قبل أسابيع قليلة، تناقلت وسائل الإعلام الوطنية والدولية مشهدا مثيرا وغير مألوف أعاد إلى الأذهان بقوةٍ مشاهد الثورات العربية خلال سنة2011، حيث تداول نشطاء مغاربة مقطع فيديو يظهر الآلاف من جماهير الرجاء البيضاوي لكرة القدم وهم يرددون بشكل جماعي أغنية بعنوان "في بلادي ظلموني".

الأغنية هي أكثر من عمل فني. إنها رسالة بمضمون سياسي اجتماعي، صدحت به وبصوت واحد حناجر الآلاف من جماهير كرة القدم، وتجاوز صداها حدود المغرب.

فأن تتحول الملاعب الرياضية من فضاء رياضة وترفيه إلى فضاءات يستعملها المقهورون لبث الرسائل السياسية أمر غير مألوف في بلدان المنطقة.

وما سنسعى إليه هنا هو استعادة السياق القانوني الاجتماعي لهذه الأغنية، وذلك تمكينا للمستمع من فهم الرسائل التي تضمنتها، وهي كثيرة.

 

ماذا تقول كلمات الأغنية؟

تقول كلمات الأغنية، التي عملت "المفكرة" على ترجمة أجزاء منها من العامية المغربية إلى اللغة العربية الفصحى:

في بلادي ظلموني # لمن أشكو حالي
الشكوى للرب العالي# فقط هو من يدري
في هذه البلاد نعيش في غمامة # نطلب السلامة # انصرنا يامولانا
وزعوا علينا حشيش كتامة[1] # تركونا كاليتامى # سنحاسبهم يوم القيامة
مواهب ضيعتوها # بالمخدرات كسرتوها # كيف تريدون أن تجدوها؟
ثروات البلد أكلتوها # للأجنبي سلمتوها # والأجيال الصاعدة قمعتوها
قتلتم الشغف # واشتغلتم بالمكيدة....

 

الملاعب كفضاءات جديدة للتعبير

هي ليست المرة الأولى التي تعبر فيها جماهير الأندية الرياضية بالمغرب عن آراء تتعلق بالسياسة، حيث سبق لجماهير نادي الرجاء الرياضي، قبل سنوات أن عبروا عن غضبهم جراء تفشي ظاهرة بطالة الشباب بالمغرب، وارتدى عدد من مشجعي النادي وزرات بيضاء وزرقاء، في إشارة منهم إلى أن طلاب الجامعات أو حتى التكوين المهني يضطرون بعد تخرجهم إلى امتهان حراسة السيارات أمام انعدام فرص الشغل.

جمهور المغرب التطواني بدوره استغل إحدى مباريات الدوري الوطني لرفع شعارات للتضامن مع مقتل طالبة مغربية على يد الحرس الحدودي، حينما كانت تحاول الهجرة بشكل غير شرعي على متن قارب. وارتدى المشجعون اللون الأسود حدادا على روح الفقيدة، وعلى واقع شباب المنطقة الذين يعانون التهميش والإقصاء الاجتماعي.

وفي مقابلات أخرى، كانت الشعارات المرفوعة من طرف جماهير الملاعب تأخذ طابعا سياسيا كحملات المقاطعة، ورفض تغيير الساعة، وأحيانا قوميا، كالتضامن مع ضحايا مجزرة رابعة، والتضامن مع ثورات الربيع العربي أو مع الشعبين الفلسطيني والعراقي.

وهو ما يؤكد أن الملاعب في المغرب تحولت إلى فضاءات جديدة للتعبير ولتصدير أشكال متجددة من الحركات الاحتجاجية.

رسائل جماهير الملاعب من خلال أغنية في بلادي ظلموني

تبدأ الأغنية بمجموعة آهات هي عبارة عن صرخات متتالية تعبر عن الإحساس بالظلم الاجتماعي الذي يستشعره غالبية الشباب نتيجة التهميش وفشل نموذج التنمية وانتشار البطالة والفقر والتهميش والفوارق الاجتماعية وانعدام الأمل. فلا يبقى أمامهم من خيار سوى الهروب من هذا الواقع المرير إما عبر قوارب الموت، أو الدخول في عالم الإدمان. ولا تخفي كلمات الأغنية إحساس الشباب بمسؤولية الدولة تجاه تفشي ظاهرة الإدمان في ظل قوانين تعاقب المستهلكين ولا تشجع على العلاج.

وتأتي هذه الأغنية في وقت تشهد فيه مناطق بالمغرب، وبينها منطقة الريف (شمال)، وجرادة، وغيرها احتجاجات متواصلة للمطالبة بالتنمية وفرص عمل، فيما نظمت فئات أخرى من موظفي القطاع العام والأساتذة المتعاقدين والأطباء والممرضين مظاهرات للمطالبة بتحسين ظروف العمل ورفع الأجور، وهي الاحتجاجات التي ووجهت بالقمع والاعتقالات والمحاكمات لناشطي الحراك أحيانا، وباستعمال القوة أحيانا أخرى.

الشعور بالظلم والاحتجاج على العزل الاجتماعي سمة حاضرة بقوة في كلمات الأغنية التي تستحضر أيضا ما سمته المؤامرة والتي أدت قبل سنوات إلى منع نشاط الألتراس[2] بقرار من وزارة الداخلية سنة 2016[3]، ثم صدور تعليمات لاحقة لمنع تنقل المشجعين بعد محاولة إلصاق ظاهرة شغب الملاعب بفصائلها. كما صدر قانون 09.09 المتعلق بالعنف المرتكب في المباريات والتظاهرات الرياضية[4]، وهو القانون الذي استعمل كسلاح لملاحقة مشجعي الألتراس حيث ألقي القبض على العشرات منهم وتمت إحالتهم على المحاكم بناء على اعترافات دونتها الشرطة في محاضر وصفت بأنها مفبركة.

