مع دخول القانون الأساسي حول القضاء على العنف ضد المرأة حيز النفاذ في فيفري 2018، ثار تساؤل حول مدى إنفاذ هذا القانون في مقاربته الشاملة للعنف المسلط على النساء، وبشكل خاص، مدى نجاعة الآليات المعتمدة فيه لضمان إنفاذه. ومن أبرز هذه الآليات، إحداث القانون لوحدات مختصة بالبحث في جرائم العنف ضدّ المرأة حيث ينص الفصل 23 من هذا القانون على أنه: "تحدث بكل منطقة أمن وطني وحرس وطني في كل الولايات وحدة مختصة بالبحث في جرائم العنف ضدّ المرأة طبقا لأحكام هذا القانون...".

وبالتدقيق في أحكام هذا القانون والإحداث الفعلي لهذه الوحدات وبدء عملها، فإننا نلحظ أن هذا المكسب الهام يواجه مجموعة من العوائق والتحديات التي يجدر الإسراع في معالجتها ضمانا له .

 

  1. في إحداث الوحدات المختصة

باعتماد المعطيات المتوفرة لدينا، فإنه تم إلى حدود 15 نوفمبر 2018 إحداث 127 وحدة مختصة في البحث في جرائم العنف ضدّ المرأة في سلكي الأمن الوطني (الشرطة) والحرس الوطني. هذا العدد العام والذي يبدو مرتفعا لأول وهلة، يخفي مجموعة من التحديات التي تواجهها هذه الوحدات.

غياب النص الناظم لتركيبة الوحدات:

بالرغم من أن القانون لم ينصّ على تركيبة مثالية للوحدات إلا باشتراطه أن يكون من بين أعضائها وجوبا نساء، فإنه لم يصدر أي نصّ ترتيبي (أمر أو قرار) يبين تركيبة الوحدات. وتكون الوحدات المختصة التي تم إحداثها، لحدّ الآن قد أحدثت بنصوص إدارية داخلية (مذكرات أو لوائح أو مناشير) لم تنشر بالجريدة الرسمية وبذلك لا يمكن الإطلاع عليها لتحديد مدى استجابتها لشروط ومبادئ الحوكمة وخاصة الشفافية والنجاعة. وهو ما قد يعطي الانطباع بمواصلة العمل بالآليات الإدارية المتكتمة وغير الشفافة.  

فالوحدات التي تم إحداثها تتفاوت من حيث عدد أعضائها. فقد لاحظنا أن بعض الوحدات لا تحتوي إلا على عون واحد بينما تحتوي بعض الوحدات المختصة الأخرى على أكثر من 5 أعوان. هذا التفاوت في عدد الأعوان داخل كل وحدة مختصة من شأنه أن يؤثر سلبا على عمل الوحدات ونجاعتها. فأن تكون الوحدة متكونة من شخص واحد، يعني جعلها عاجزة عن أداء ما هو مطلوب منها بموجب القانون.

إن غياب نص قانوني (مهما كان نوعه: أمر أو قرار) شامل ومنظم لتركيبة الوحدات واختصاصات أعضائها يفتح الباب أمام انعدام الشفافية وعدم وضوح شروط اختيار الأعوان واختصاصاتهم، ولذا يتوجب تلافي ذلك بصدور هذا النص في أقرب الآجال ونشره.

 

الحضور الوجوبي للنساء في الوحدات المختصة:

لقد اشترط القانون عدد 58 لسنة 2017 أن تضم الوحدات المختصة وجوبا نساء من بين عناصرها. هذا الاشتراط الهام والذي من شأنه ضمان أكبر قدر من الطمأنينة والأمان للنساء ضحايا العنف قد لا يتحقق في كل الوحدات المختصة بالقدر المطلوب لتحقيق النجاعة المرجوة منه. فالأصل هو حضور المرأة بصفة مستمرة داخل الوحدات المختصة. إلا أنه وبالنظر في الوحدات التي تم إحداثها، فإننا نلاحظ أن أغلبها يضم إمرأة على الأقل إلا بالنسبة للوحدات التي لا تضم إلا شخص واحدا، فهي لا تضم نساء قط. إلا أن وجود إمرأة واحدة في كل وحدة مختصة هو أمر غير كافٍ. ذلك أن حضور هذه المرأة لن يكون إلا لفترة دوام واحد، بينما يجب أن توجد إمرأة أيضا في فترة الدوام الليلي وهي الفترة التي يرتفع فيها وفق الإحصائيات معدل العنف ضد النساء وخاصة العنف الأسري. ولذا يكون من الانسب أن تتواجد في كل وحدة امرأتان على الأقل. وهي مسألة ليس من اليسير توفيرها في الظرف الحالي، حيث نلحظ أن العديد من الوحدات المختصة التي تمّ إحداثها حتّى الآن لا يتوفر فيها هذا الشرط.

