاحيات القانونية الممنوحة لهذا المجلس؟ وما أهميته في الاقتصاد المغربي وحماية التنافسية القانونية والقدرة الشرائية للمواطنين والمقيمين؟ وما هي الإكراهات الواقعية التي يمكن أن تحدّ من فاعليته وفقا للمحللين الاقتصاديين؟

ذلك ما سنقف عنده في النقط الآتية من هذا المقال.

 

الصلاحيات القانونية لمجلس المنافسة بالمغرب.

يتوفر مجلس المنافسة الجديد – مقارنة مع المجلس السابق- على عدة صلاحيات تقريرية  واستشارية ومكنه القانون الجديد من امكانية اتخاذه لعدة تدابير وعقوبات لحماية مجال تدخله. ومن أبرز هذه الصلاحيات، الآتية:

  • أنه يتمتع بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي كما هي معرفة في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة ويبدي رأيه بشأن طلبات الاستشارة كما هو منصوص عليها في القانون وإصدار دراسات بشأن المناخ العام للمنافسة قطاعيا ووطنيا (المادة الثانية من القانون رقم 13-20 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة).
  • أنه ينظر في الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المحالة إليه من الهيئات والمنشآت والإدارة (المادة الثالثة من نفس القانون).
  • أن له أن ينظر بمبادرة منه في كل الممارسات التي من شأنها المساس بالمنافسة الحرة وفي أي إخلالات بالتعهدات المتخذة من لدن الأطراف في عملية تركيز اقتصادي في إطار تصدي الإدارة لقرار متعلق بهذه العملية، وفي الممارسات المتمثلة في عدم احترام القواعد المنصوص عليها في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة والخاصة بتبليغ عمليات التركيز الاقتصادي واحترام قرارات المجلس والإدارة في شأن هذه العملية وتوجيه توصيات إلى الإدارة لتفعيل التدابير اللازمة لتحسين السير التنافسي للأسواق (المادة الرابعة من نفس القانون ).
  • أن القانون ينيط به دورا استشاريا هاما، مع إعطاء صلاحية استشارته جوازيا أو وجوبيا لهيئات عدة، في مقدمتها اللجان الدائمة للبرلمان والحكومة ومجالس الجماعات الترابية فضلا عن العديد من الهيئات الأخرى (من بينها جمعيات حماية المستهلك المعلنة ذات منفعة عامة). ويلحظ أن القانون أعطى المحاكم امكانية استشارة المجلس في شأن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة والمثارة في القضايا المعروضة عليها. وتكون استشارة المجلس وجوبية من قبل الحكومة في مشاريع النصوص التشريعية أو التنظيمية المتعلقة بإحداث نظام جديد أو بتغيير نظام قائم يهدف مباشرة إلى:(فرض قيود كمية على ممارسة مهنة أو الدخول إلى سوق؛ إقامة احتكارات أو حقوق استئثارية أو خاصة أخرى في التراب المغربي أوفي جزء مهم منه؛ فرض ممارسات موحدة فيما يتعلق بأسعار أو شروط البيع؛ منح إعانات من الدولة أو الجماعات الترابية وفقا للتشريع المتعلق بها).
  • يجوز لمجلس المنافسة في حالة استغلال تعسفي لوضع مهيمن أو لوضعية تبعية اقتصادية، اتخاذ قرار معلل يأمر فيه المنشأة أو مجموعة المنشآت المعنية بالقيام، داخل أجل معين، بتغيير أو تتميم أو فسخ جميع الاتفاقات وجميع العقود التي تم بموجبها تركيز القوة الاقتصادية التي مكنت من التعسف.
  • أن القانون يمنحه ويمنح رئيسه امكانية اتخاذ مروحة واسعة من التدابير التحفظية الحمائية وتوقيع الجزاءات المالية وغيرها على الأطراف الاقتصادية المخالفة وكل ذلك بعد القيام بالأبحاث والإجراءات وبعد توفير الضمانات لكل الأطراف من خلال الطعن  القضائي في مقرراته.

 

دور المجلس وإكراهاته الواقعية

يجدر التذكير بداية بأن مجلس المنافسة الجديد جاء في سياق المطالب الاجتماعية والسياسية التي ترجمها دستور 2011. كما أن القانون المنظم له وكذا قانون حرية الأسعار والمنافسة تمت مناقشتهما وإصدراهما في ظل مناخ تنزيل دستور 2011. ولذلك يمكن القول أن هذين القانونين تضمنا صلاحيات قانونية مهمة يستطيع المجلس بواسطتها ضبط قواعد التنافس الاقتصادي الشريف ومحاربة الاحتكار والريع وحماية القدرة التنافسية والمعيشية لكافة المواطنين والمقيمين والمقاولين، في حال نجح في ممارسة صلاحياته بنجاعة وحياد واستقلال تامّين.