 

تأملات على ضوء الأغنية

تؤكد الأغنية من جهة أولى خطأ المقولة التي مفادها أن الشعوب العربية عموما والشباب العربي على وجه الخصوص  يهتم بكرة القدم أكثر من اهتمامهم بالسياسة. فقد أدى القمع الذي واجهت به السلطة مطالب الحركات الاجتماعية في عام 2016، بكل من الريف ومدينة جرادة، والاعتقالات في صفوف نشطاء الحراك، والتضييقات التي مسّت حرية التعبير والصحافة والتظاهر والتنظيم، والمراقبة على الفضاءات الافتراضية، كل ذلك أدى إلى بروز ظواهر اجتماعية جديدة، تبحث لنفسها عن منافذ للتعبير وأدوات أخرى للاحتجاج.

تعبر الأغنية عن وعي جمعي يتطور مع تعاقب الأجيال وتوالي الانتكاسات السياسية والاجتماعية. فالملاعب التي أريد لها أن تتحول إلى فضاءات للترفيه وإلهاء الشباب عن واقع مشاكلهم اليومية، والقضايا القومية، أصبحت وسيطا لتوجيه رسائل ذات طبيعة سياسية. فلا غرابة أنه كلما تراجعت حرية التعبير بالمجتمعات، أصبحت الملاعب متنفسا جماعيا لهم خاصة بالنسبة للفئة العمرية المتراوحة بين 16 و30 سنة، وهي الفئة الأكثر تضررا من البطالة، خصوصا في المجال الحضري حيث ينشط الإلتراس، وهي فئة لها مميزات أهمها أنها قاطعت الحياة السياسية، وفقدت الثقة في المؤسسات، وتعاني اليأس وانسداد الأفق.

وهي أيضا الفئة التي تنتمي إلى جيل الثورة الرقمية وعولمة التواصل، وقد تبلور خطابها الاحتجاجي مع حراك 2011.

تكشف الأغنية عن مشكل ضعف الثقة في الأحزاب الحالية وفي منظمات المجتمع المدني وفي المؤسسات الوسيطة، حيث أصبح الألتراس يلعب دورا بديلا عن هذه الهيئات؛ فالألتراس يحتضن ويؤطر وينظم ويعبر عن وعي هذه الفئات الواسعة؛

تعبر الأغنية عن شكل احتجاجي جديد يبدعه الشعب المغربي يُضاف إلى أشكال سابقة مثل حملة المقاطعة الشعبية لعدد من المنتوجات، والتي تعتبر في جوهرها شكلا من أشكال التعبير السياسي.

الأغنية تعد صرخة ثورية ذات طابع إبداعي وسلمي، ممتدة في الزمان والمكان، وهو ما يفسر كيف انتقلت كالنار في الهشيم لتتلقفها كافة شعوب المنطقة التي يقتسم شبابها نفس المعاناة، مكسرة بذلك هاجس اللغة (اللهجة) والمسافات مما يدل على أن المشاعر الإنسانية لا لغة ولا حدود لها.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

 


[1]- كتامة منطقة في ريف المغرب شهيرة بزراعة المخدرات.

[2]-الإلتراس كلمة لاتينية تعني المتطرفين في العشق، وتعني مجموعات مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد لفرقها، وتتواجد بشكل أكبر بين محبي الرياضة في أوروبا وأمريكا الجنوبية وحديثًا في دول شمال أفريقيا.

يعود تاريخ ميلاد رابطة المشجّعين الألتراس في المغرب إلى سنة 2005، إذ تأسّست عدّة فصائل آنذاك، ويتعلّق الأمر بــ«ألتراس كرين بويز» التي تُناصر فريق الرجاء البيضاوي، و«ألتراس عسكري» التي تدعم فريق الجيش الملكي، بالإضافة إلى «ألتراس وينرز»، التي تساند فريق الوداد البيضاوي.

واستمر بعد ذلك ظهور العديد من الفصائل الأخرى في السنّوات الموالية، توزّعت بين البطولة الاحترافية وأقسام الهواة، أهمها «ألتراس إمازيغن» المساند لفريق حسنية أكادير، و«ألتراس فتال تايكرز» المشجع لفريق المغرب الفاسي، ثم «ألتراس ريد بيرات» المدعم لفريق جمعية سلا، فضلًا عن «ألتراس ريد مان» المساندة لفريق النادي المكناسي.

[3]- بعد أحداث ما بات يعرف بالسبت الأسود، عقب مباراة الرجاء البيضاوي وشباب الريف الحسيمي، يوم 19 مارس /آذار 2016 الذي قتل فيه مشجعان وأصيب عشرات آخرون، وما نتج عن ذلك من أعمال شغب أخرى؛ أصدرت وزارة الداخلية المغربية قرار حل روابط الألتراس وكلفت السلطات المحلية بتبليغ الأندية الكروية التابعة لمنطقتها بهذا القرار.

[4]- ظهير رقم 1.11.38 صادر بتاريخ 02 ‏ /06 /2011  بتنفيذ القانون  رقم 09.09 المتعلق بتتميم مجموعة القانون الجنائي. الجريدة الرسمية عدد 5956 الصادرة بتاريخ 30 /06/ 2011.