 

2 – في مهام واختصاصات الوحدات المختصة:

يعود للوحدات المختصة مجموعة من المهام والاختصاصات التي تختص بها ومهام أخرى تشترك في إنفاذها مع متدخلين آخرين وتكون التحديات التي تعترض هذه الوحدات أكثر صعوبة كلما كان الاختصاص مشتركا بين الوحدات المختصة وغيرها من المتدخلين في مكافحة العنف ضدّ المرأة والقضاء عليه.

 

- تحديات السماعات والمكافحات بغياب أخصائيين:

لقد وضع القانون عدد 58 لسنة 2017 مجموعة من الإجراءات الخاصة بالسماعات والمكافحات المتعلقة بجرائم العنف الجنسي ضد المرأة والأطفال حيث ينص الفصل 28 من القانون على أنه: "يمكن للضحية في الجرائم الجنسية طلب سماعها بحضور أخصائي نفساني أو اجتماعي". ويكون حضور الأخصائي النفساني أو الاجتماعي وجوبيا عند الاستماع إلى الطفل ضحية العنف الجنسي (الفصل 29). هذا الإجراء العام والذي يأخذ بعين الاعتبار وضعية الضحية عندما تكون قد تعرضت لاعتداء جنسي، يصطدم في عديد الحالات بصعوبة/ استحالة حضور هذا الاخصائي. فقد لاحظنا أنه في عدة مناطق حيث أحدثت بعض الوحدات المختصة، لا يوجد أخصائي نفساني أو اجتماعي يمكن تسخيره للحضور أثناء الاستماع للمرأة أو للطفل ضحية العنف الجنسي.

فالكثير من المؤسسات الصحية والاستشفائية العمومية تفتقر إلى أخصائيين نفسانيين ويكون من الصعب عندئذ توفير هذه الخدمة في المدينة أو القرية التي توجد بها الضحية مما يجعل عملية الاستماع الآني للضحية غير ممكن. وهو ما يؤدي إلى طول فترة انتظار الضحية دونما أي تعهد أو رعاية نفسية، مما يبقي الضحية في حالة "صدمة" أو هشاشة نفسية لمدة أطول. ولا يكون خلاف ذلك إلا إذا تمّ نقلها إلى مكان بعيد عن مكان الوحدة المختصة وهو ما يطرح مشكل نقل الضحايا.

 

- تسجيل سماع الأطفال بالصوت والصورة

ينص الفصل 29 من قانون 2017 على أنه "لا يمكن سماع الطفل ضحية الجرائم الجنسية أكثر من مرّة، على أن يتم تسجيل سماعه بطريقة تحفظ الصوت والصورة". هذا الإجراء الهام الحامي للأطفال وحرمتهم النفسية يستوجب توفر معدات خاصة بكل وحدة للبحث في جرائم العنف ضدّ المرأة. وهي مسألة غير متاحة في كل الوحدات التي تم إحداثها. مما سيؤدي حتما إلى الالتجاء إلى وحدات أخرى تمتلك مثل هذه المعدات أو اللجوء إلى الشرطة الفنية. وهو ما من شأنه الإبقاء على الطفل الضحية على حالته إلى أن يتم الاستماع إليه وتوثيق ذلك صوتا وصورة.

ونلحظ أنه بالرغم من صراحة الفصل 23 والذي يمنع سماع الطفل أكثر من مرة في الجرائم الجنسية، إلا أنه في غياب توثيق السماعات صوتا وصورة، ما زال يستمع للأطفال ضحايا العنف الجنسي أكثر من مرة.

إن ما نلاحظه من خلال هذه الصلاحيات التي أقرها القانون للوحدات المختصة أنه: من ناحية لا يمكنها النجاح في أدائها إلا بتوفر مجموعة من الإمكانيات البشرية (الأخصائيين النفسانيين والاجتماعيين) والمادية التي من شأنها تمكين الوحدات من وسائل توثيق حديثة وقاعات مجهزة لذلك، وهو ما ينقص عديد الوحدات، ومن ناحية أخرى لا يمكن لهذه الوحدات القيام بعملها إلا بتوفر تنسيق تام بين مختلف المتدخلين واستبطانهم جميعا لأحكام القانون والآليات التي وضعها للتعهد بضحايا العنف من النساء والأطفال.