إلا أن الإشكال، في الحالة المغربية، كما  يرى بعض المحليين الاقتصاديين، لا يتعلق بالصلاحيات القانونية بل بعدة معطيات واقعية أخرى تتعلق بطبيعة بناء الاقتصاد المغربي وتداخل المصالح فيه، وهو ما يجعلهم يتساءلون عن مدى إمكانية تجاوز المجلس الجديد لهذه الصعوبات والإكراهات. ويخشى أن يتحول دور المجلس في حال عجزه عن ذلك إلى مجرد دور بيداغوجي. وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي المغربي محمد الشيكر أن الإشكال لا يكمن في مؤسسة مجلس المنافسة وإنما في طبيعة الاقتصاد المغربي. فهذا الاقتصاد ليس اقتصادا تنافسيا، وهو يخضغ لهيمنة الاقتصاد غير المهيكل فيه وللوبيات تؤثر على المهيكل منه، مثل القطاع البنكي والتأمين والاتصالات والإسمنت فضلا عن الخلط بين العمل الاقتصادي والسياسي. ومن شأن هذا الأمر أن يعوّق مهمة مجلس المنافسة، بحيث تقتصر على إشاعة ثقافة التنافس دون أن يكون المجلس قادرا على اتخاذ اجراءات عملية لضمان المنافسة[4].

وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي محمد ياوحي أن "الإدارة الجديدة لمجلس المنافسة مطالبة بشجاعة كبيرة لمواجهة اللوبيات الاحتكارية ... وإنهاء عقود من هيمنة لوبيات كبرى ريعية على المشهد الاقتصادي مما يشكل عرقلة وحاجزا أمام أي نموذج تنموي منشود ..وكل هذا يتوقف على قدرة المجلس على مواجهة اللوبيات المتحكمة في مفاصل الاقتصاد، ومستوى قدرة المجلس على استعمال كل الصلاحيات التي يخولها له الدستور". [5]

وبفعل الجمود التي عرفتها وضعية المجلس السابق وفق ما تمت الإشارة اليه أعلاه، فإن المجلس الجديد تنتظره عدة ملفات شائكة للبت فيها وستكون بلا شك امتحان البداية له. وفي مقدمة هذه الملفات المطروحة إعلاميا في الساحة المغربية ملف النفط والمحروقات والتبغ والصحة والتأمين والنقل[6]. وفي هذا الإطار، رصد تقرير صادر عن لجنة التحقيق في قطاع المحروقات بمجلس النواب- الغرفة السفلى للبرلمان المغربي – بأن رأي المجلس تم تجاهله في هذا القطاع الحيوي وهيمنت وزارة الشؤون العامة والحاكمة على تدبير الملف لوحدها[7].

لكن ومع هذه النظرة التشاؤمية للخبراء المبنية على معطيات الواقع، فإن لمجلس المنافسة الجديد رغم ذلك أن يلعب دورا في إطار الصلاحيات الاقتصادية الممنوحة له دستورا وقانونا، أخذا بعين الاعتبار أن مؤسسات  الدولة على وعي كبير كذلك بالأحداث التي تجري بالساحة الوطنية وبحاجيات الاقتصاد والمواطن وضرورة  ضبط التوازنات الاقتصادية والمعيشية فيهما تفاديا للنتائج الخطيرة التي قد تنتج عن عوامل الخلل الاقتصادي أو الاجتماعي. وما يبقى محل انتظار لمعرفة الجواب – في نظري -  هو ما المدى الذي سوف يلعبه  مجلس المنافسة في إطار ممارسته لأدواره السابق الإشارة إليها؟

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

 


[1] - القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.

[2] - القانون رقم 20-13 المتعلق بمجلس المنافسة

[3] - تنص المادة 09 ، من القانون رقم 20-13 المتعلق بمجلس المنافسة ، في فقرتها الثانية على ما يلي : " ويضم المجلس، إضافة إلى الرئيس، الأعضاء من ذوي الاختصاص التالي بيانهم:

-عضوان من القضاة نائبان للرئيس؛

- أربعة (4) أعضاء يختارون بالنظر إلى كفاءتهم في الميدان الاقتصادي أو المنافسة، أحدهم نائب للرئيس؛

- عضوان يختاران بالنظر إلى كفاءتهما في المجال القانوني، أحدهما نائب للرئيس؛

- ثلاثة (3) أعضاء يزاولون أو سبق لهم أن زاولوا نشاطهم في قطاعات الإنتاج أو التوزيع أو الخدمات؛

- عضو واحد (1) يختار بالنظر إلى كفاءته في ميدان حماية المستهلك".

[4] - حوار للباحث الاقتصادي محمد الشيكر في جريدة الصباح المغربية في عددها رقم 5774 ليوم 29-11-2018.

[5] - تصريح للباحث محمد ياوحي للجزيرة نيت بتاريخ 27-11-2018

[6] - جريدة الصباح  في عددها رقم 5774 ليوم 29-11-2018.

[7] - للاطلاع على تقرير اللجنة كاملا يراجع موقع جريدة ايكونومسيت المغربي