 

  1. في موقع الوحدات المختصة من بقية المتدخلين:

إن ما يميز قانون 2017 هو طابعه الشامل من ناحية وتأكيده على ضرورة العمل الشبكي من ناحية أخرى. فالتعهد بضحايا العنف من النساء والأطفال يتوجب تدخل الجهاز الامني والقضائي والتعهد الطبي والنفسي والاجتماعي والجمعياتي. وفي هذا الإطار يتنزل إحداث الوحدات المتخصصة والتي ستجعل من مسألة العنف ضد المرأة قضية محورية في عملها. إلا أن هذا الدور الهام للوحدات يتطلب منها التنسيق والتشبيك مع كل المتدخلين وخاصة القضاء وحماية الطفولة والجمعيات.

 

- في علاقة الوحدات المختصة بالنيابة العمومية

حافظ قانون 2017 على الدور الرئيسي للنيابة العمومية في التعهد القضائي بضحايا العنف. ولذا فإن ما تقوم به الوحدات المختصة يبقى مسبوقا إما بإعلام النيابة أو بعد أخذ إذن منها. إذ ينص الفصل 26 على أنه بعد إذن النيابة "يمكن للوحدة المختصة نقل الضحية والأطفال المقيمين معها عند الضرورة إلى أماكن آمنة..". بالتنسيق مع الهياكل المختصة ومندوب حماية الطفولة. كما يمكنها بإذن النيابة العامة نقل الضحية لتلقّي الإسعافات الأولية عند إصابتها بأضرار بدنية، وإبعاد المظنون فيه من المسكن أو منعه من الاقتراب من الضحية أو التواجد قرب محل سكناها أو مقر عملها عند وجود خطر ملمّ على الضحية أو على أطفالها المقيمين معها.

هذا التنسيق المبدئي قد تعترضه بعض الإشكاليات التي قد تؤدي إلى تعارض مع نص القانون وتتمثل أساسا في إمكانية طلب النيابة من أعوان الوحدات المختصة التداخل لحل الإشكال المتعلق بالعنف خاصة فيما يتعلق بالعنف الأسري وتحديدا العنف الزوجي.

حيث يمكن للتداخل أن يتعارض مع الفصل 25 وأن يؤدي إلى المساءلة الجزائية لأعوان الوحدات المختصة. تنص الفقرة 2 من الفصل 25 على أنه "يعاقب بالسجن من شهر إلى ستة أشهر من شهر إلى ستة أشهر كل عون من أعوان الوحدة المختصة الذي يتعمد ممارسة ضغط على الضحية أو أي نوع من أنواع الإكراه  لحملها على التنازل على حقوقها أو لتغيير مضمون شكواها أو الرجوع فيها". ويؤكد عديد أعوان الوحدات المختصة أنه وفي بعض الوضعيات تطلب منهم النيابة التداخل لحل الإشكال خاصة عندما تكون هناك استحالة لإيواء المرأة المعنفة والأطفال،

إلا أنه يتوجب التذكير أن ما ينص عليه الفصل 25 من عقاب للتدخل المتعمد من قبل أعوان الوحدات المختصة جاء نتيجة ما أثبتته الدراسات من الخطر الكبير الذي يمكن أن تتعرض له المرأة المعنفة عند عودتها إلى المكان الذي تعرضت فيه للعنف، وإلى الأشخاص الذين تسببوا في تعنيفها. ففي حالات عديدة يتم تعنيفها من جديد وبصفة أشد وأعنف أو تقدم المرأة على الانتحار. ولذا يكون من الأنسب وفي مطابقة للقانون وتلاؤم مع الواقع ألا يتم التداخل.

 

- اختصاص الوحدات المختصة في ظل التعريف الواسع للعنف ضد النساء:

من شأن تعريف العنف ضد المرأة والأطفال المرافقين لها، بصفة واسعة كما ورد في الفصل 3 من قانون 2017 "العنف ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس"، أن يحيل كل الشكاوى التي تكون المرأة فيها ضحية عنف على الوحدات المختصة وهو ما من شأنه أن يغرق هذه الوحدات بعشرات إن لم نقل مئات الشكاوى كل شهر. وهو ما يطرح السؤال إن كانت هذه الوحدات قادرة ماديا (بموجب عدد أعوانها ومعداتها التقنية واللوجستية) أن تتعهد بكل هذه الشكاوى والملفات وهو في رأينا مسألة صعبة بالنسبة لأغلب الوحدات ومستحيلة بالنسبة للوحدات التي لا تتركب إلا من عون أو عونين فقط.

ولذا فإنه وفي انتظار تشكل فقه قضاء واضح حول مفهوم العنف (مجالاته) التي تكون مؤسسة على التمييز بسبب الجنس، فإنه ينبغي على وزارة الداخلية (متدخل الخط الأول في مجال العنف ضد المرأة) أن تكون لها سياسة عملية يتم بموجبها تحديد معايير إسناد القضايا التي تكون المرأة ضحية عنف فيها إلى الوحدات المختصة وأن تعزز قدرات وإمكانيات هذه الوحدات حتى تضطلع بهذه المهمة التي من شأنها أن تخفف من أعباء الوحدات الأخرى. وهو ما يتطلب أيضا في تقديرنا تكوينا عاما لمختلف الوحدات الأخرى حول العنف المسلط مع المرأة بسبب التمييز على أساس الجنس حتى يكون لمختلف الأعوان المكلفين بالضابطة العدلية علم بخصائص هذا النوع من القضايا ليتمكنوا أيضا من التفرقة بين القضايا التي تعود لاختصاصهم وغيرها من القضايا التي يتوجب إحالتها على الوحدات المختصة في البحث في جرائم العنف ضد المرأة.

 

- في مشاكل إيواء النساء ضحايا العنف والأطفال المرافقين لهنّ:

ينصّ الفصل 26 من القانون عدد 58 لسنة 2017 على أنه تقوم الوحدة المختصة... "بنقل الضحية والأطفال المقيمين معها عند الضرورة إلى أماكن آمنة بالتنسيق مع الهياكل المختصة ومندوب حماية الطفولة". هذا الإجراء الأساسي لحماية النساء والأطفال ضحايا العنف وتوفير مكان آمن لهم، والذي يستجيب لمطلب هام من مطالب المدافعات والمدافعين عن حقوق النساء والأطفال، تعترضه عديد التحديات والتي تتمثل أساسا في عدم توفر هذه الأماكن الآمنة بالقدر الكافي في جميع الأماكن من ناحية. يضاف إلى ذلك أنه ليس في العديد من الحالات للوحدة المختصة الإمكانية المادية لنقل الضحية والأطفال.

فبالنسبة لأماكن الإيواء الآمنة التابعة بالأساس لوزارتي الشؤون الاجتماعية ووزارة المرأة والأسرة والطفولة، فإن غالبها يوجد بمقرات الولاية وبالنسبة لبعض الولايات الكبرى جغرافيا (القيروان، مدنين، صفاقس...). وعليه، تكون المسافة بين هذه المقرات الآمنة والمناطق الداخلية للولاية بعيدة وأحيانا بعيدة جدا.

أما مراكز الإيواء التابعة للجمعيات فعددها 8 تتركز 3 منها في تونس العاصمة و5 خارجها. إلا أن طاقة استيعاب هذه الأماكن وتجهيزها لا يتيح لها إيواء عدد كبير من النساء والأطفال. وهو ما يستوجب إعادة التفكير في تركيز هذه الأماكن الآمنة وتوزيعها على المناطق بحسب نسبة العنف المسلط على النساء والأطفال وهو ما يمكن تحديده من خلال الدراسات التي تمت حول العنف في تونس والتي يتوجب تحيينها بصفة دورية خاصة، على ضوء التقارير الدورية (ستة أشهر) التي يفترض بالوحدات المختصة رفعها إلى سلطة الاشراف الادارية (وزارة الداخلية) والقضائية والمرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة (الفصل 27).

إنّ دور الوحدات المختصة على أهميته، يبقى مرتبطا وثيق الارتباط بالوسائل والإمكانيات المادية والبشرية التي تمنح لهذه الوحدات، إلا أن الامكانيات وحدها غير كافية لإحداث النجاعة المرجوة، ذلك أهم ما جاء به قانون 2017 هو المقاربة الشاملة والتشاركية، المقامة على التشبيك بين مختلف المتدخلين ولذا فإن عمل كل متدخل على حدة لن يمكن من تحقيق أي نجاعة. و يكون من الأساسي الآن، العودة إلى صياغة سياسة مشتركة بين كل المتدخلين وإبرام اتفاقيات تعهد مشترك بين مختلف المتدخلين واعداد أمر صادر عن رئيس الحكومة يبين فيه آليات الشراكة وتوزيع الأدوار والمهام وخاصة بيان وسائل التنسيق بين مختلف المتدخلين.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

  • للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا